من آداب السوق

الخطبة بعنوان من آداب السوق، خطبة الجمعة بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 28 محرم 1433هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام البيع والشراء وآداب الأسواق

يتناول أهمية أحكام البيع والشراء في الإسلام، مبينًا أن الدين لم يترك جانبًا من جوانب الحياة دون تشريع. يُبين أن الله تعالى أباح للمسلمين البيع والشراء مع أداء العبادات.

آداب وأحكام التجارة في الإسلام

يتناول أحكام التجارة في الإسلام، مبينًا أن الله جل وعلا بيّن الحلال والحرام في التجارات، وأحل البيع وحرم الربا، وأمر بالسماحة في المعاملات وعدم الظلم.

اجتناب الفتنة في التجارة

يجب على المسلم اجتناب مواضع الفتنة في التجارة، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، وعدم إعانة المشركين على شركهم وأعيادهم الجاهلية.

ختام و دعاء

يتضمن صلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ودعاء بالسلامة والمغفرة للنفس ولجميع المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من رحمة الله جل وعلا وحكمته ورفقه بخلقه أن شرع لهم سبحانه وتعالى في هذا الدين العظيم ما ينتفعون به في الدنيا والآخرة، وما تكمل به أمر معاشهم وأمر معادهم، بتلك الأحكام المحكمة التي شرعها ربنا جل وعلا في هذا الدين العظيم. فما من صغير ولا كبير إلا وجعل له حكمًا تقوم به حياة هذا الإنسان وتكمل، ويصل به إلى سعادته في الدارين، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وقد قال سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. ومن ذلك، عباد الله، أنه كما اعتني في هذا الدين بأمر إصلاح أديان الناس وعبادتهم لله رب العالمين، فكذلك اعتني بأمر معاشهم وما تصلح به حياتهم. فجعلت في ذلك أحكامًا كثيرة في جوانب شتى لا يستغني عنها هذا الإنسان. ومن تلك الجوانب ما شرع ربنا جل وعلا من أحكام وآداب في أمر الأسواق والبيع والشراء، فإنه جانب من جوانب حياة هذا الإنسان، قد جعل ربنا جل وعلا فيه أحكامًا وآدابًا. وما ذلك إلا لكمال هذا الدين الذي لم يجعل هذا الإنسان يفتقر لغيره، بل ولا يفتقر لنفسه. فكماله وسعادته وخيريته تكمن وتكمل في متابعة أحكام الله المحكمة وتشريعاته المتقنة. ولذلك أنزل سبحانه وتعالى من علمه ومن شرعه ودينه ما يستوعب جميع جوانب حياة هذا الإنسان. فمن تلك الآداب التي شرعها الله عز وجل لعباده في أمر البيع والشراء وآداب الأسواق وأحكامها، أنه سبحانه وتعالى أولًا أباح لهم ما يحتاجونه بقدر حاجتهم. وهذا هو العدل الذي أنزله الله جل وعلا في جميع أحكام هذا الدين. لم يحرم عليهم ما يحتاجونه كما حرم بعض الناس في أديان شتى أشياء كثيرة أحلها الله لهم. بل إن ربنا جل وعلا جعل تحريم ما أحل الله من الإثم، كما أن تحليل ما حرمه الله من الإثم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً﴾. فلا يجوز أن يحرم المسلم على نفسه شيئًا أحله الله، كما لا يجوز له أن يحل شيئًا حرمه الله؛ لأن ذلك حق لله جل وعلا وحده. فلذلك، عباد الله، كان أهل هذا الدين وسطًا بين طوائف حرمت على أنفسها أشياء أحلها الله، وقوم آخرون تحايلوا وأحلوا شيئًا كثيرًا مما حرم الله. فوفق الله هذه الأمة لما فيه سعادتها وكمالها وعدلها في الدنيا والآخرة. ومن ذلك، عباد الله، أنه سبحانه أباح لهم حتى البيع والشراء مع العبادات والطاعات. ففي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عباس أنهم أي المسلمون حين حجوا وأتوا الحج، وكانت لهم أسواق تكون في أيام مواسم حجهم وعباداتهم في الجاهلية، فكأنهم استأثموا وظنوا أن ذلك ينافي الإخلاص لله في عبادته وطاعته. ومن تلك الأسواق سوق عكاظ وذي المجاز والمجنة وغيرها