الدرس في شرح اللآلئ البهية 16، الدرس السادس عشر : فيه ( فإن روح القدس هو جبريل بدليل قوله تعالى ... فإنه إنما يقرأ القرآن العربي لا معانيه المجردة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ بشرح لامية شيخ الإسلام ونزول القرآن على قلب النبي محمد بوساطة جبريل، مؤكدًا أن القرآن كلام الله حقيقة. يُبيِّن أن الجهمية والكلابية والأشعرية أخطأوا في قولهم بخلق القرآن أو أنه ليس كلام الله حقيقة.
يناقش المقطع قول الأشاعرة والكلابية بشأن القرآن، ويُظهر اتفاقهم مع المعتزلة في القول بخلق القرآن مع اختلاف في التعبير. يُفصّل أيضًا الاختلاف بين الكلابية والأشاعرة في مفهوم الكلام النفسي.
يفسر الشيخ آية قراءة القرآن، مشيرًا إلى أن المقصود هو القرآن العربي المكتوب والمقروء باللسان العربي. يؤكد أن هذا القرآن هو كلام الله حقيقة، وصفة من صفاته غير مخلوقة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة أحمد المرداوي رحمه الله تعالى في شرحه الألفي والبيتي في شرح لامية شيخ الإسلام المتينية: قال «فإن روح القدس هو جبريل، بدليل قوله تعالى: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ وهو الروح الأمين في قوله تعالى: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين﴾ على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾، وفي قوله «الأمين» دلالة على أنه مؤتمن على ما أرسل به، لا يزيد فيه ولا ينقص منه». وأراد بهذا رحمه الله أن يدلل على مسألة نزول القرآن وأنه كلام الله حقيقة، نزل به جبريل عليه الصلاة والسلام على نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكلام جبريل بالقرآن هو من باب التبليغ، وكلام نبينا عليه الصلاة والسلام من باب التبليغ، فالكلام ينسب لمن قاله ابتداءً كما مر معنا. قال رحمه الله: «وقال في صفته بالآية الأخرى: ﴿إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين﴾، وفي قوله: ﴿قل نزله روح القدس من ربك﴾ دلالة على أمور منها بطلان قول من يقول: إن كلام الله مخلوق، خلقه في جسم من الأجسام المخلوقة كما هو قول الجهمية». يعني أن هذه الآية، وهكذا ما قبلها مما ذكره رحمه الله، تدل على أن القرآن ليس بمخلوق، بل هو صفة للخالق جل وعلا. وقوله «أن كلام الله مخلوق خلقه في جسم من أجسام المخلوقة» يعني هذا قول الجهمية، وهو باطل بدلالة هذه الآية وما قبلها؛ لأنه قال «من ربك»، قل نزله روح القدس وهو جبريل عليه الصلاة والسلام «من ربك» يعني من الذي تكلم به؟ الله سبحانه الرب. قال: وفيها دلالة أيضًا على بطلان قول من قال: إن القرآن العربي ليس منزلا من الله، بل مخلوق إما في جبريل أو محمد أو في جسم آخر كالهواء، كما يقول ذلك الكلابية والأشعرية القائلون بأن الكلام العربي ليس هو كلام الله، وإنما كلامه المعنى القائم بذاته، والقرآن العربي خلقه ليدل على ذلك المعنى. وهذا يوافق قول المعتزلة ونحوهم بإثبات خلق القرآن العربي، وهو كلام باطل بنص الكتاب والسنة. انتهى. يعني هذا نقل من كلام شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله، كما مر معنا قبل ذلك في الدرس السابق؛ فإنه نقل عن شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله معنى هذا الكلام. وعندكم في الحاشية معلق أنه منقول من كلام شيخ الإسلام في المجلد الثاني عشر بتصرّف، وهكذا نحوه من كلام صاحب لوامع الأنوار. ومعنى هذا الكلام أن قول الأشاعرة بالكلام