الدرس في خطبة جمعة وصايا للحجاج، خطبة جمعة وصايا للحجاج 17 ذو القعدة 1427هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يوصي الخطيب الحجاج بتقوى الله والإخلاص له في عبادة الحج، ويحذر من الشرك الخفي والرياء والسمعة، ويشدد على أهمية توحيد الله في الدعاء والأذكار.
يتناول المقطع بعض الأحكام المتعلقة بالحج ومحظوراته، مثل حرمة مكة والمدينة وتحريم الصيد، وأحكام العمرة والحج خاصة للنساء مثل تأجيل السعي وتأثير الحيض على أداء المناسك.
يشير إلى أعمال العشر من ذي الحجة مثل صيام يوم عرفة والأضحية، ويشدد على أن الله كتب لغير الحجيج أعمالًا صالحة يجتهدون فيها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِ، رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من حكمة الله جل وعنا ورحمته بعباده أن يسر لهم من شعائر الإسلام ما يزكى به نفوسهم، وما يقول لهم خيريتهم في هذه الدنيا والآخرة. فهو القائل جل وعنا: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. فنحمد الله عباد الله على ما أنعم علينا من نعمة الإسلام، وما جعل فيه من شرائع هذا الدين العظيم التي يرفع الله عز وجل فيها الدرجات، ويكفر بها السيئات، ويقوم فيها خيرية هذا المرء. خيرية العبد في الدنيا والآخرة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ومن ذلك عباد الله شعيرة الحج بالنسبة لمن وفقه الله جل وعلا للحج، فإنها شعيرة عظيمة جعلها الله عز وجل ركنًا من أركان الإسلام الخمسة التي لا يتم إسلام المرء إلا بها، كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان". فإن حج بيت الله الحرام من مباني هذا الدين العظيم، وهو كذلك مما فرضه الله عز وجل على الإيمان، وجعله فرقًا بين أهل الإسلام والكفران. قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. ومن كفر، أي بتركه الحج، فهو بين كفرين: كفر أكبر بجحوده وإنكاره، وكفر أصغر بما يكون من بخله وشحه وعدم إيتائه لما أوجب الله عز وجل عليه. ومن كفر فإن الله غني عن العالمين. وبهذا نعلم عباد الله أن الله عز وجل قد من على أهل الإسلام بهذه البرية التي بها يكونون على خير ما يكون عليه المرء في دينه ودنياه. «أما بعد، عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، وإن من أوجب الواجبات على من وفقه الله عز وجل للحج أن يحرص على توحيد الله جل وعلا والإخلاص له في هذه العبادة التي وفقكم الله عز وجل إليها». فإنكم تهلون بالحج لبيت الله الحرام ملبيين ومهلين بكلمة التوحيد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". فأجدر أن تستحضر أخي الحاج كلمة التوحيد هذه فيكون لها معنى في قلبك ومعنى في لسانك ومعنى في جوارحك وعبادتك وطاعتك لربك. فاستحضر هذه الكلمة العظيمة من حين أن تشرع في هذه العبادة، فمن حين أن تخرج استحضر أمر التوحيد لله عز وجل وحده لا شريك له، أن تخلص له من خالص مالك أخلصه، وأن تخلص له من أقوالك وأفعالك أخلصها، وأن تخلص في كل ما تدوجه به في هذه العبادة أطيب ما تجد فيما تتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى. ومن ذلك أولًا يا عبد الله أن تحرص على أن تزكي هذه الشعيرة العظيمة بشيء من الشرك الذي يغفل عليك هذه العبادة. فالله عز وجل يقول: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. إن الشرك عباد الله أدنى من دبيب النمل يدخل على المرء وربما لا يستشعره. كما قال عبد الله بن عباس: فإن من الشرك ما هو شرك خفي يكون بمعنى الألفاظ التي تنافي كمال التعظيم لله عز وجل. فلو قلت: "ما شاء الله وشئت" لو قلت في نوع من أنواع الشرك. ولو قلت: "وكذلك الكعبة" أو "والإمامة" أو "وكذلك رأس أبي وأمي" فقد قدحت في كمال التوحيد لله عز وجل. فكيف لمن يدعو غير الله، يظن أن غير الله يملك له نفعًا أو ضرًا، يتوجه في عبادته بدلا من أن يشكر الله على نعمته وتوفيقه، يحيل الشكر إلى غير الله عز وجل، إما إلى المحيي أو العيدروس أو ابن علوان أو الجيلاني أو غيرهم من الناس الذين حسبهم الناس صالحين أن ينفعوا أنفسهم لا يملكون لغيرهم نفعًا ولا ضرًا. هذا نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو خير الناس وسيد ولد آدم، ومع ذلك يقول لابنته: "إني لا أملك لك نفعًا ولا ضرًا". لا يملك لابنته أخص الناس وألصقهم به عليه الصلاة والسلام لا يملك لها نفعًا ولا ضرًا، فكيف بغيرها؟ رضي الله عنها وارضاها. فأعرف حق الله عز وجل في توحيدك له، وما أوجبه الله عز وجل عليك من إخلاص الطاعة له. ومن ذلك يا عبد الله أن تراغب الله بهذا التوحيد في دعائك وفي أذكارك وتوجهك في قلبك ولسانك وجوارحك أن يكون انتفاعك لله وحده لا انتفاع إلى غير الله. فلا تغتر بقدر من القبور مررت بها، ولو كان قبر بعض الصالحين أو الأولياء أو كان قبر الأنبياء، بل ولو كان قبر نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فحقه عليه الصلاة والسلام أن تسلم عليه كما أمرك صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حينما كنتم». انظر إلى هذا الحديث العظيم الذي جمع ثلاث خصال دين. تعرف ما أوجب الله عز وجل عليك من أحكام. لا تجعل بيتك قبرًا فتخليه من العبادة، فللبيت نصيب من العبادة كما أن للمسجد نصيب من العبادة. وهكذا سائر ما علمك الله مما فيه فضائل، ولو كان البيت الحرام. وهكذا يقول نبي عليه الصلاة والسلام: «ولا تجعلوا قبري عيدا». والعيد هو ما يحاد عليه بعود سنة أو شهر أو أسبوع أو يوم، فما يتعود الناس الذهاب إليه ويتكرر فإنه من العيد المنهي عنه. ولهذا شرع جماعة من الصحابة والتابعين كراهة زيارة قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمن زاره، فإن ذلك رأوه من اتخاذه عيدًا. وروي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه رأى رجلًا يريد أن يذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيسلم عليه، فقال: "أين تريد؟" قال: "أريد قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم". قال: "سلم عليه من هنا" -يعني من مكانه في المسجد-. قال: "وذكر له حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: صلوا علي حينما كنتم، فإن من صلى علي بلغ عني السلام تسليما أو كما قال عليه الصلاة والسلام". ثم قال رضي الله عنه ورحمه الله: "ما من قريب ومن بعيد إلا سواء في التسليم، وحمل السلام من الملائكة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم". وبهذا فائدة أخرى وهي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يسمع السلام مباشرة، ولكن الملائكة تنقل هذا التسليم من عالم الشهادة إلى عالم الغيب. فالملائكة واسطة ينقلون الصلاة والتسليم عليه عليه الصلاة والسلام، ليس أنه يسمع مباشرة. فقد قال ربنا سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وقال ربنا سبحانه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. فلنفهم هذا عباد الله، وعليك كذلك يا عبد الله أن تحرص على عدم الرياء والسمعة في حجتك، فإن ذلك مما يبطل الأعمال. إن ذلك مما يبطل الأعمال. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه". فلم يقبل الله عز وجل منك صرفًا ولا عدلًا. إن أنت أردت الرياء والسمعة فاخبر أن يكون قصدك من حجك أن يقال: "فلان قد حج" و"فلان قد فعل" و"فلان قد حصل منه". ولكن ليكن من ذلك قصدك وجه الله سبحانه وتعالى وامتثال ما أمرك به. وهكذا كذلك مما ينبغي أن تحرص عليه عبد الله أن تحرص أخي الحاج على التفقه في دين الله عز وجل عمومًا وفي أحكام الحج ومناسكه خصوصًا. كما أمرك ربك عز وجل ونبيك صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الله سبحانه: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾. وقال ربنا عز وجل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. قال البخاري رحمه الله: "باب العلم قبل القول والعمل". وقول الله عز وجل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي ينبغي أن يعلم المسلم أن العلم قبل كل قول وعمل، فلا يصح الأقوال ولا يصح الأعمال إلا بالعلم. فلا بد من العلم عمومًا في عبادتك لربك، وفي هذه الشعيرة وعلى وجه الخصوص. كيف لك أن تعرف ما أوجب الله عز وجل عليك وما تصح به العبادة وما لا تصح؟ وما تكمل به العبادة وما لا تكمل إلا بتعلم العلم يا عبد الله؟ وما كذلك نبيك يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله: "خذوا عني مناسككم". فأمر عليه الصلاة والسلام أن تؤخذ المناسك منه. فأنت تحتاج أخي الحاج إلى أن تقرأ من كتب أهل العلم ما تتفقه فيه لتعلم هذه العبادات. وما كذلك أن تسمع من أشرطة أهل العلم ما تتعلم فيه كيف تؤدي هذه العبادة على أكمل الوجود. وما كذلك تحتاج أن تسأل أهل العلم قبل ذهابك وحين ذهابك وبعد ذهابك، أن تكون متصلًا دائمًا بأهل العلم. احرص على اغتنام مواطن أهل العلم الذين تستطيع الوصول إليهم فتسألهم. احرص دائمًا على سؤال مراكز الاستفتاء المنتشرة في مكة وفي المدينة وفي طريقك إلى الحج أن تسألهم عن عبادتك وعما تكمل به هذه العبادة. وهكذا كذلك يا عبد الله مما أوصيت به أيها الحاج أن تحرص في سفرك هذا على آداب السفر الشرعية. ومن ذلك أن تحرص على أن تكون في سفرك هذا على طاعة الله من أوله إلى آخره. فاحرص على الطاعة، فإن هذا الحج من خير الأعمال ومن أفضل الأعمال. فما عليك إلا أن تكمله وأن تزينه بطاعة الله عز وجل. احذر أخي الحاج أن ترتكب شيئًا من المحرمات أو الكبائر كبائر الآثام التي بها تدنس هذا الحج. فاجتنب المعاصي من الغناء والاختلاط وكذلك ملامسة النساء أو غير ذلك مما حرمه الله. وتنبه بالمرأة السفر من دون محرم كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام في متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال عليه الصلاة والسلام: "لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم". وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن امرأة تريد أن تسافر إلى الحج من دون محرم فنهاها. فأتي بزوجها فأخبره أنه قد تخلف في غزوة من الغزوات وانشغل ذلكم العام الذي فيه الحج. فأمره أن يتحول عن الغزوة وهو من الواجبات العظام وأن يحجم عُمْرَته. فإن دل ذلك على شيء دل على وجوب سفر المرأة مع محرمها. بل ذهب جمهور أهل العلم وهو القول الصحيح من أقوال أهل العلم مما نقل عن السلف ومن تبعهم من الخلف أنه لا يجب على المرأة حج إلا بشروط الحج، ومن شروطه عليها وجود المحرم. فمن ليس معه محرم فإنه لا يجب عليها الحج. من ليس معه محرم يستطيع الحج أو تستطيع أن تعطيه النهضة فلا يجب عليها الحج حتى يكون معه محرم. ومن هذه الوصايا يا عبد الله أن تحرص على الرفقة الصالحة التي تعينك على طاعة الله وتعينك على أداء هذه الفريضة على أكمل وجوهها. واحذر من رفقة السوء التي لا تعينك على الطاعة. ولو لم يكن منها إلا أن جعلت حجك هذا لهوًا ولعبًا، وإنما ذلك دين المشركين وليس دين المؤمنين الموحدين. كما أخبر الله عز وجل عنهم أنهم اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا. فاحذر على الرفقة الصالحة. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. وهكذا كذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام في مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل". فاليوم مرآتكم من يقال أي فاليوم مرآتكم من يصاحب. فمثل هذا أخي الحاج احرص على طاعة الله في سفرك وفي ذهابك وفي ترحالك وتنقلاتك على أن تلازم الطاعة. وأعظم ذلك في مكة حرسها الله وبالمدينة أن تكون ممن يلازم التقوى ويلازم الطاعة. واحذر المعاصي في سفرك وحجك عمومًا وفي مواضع الحج والعمرة وفي مكة والمدينة خصوصًا. فقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِالْحَادِ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. احذر