من أسواق العرب المشهورة التي كانوا يجتمعون فيها في أيام المواسم. فأنزل الله جل وعلا قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني في مواسم الحج كما جاء عن ابن عباس وغيره. فأباح الله جل وعلا لهذه الأمة حتى البيع والشراء مع العبادات، مع حرص المسلم أن يؤديها على الوجه الذي يحبه ربنا جل وعلا ويرضاه. وهكذا كذلك أزاح هذا الدين العظيم مفاهيم خاطئة كان يظنها بعض الناس من أهل الجاهلية وغيرهم، فيظنون أن مقام العبادة لله والدعوة إلى الله تنافي النزول إلى الأسواق. فبين ربنا جل وعلا أن ذلك لا ينافي صاحب فضل في فضله ودعوة في دعوته وعبادة في عبادته. فلما استنكر المشركون نزول النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأسواق، وهو عليه الصلاة والسلام من بني آدم يحتاجه ما يحتاجه بني آدم، بيّن ربنا جل وعلا خطأهم في ذلك في آيات عديدة. ونبينا عليه الصلاة والسلام بسنته. قال ربنا جل وعلا عن المشركين: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾. فبيّن لنا ربنا جل وعلا أن قول المشركين ذلك، قول خاطئ ينافي حقيقة ما في هذا الدين. بل الفطر السليمة والعقول الصحيحة تعرف وتعترف أنه لا منافات بين ذلك وبين أن يكون رسولًا نبيًا من عند الله جل وعلا. وهكذا صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من غير وجه حث أصحابه على التجارة، بل أمته. ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «لأن يغدو أحدكم فيحتطب فيأخذ حزمة من حطب فيبيعها خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». و «اليد العليا خير من اليد السفلى». وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه ذكر عددًا من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كانوا يعملون ويتجرون. بل صح عنه عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح أنه كان يرعى الغنم لأهل مكة على قراريط يأخذها، يعني دراهم يسيرة يأخذها أجرة على رعيه للغنم عليه الصلاة والسلام. هذا قليل من كثير، عباد الله، مما يبين به أن ديننا كما يأمر العبد بعبادة ربه وإعمار دنياه بطاعته سبحانه، فإنه كذلك لا يأذن لأحد أن يبقى عالة على غيره، أو يترك أحدًا من هو تحت يده أن يكون عالة على غيره. فصح عنه عليه الصلاة والسلام من غير وجه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت». وفي رواية: «من يعول». وهي روايات بين صحيح وحسن بمجموع طرقها. فهذا وغيره يدل أن تضييع هذا الباب ليس تركًا للمأذون المباح فحسب، بل إنه وقوع في المحرم الذي نهى عنه ربنا جل وعلا. فكان بهذا أهل هذا الدين أكمل الناس حياة وسعادة في الدنيا والآخرة، بما أحكم الله من أحكامه المحكمة التي تكون به سعادتهم في الدارين. ومع ذلك، عباد الله، الذي قرر هذا الأصل العظيم في هذا الدين، فإنه حباه وحواه بعدد من الآداب والأحكام التي من رعاها انتفع بهذه الأصول العظيمة التي تكون به سعادة هذا الإنسان في الدنيا والآخرة. فمن تلك الآداب والأحكام، عباد الله، أن الله جل وعلا قد بيّن لنا تجارات أحلها وأخرى حرمها. فأحل الله البيع وحرم الربا. وأحل الله جل وعلا أكل أموال الناس بالحق، وحرم أكلها بالباطل. قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. فعلم بهذا أن كل ما يناهي التجارة التي فيها أخذ المال بحق، فهذا من الحلال الذي أحله الله. وما كان أخذه بغير حق، فهذا من الحرام الذي حرمه الله. فهذا أصل يُعلم به حكم الأشياء إذا حصل الاشتباه فيها. فمع أن ربنا جل وعلا بيّن الحلال وبيّن الحرام، كما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير: «إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». وبيّن تفاصيل كثيرة في