النفسي الذي به يقولون أن القرآن الموجود اليوم والذي يقرأه الناس هذا -فيما يزعمون- عبارة أو حكاية عن معنى كلام الله الذي بالنفس، وأن القرآن الذي هو في النفس عندهم -في زعمهم- مع أنهم غير متفقين -أي الأشاعرة والكلابية- هو الذي ليس بمخلوق، وأما الذي في الوجود باللسان العربي وبالحروف العربية عندهم مخلوق. وهذا وافق قول المعتزلة، فصار قولهم وقول المعتزلة قولًا واحدًا وهو القول بخلق القرآن. وعلى هذا زعمهم أنهم يخالفون المعتزلة ويوافقون أهل السنة في القرآن، قول ليس بصحيح، بل خطأ؛ لأنهم في الحقيقة لا يوافقون أهل السنة ويوافقون المعتزلة. فنهاية الأمر أنهم قالوا بخلق القرآن، وهذا القول هو أن الذي في النفس ليس بمخلوق، هم كذلك غير متفقين فيه كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله في بعض كتبه. ولهذا هم مختلفون، أحيانًا يقولون حكاية وأحيانًا عبارة؛ لأن لهم في هذا مذهبان. فالكلابية يقولون حكاية؛ لأنهم يزعمون أن الذي في النفس هو هذا الذي خرج إلى الوجود قرآن في النفس موجود متميز أمره ونهيه وخبره واستخباره. وأما الأشاعرة فهم يزعمون بأنه لا يوجد في النفس كلام متميز، فلا فرق بين الخبر والاستخبار والأمر والنهي. ولهذا هم لا يقولون حكاية، يقولون عبارة؛ لأنه لا يوجد في النفس شيء يحكى. فلهذا هم لا يقالون بأن يقولوا القرآن مخلوق، لكنهم يخافون إنكار العامة، يخافون إنكار العامة، بخلاف الكلابية؛ فإنهم يفرقون فيزعمون أن الذي بين دفتي المصحف مخلوق، وأن الذي في النفس ليس بمخلوق. وعلى كلا القولين -سواء الأشاعرة أو الكلابية- فهو باطل، بل الأدلة من الكتاب والسنة تدل على أن الله تعالى تكلم سبحانه بالقرآن حقيقة باللسان العربي المبين، وسمعه جبريل فأداه أداءً مبلغًا، وسمعه نبينا عليه الصلاة والسلام فأداه أداءً مبلغًا. فالقرآن ينسب إلى من قاله وابتدأه، وهو كلام الله حقيقة ليس بمخلوق. قال رحمه الله تعالى: «طيب قوله أولًا: القائلون بأن الكلام العربي ليس هو كلام الله، إنما كلامه المعنى القائم بذاته». هذا معنى كما قلنا الكلام النفسي الذي اتفقت الأشاعرة والكلابية فيه، لكنهم اختلفوا في هذا الكلام النفسي هل هو متميز أو غير متميز؟ فقالت الكلابية متميز، وقالت الأشاعرة غير متميز. وهكذا قوله رحمه الله بعد ذلك: «وهذا وافق قول المعتزلة ونحوهم بإثبات خلق القرآن العربي؛ لأن في النهاية هم وافقوا المعتزلة في أن هذا القرآن الموجود مخلوق». وهذه هي بدعة الاعتزال في الحقيقة لا خلاف، ولو زعموا أنهم يخالفون؛ لأن الثمرة واحدة. قال: وقال السفاريني في شرح عقيدته ما نصه: «باحثًا بقوله قلت: ذكر جماعة من محققي الأشاعرة السعد التفتازاني والجلال التواني أنه لا نزاع بين الأشاعرة وبين المعتزلة في تسمية الله تعالى متكلما بمعنى أن يوجد الأصوات والحروف في الغير». انظر بأن يوجد والإيجاد عندهم إيش الخلق؟ وهو اللوح المحفوظ أو جبريل أو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: «وإنما النزاع أن المعتزلة لم يثبتوا غير هذه الأصوات والحروف الموجودة في الغير معنى قائمًا بذات الباري، قالوا: ونحن -يعني معاشر الأشاعرة- يعني يريد التفتازاني وصاحبه قال: نثبت معنى قائمًا بذات الباري تعالى، معبرًا عنه بالعبارات والألفاظ». انتهى كلامه. ويريد بهذه الجملة أن يبرهن للأشاعرة ومن نحوهم من الماتريدية والكلابية أنهم في الحقيقة لا يفرقون مذهبهم؛ فإن الكثير من الأشاعرة لا يعرف