معاملات يتعامل بها، وهي من المشبوهة أو من المحرمة، وأخرى مما أحلها الله. ومع ذلك إذا وقع اللبس، فعندنا قواعد وضوابط يتوصل بها إلى معرفة حكم الأشياء. ومن ذلك أن كل معاملة باطلة في الفطرة والعقل الصحيح، فإن الشرع قد دل على تحريمها، إما بالنص المنصوص عليه كالغش والخيانة والربا وغير ذلك من المعاملات المحرمة المنصوص عليها. أو كذلك بعمومات الأدلة. فإن الشرع لا يجمع بين مُفترق، ولا يفرق بين مجتمع. فالطيب يلحق بالطيب، والخبيث يلحق بالخبيث. وما علم أنه ليس من العدل، وأنه من أكل أموال الناس بالباطل، فلا شك أن الشرع يحرمه. بل إن الشرع يأمر أهل هذا الدين بأن يكون الواحد منهم أحرص على السلامة من المظالم في حياته كلها. ومن ذلك في هذا الباب، بل يأمر أن يكون الفضل منه لا الفضل عليه. يحث أهل الدين أهل هذا الدين جميعًا أن يكونوا أهل الفضل المتفضلين بأقوالهم وأفعالهم وأموالهم، لا المتفضل عليهم. فقد بكر ربنا جل وعلا معنى ذلك في آيات كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. فمن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوا لَهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال بعض أهل العلم: فعلم بهذا أن هذا فعل الخاطئين، وأن الفعل المحمود هو ضد ذلك. ويبينه قول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف تجارة المؤمن وأصل معاملته في قوله عليه الصلاة والسلام: «سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا أعطى». فالسماحة تقتضي أنك إذا كِلت لغيرك زدته، وإذا كان لك نقصت نفسك، تبخس نفسك وتزيد غيرك. ذلك أدعى أن تسلم من المظالم، وأن تكون محسنا. والله يحب المحسنين. وهكذا كذلك، عباد الله، قد تكون بعض المعاملات تخفى على بعض الناس، فبحكمة الله جل وعلا وعموم تشريعه بيّن لهم ذلك وأعلمهم بحكمه. فمن ذلك ما جاء في الصحيح في صحيح مسلم من حديث معمر بن عبد الله أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحتكر إلا خاطئ». فلا يجوز احتكار السلع. فهذا مما قد يخفى على بعض الناس، فيظن أن حفظ بعض السلع في وقت رخصها إلى وقت غلائها يمنع الناس منه ويؤخر بيعه طمعًا في زيادة سعره، يظن أن ذلك من المباحات. وليس الأمر كذلك، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحتكر إلا خاطئ». فلا يجوز احتكار السلع. وأعظم من ذلك التلاعب بالأسعار، فإن ذلك من أذية المؤمنين ومن الظلم لهم. وقد صح في هذا الدين عند كل من له أدنى معرفة أنه لا يجوز له أن يظلم شيئًا، ولو كان مثقال ذرة. قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. فالذرة الواحدة لا يعفى عنها، ولا يسمح بها في هذا الدين، طلبًا في أداء الحقوق وابتعادًا عن الظلم في الأمانات. وهكذا كذلك، عباد الله، هكذا كذلك معاملات كثيرة ربما ابتلي بها بعض المسلمين في هذا الزمان، بسبب جهلهم وبعدهم عن دين الله جل وعلا، وعدم تعلمهم إياه. فمن ذلك كثرة الحلف في البيع والشراء، فهذا مما نهينا عنه، حتى ولو كنت صادقًا. ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة وأبي قتادة عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «الحلف منفقة للسلعة، منفقة للبيع» قال: «منحقة لها» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فالحلف، عباد الله، قد ينفق لك سلعتك، ولكنه يمحق عليك بركة بيعك. يمحق عليك بركة بيعك. فإن ذلك من أعظم ما قد يكون سببًا لحرمان الناس الانتفاع من تجاراتهم. بعض الناس ربما يتجر ولا يجد بركة هذا البيع، لا تزال الديون عليه، ولا يجالد في ضيق حال. وسبب ذلك ما قد يقع فيه من بعض المخالفات الشرعية، ومنها مثل هذه المخالفة: كثرة الحلف في البيع والشراء، ولو كنت صادقًا. فأما إذا كنت كاذبًا، فهذا أعظم وأعظم. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الطبراني وغيره، وأصله في الصحيح أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يكلمهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم». قال: «شيخ زان، وعائل مستكبر». ثم ذكر الثالث، وهو: «الذي يبيع سلعته باليمين الكاذبة». فالحذر الحذر، عباد الله، من أي معاملة في بيعك وشرائك يكون فيها الوقوع فيما حرم الله. فإن ذلك مفضٍ إلى خسارتك في الدنيا بمحق بركة هذا البيع، وبخسارتك في الآخرة بما يكون من الإثم العظيم والعذاب الشديد الذي توعد الله عز وجل به أمثال هؤلاء العصاة. نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن مما ينبغي عليه من هذه الأحكام والآداب، أن ما أذن الله به سبحانه من التجارات والبيع والشراء والصفق في الأسواق، لا يكون على حساب الواجبات الشرعية. فلا يجوز للمسلم أن يضيع واجبًا على حساب هذا المباح. بل الواجب على المسلم أن يحرص غاية الحرص على أن يؤدي ما أمره الله به. وليعلم أنه ولو نقص من وقت تجارته، فإن ذلك سبب لبركتها. وأنه وإن زاد في وقت تجارته على حساب فرائض الله وواجبات أوجبها الله عليه، فإن ذلك موجب لمحق بركة بيعه، وعذاب الله بعد ذلك في الآخرة. فلذلك لا يجوز للمسلم أن يؤثر هذه الدنيا الفانية على الآخرة. وهذا معنى من معاني تفسير هذا اللفظ. فإن من معاني ذلك أن تؤتي التجارات على حساب الدين. فمن ذلك قول الله جل وعلا في حق التجارة يوم الجمعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. فلا يجوز البيع والشراء مع صلاة الجمعة ووقت الجمعة، فإن ذلك من كبائر الذنوب التي تستوجب العقوبة في الدنيا والآخرة. عقوبة حسية بما يكون من معاقبة الإمام وتعزير أمثال هؤلاء، وعقوبة معنوية مما يكون ببحق البركة وغيرها. وهكذا في الآخرة عقوبة عظيمة تنتظر أمثال هؤلاء. وهكذا كذلك حتى الصلوات الأخرى الخمس بالنسبة للرجال البالغين المقيمين، يجب عليهم ما داموا أصحاء أهل إقامة لا سفر، فإنهم يجب عليهم أن يجيبوا المنادي إذا نادى للصلوات الخمس، فيغلق تجارته ويستجيب لنداء ربه. ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا أعمى جاء يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في عدم الصلاة في المسجد؛ لأنه ليس له قائد يقوده. فأذن له في أول الأمر، ثم قال له: «أتسمع النداء؟» قال: «نعم». قال: «لا أجد لك رخصة». وجاء عنه عليه الصلاة والسلام كذلك أنه هم أن يحرق بيوت قوم لتخلفهم عن صلاة الجماعة. ولا يعني ذلك أن لا يُعذر أهل الأعذار، فأهل الأعذار يُعذرون فيؤذن لهم إن كان عذرهم يمنعهم من الذهاب إلى المسجد. ولهذا جاءت الرخصة في حديث العتبان بن مالك، ولم تأت الرخصة في حديث أبي هريرة. وذلك لأن الأول كان بيته قريبًا من المسجد، لا يضره عدم وجود القائد الذي يقوده إلى المسجد. وأن الثاني بيته بعيد من المسجد، بينه وبين المسجد الوادي، يضر من كان مثله من العميان أن يذهب إلى مثل ذلك المسجد بغير قائد. فأذن لواحد ولم يأذن للآخر. وكذلك يقال في غيرها. فإذا كان كذلك، علم أنه لا رخصة لأهل التجارات أن يبقوا على تجاراتهم ويتركوا صلاة الجماعة، فضلًا أن يضيعوا الصلاة بالكلية. فإنها أعظم وأعظم، أعظم جرما وإثمًا عند الله سبحانه وتعالى. وقد قال سبحانه عمن يؤخر الصلاة عن وقتها: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. جاء عن عبد الله بن عمر وابن عباس وجماعة قالوا: أما إنهم لم يتركوا الصلاة بالكلية، ولكنهم أخروها عن وقتها. ومن هذه الآداب، عباد الله، أن يحرص المؤمن كذلك على اجتناب كل موضع من مواضع الفتنة. فإذا كان هو بائعًا يحرص على حدود الله في بيعه واشترائه، وإذا كان مشتريًا فكذلك. وكذلك في صفة الخارج إلى هذا البيع والشراء. فلا يجوز وضع الأسواق على وجه يكون فيه فتنة بخلط الرجال مع النساء. ولهذا نهيت المرأة عن الخروج من بيتها إلا ما لابد منه، حتى ولو كان إلى طاعة، إلى مسجد، وإلى بيت من بيوت الله. فيفضل في حقها أن تصلي في بيتها، مع أنها إنما أرادت الطاعة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة أنه قال: «صلاة المرأة في حجرتها خير من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها خير من صلاتها في مسجد قومها، وصلاتها في مسجد قومها خير من صلاتها في مسجد» أو قال: «في مسجدنا». ومنه يفهم أن المرأة مأمورة أن تقلل خروجها لما في ذلك من فتنة. وإذا اضطرت واحتاجت إلى الخروج فيما لا بد منه، فلتخرج على وجه التستر والحفظ والصيانة والعفاف، بما لا يكون فيه فتنة لها ولا لغيرها. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. فإذا احتاجت المرأة إلى الخروج، فهو خلاف الأفضل، فلتخرج ولكن بغير تبرج ولا زينة، بأن تلزم الحجاب الشرعي الذي يكون به حفظها وصيانتها، وحفظ هذا المجتمع. ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء من حديث أبي مسعود وغيره: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان». تأمل مثل هذه الأحاديث، ثم تأمل حال أسواق المسلمين وحال الكثير من النساء فيه، كيف أنهن ننفلتن حتى خرجن، وفعلن ما حذرن منه. فكان فتنة لهن ولغيرهن، فتلك الأصوات والضحكات في البيع والشراء، وخروجهن من غير محرم، وخلطتهن بالرجال، وخلوتهن، وتبرجهن، وغير ذلك كله مما ينافي الآداب الإسلامية في هذا الباب. فيجب، عباد الله، على أولياء الأمور أن ينظروا بهذا بعين الاعتبار، فإنهم مسؤولون عن ذلك يوم القيامة. قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر أنه قال: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته» الحديث. ومن ذلك، عباد الله، أن هذا الدين أمرنا أن نتعاون على البر والتقوى، ولا نتعاون على الإثم والعدوان. حتى ولو كنت يا أخي تبيع وتشتري في شيء مباح، فإذا استعملته فيما يعين على الإثم والعدوان، فهو لا يجوز. وقد نص الفقهاء والعلماء أنه لا يجوز بيع السلاح في وقت الفتنة، ولا يجوز بيع العنب لمن يصنعه خمرًا. وكذلك من هذا الباب لا يجوز إعانة المشركين على شركهم، وإعانة الكفار على كفرهم، وإعانة أهل الفساد على فسادهم. ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وقد نص العلماء أنه لا يجوز إعانة المشركين في أعيادهم الجاهلية. وأعياد المشركين الجاهلية كثيرة، ومنها ما يقدم علينا في الأيام القادمة مما يسمى برأس السنة. فلا يجوز لأحد أن يعين على مثل هذه الأعياد المنكرة التي تقع فيها من المنكرات الكثيرة والشرور العظيمة، ما لا يجوز عند مسلم منصف أن يعين عليه. فهو من التعاون على الإثم والعدوان، سواء كان ذلك إعانتهم في إعمار الفنادق أو إعمار الشاليهات أو التوصيل بالمركوبات أو إقامة الرحلات السياحية فردية أو جماعية أو غير ذلك. فكل ذلك من التعاون على الإثم والعدوان. بل ربنا جل وعلا نهانا عن أعياد المشركين بقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾. جاء عبد الله بن عمر وجماعة أنها أعياد المشركين، أن لا يشهدها بنفسه، ولا يعين على إقامتها. فلا يجوز حضورها، وكذلك لا يجوز إعانة على إقامتها؛ لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان. نسأل الله جل وعلا أن يلهمنا رشدنا، وأن يصلح أحوالنا، وأن يردنا إلى الحق ردا جميلا. اللهم أصلح أحوالنا وحوال المسلمين، واغفر لنا ولسائر المسلمين، واجعلنا هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم أجمعين، واغفر لنا ولسائر المسلمين. شكرًا.