مذهب الأشاعرة، يظن أن الأشاعرة مخالفون للمعتزلة في القول بخلق القرآن، والحقيقة أن الأشاعرة لم يخالفوا المعتزلة في القول بخلق القرآن، فهم من يقول بخلق القرآن، وافقوا المعتزلة بالقول بخلق القرآن. كما مر معنا؛ لأن مذهبهم القول بالكلام النفسي، فزعموا أن الذي في الوجود هذا هو المخلوق، وأن الذي بالنفس ليس بمخلوق، على الخلاف الذي سبق قبل قليل بين الأشاعرة والماتريدية في الحكاية والعبارة. ولأنه سيأتي إن شاء الله تفصيل الكلام فيه في درس لاحق. لكن الخلاصة أن الأشاعرة وافقوا المعتزلة بالقول بخلق القرآن، وهذا مما لا يعرفه الكثير من الأشاعرة ويجهلونه، ويظنون أنفسهم أنهم يوافقون أهل السنة في هذه المسألة، وهم مخطئون؛ جهلوا حقيقة مذهبهم، فمذهبهم هو مذهب المعتزلة، بل هم أفراط المعتزلة حقيقة. فعلى هذا هم من أهل البدع في مسألة القرآن، وهم لا يختلفون كثيرًا، بل بالحقيقة قولهم شر من قول المعتزلة؛ لأن قولهم فيه خطأ ومكر، يظهرون أنهم على السنة وهم ليسوا على السنة، يظهرون أنهم لا يقولون بخلق القرآن، وهم بالحقيقة يقولون بخلق القرآن. وهذا كلام إمامهم، نص كلام التفتازاني فيما نقله السفاريني رحمه الله في شرح عقيدته. قال رحمه الله تعالى: «قال والمقصود أن النص القرآن يبين فساد هذا القول، فإن قوله: ﴿نزله روح القدس من ربك﴾ يقتضي نزول القرآن من رب العالمين، و«قرآن» اسم لهذا الكتاب العربي لفظه ومعناه». لفظه هذه الألفاظ العربية الموجودة: «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم»، الألف واللام والحاء والميم والدال واللام واللام والهاء إلى آخره، كل هذه الحروف كلام الله، حروفه ومعانيه. معنى هذا الكلام العربي بما نفهمه هو كلام الله، ليس منه ليس بكلام الله. والله عز وجل يقول: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾، هل يسمع الكلام الذي بالنفس أم يسمع هذا المقروء الذي بين دفتي المصحف؟ الجواب: يسمع هذا المقروء الذي هو بين دفتي المصحف، وهو كلام عربي، كلام الله حقيقة، سماه الله كلامه، فهو كلام الله ليس بمخلوق. وهكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من الرجل يحملني إلى قومي لأبلغ كلام ربي؟» ما هو هذا الكلام الذي منع أن يبلغه؟ هل الذي بالنفس أو هل الذي بين دفتي المصحف؟ الجواب: الذي بين دفتي المصحف الذي نقرأه بالألسنة ونحفظه بالصدور ونكتبه في الكتب والأوراق، هذا هو الذي يسمى قرآنًا، وهو كلام الله ليس بمخلوق. كما مر معنا أن الله جل وعلا يقول: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾، ففرق بين الخلق والأمر، ومر معنا أن من أمره الأمر الشرعي الذي هو القرآن، القرآن كلام الله. وهكذا كذلك الاستعاذة: «نستعيذ بكلمات الله»، ومن كلمات الله الكلام الشرعي القرآن، ولا يستعاذ بمخلوق، بل هي صفة الخالق سبحانه. قال رحمه الله تعالى: «بدليل قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن﴾، فإنه إنما يقرأ القرآن العربي، لا معانيه المجردة». الذي يقرأ يقرأ هذا القرآن العربي، «فإذا قرأت القرآن» ليس الذي في النفس، وإنما هذا اللفظ المكتوب بالعربي والذي نقرأه باللسان العربي، فهو كلام الله حقيقة، صفة من صفاته، وهو ليس بمخلوق؛ لأن صفة الخالق ليست بمخلوقة. فما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. طيب نكتفي عند هذا الحد، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق. والحمد لله رب العالمين.