أخي الحاج أن يكون عندك الهموم السيئة التي تريد أن تنفسها ويمنعك منها حياء الناس أو يمنعك منها قوة السلطان. فإن ذلك مما تكتب عليك به الخطايا والسيئات، بل يكون عليك الظلم العظيم كما سمعت في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِالْحَادِ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وفي الصحيح في صحيح البخاري عن علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "لعن الله من آوى محدثًا". وفي رواية: "من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل". وفي صحيح مسلم الحديث عن أنس رضي الله عنه بهذا المعنى. فانظر كيف لعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أحدث حدثًا في المدينة. ومثل ذلك في مكة. واعلم كذلك أن الملائكة والناس أجمعين بل الرب سبحانه وتعالى يلعن من يفعل ذلك. أتدري لماذا يا عبد الله؟ لأن تلك المواضع قد جمع الله لك فيها أسباب الطاعة وجنبك فيها أسباب المعصية. فإذا كنت من من انقلبت فطرته وانسلخت كذلك طيب سيرته، فإنك إذا من المنتفسين الذين حق عليهم مثل تلكم اللعنة. احضر من هموم السيئة والأعمال السيئة من استماع الغناء أو التعامل بالحرام أو أذية النساء أو النظر المحرم أو ملابسة النساء أو أكل الأموال المحرمة. وكل ذلك لا يجوز. وهكذا كذلك مما ينبغي أن تعلمه أي أخي الحاج أن الله عز وجل قد جعل لك أحكامًا في مكة وأحكامًا في إحرامك ليست كسائر أيامك. فتعلم ما هي محظورات الإحرام. ومن محظورات الإحرام أنك لا تصيد صيدًا وأنت محرم. وأخذًا إذا دخلت مكة فاعرف أن لمكة حرمة ليست كسائر البلاد. ففي الصحيحين من حديث ابن عباس وجاء معناه عن عدد من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطب يوم فتح مكة عليه الصلاة والسلام فقال: "إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي محرمة بحرمة الله إلى أن قال: فإنه لا يعضد شجرها ولا تلقط لقطتها إلا لمعرف". فلا يجوز لك أن تقطع شجرة من شجر مكة أي مما لا يرعاه الناس، ولكن من أشجار البر. ولا كذلك تلتقط لقطة أي ما يوجد مما يضيع من الناس إلا لمعرف، إلا إن كنت تريد أن تعرفها. ويوجد هناك أماكن للأمانات يجب أن تضعها فيها. وهذا كذلك لا ينفر صيدها فضلًا عن أن يصاد. أن يجوز لك أن تنفر صيد الحرم من طيوره ومن كذلك تهويمه وغيره. وعن كذلك من هذه الأحكام يا عبد الله أن مال المدينة مثل مال مكة كما أكرم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ففي حديث أبي هريرة في الصحيحين كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة فلا يعضد شوكها ولا يصاد صيدها". فبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن للمدينة حرمة كما أن لمكة حرمة. ومن هذا كذلك يا عبد الله أنه حرم عليك لقطة الحاج. فمن وجد في سفره مع رفقته لقطة من لقطة الحاج فيجب عليه أن يعرفها ولا يجب عليه أن يأخذها. كما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الرحمن بن عثمان القرشي قال: "نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن لقطة الحاج". أيها عن ذلك أن تؤخذ إلا أن تعرف أو توصل إلى صاحبها تعظيمًا لهذه الشعيرة ولأهلها. ومن هذه الأحكام يا عبد الله كذلك أن تعرف أنك أمرت بالرفق والسكينة في هذه الفريضة من أولها إلى آخرها. ففي حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ينص أصحابه عند مشيه ومنقلبه من مكان إلى آخر فيقول: "السكينة السكينة". وفي مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعمر: "يا عمر إنك رجل قوي فلا تنافس أو لا تدافع على الحجر فتؤذي الناس فإن وجدت فرجة فادخل فيها أو كبر يعني من مكانك ولا يشترط أن تلثم تنسك أو تقدر الحجر بنفسك". هكذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام. فأنت كذلك لا تؤذي الحجيج بقوتك ولا تظن أن هذه العبادة يتوصل إليها بالقوة، لا ولكنه بالرفق والرحمة والسكينة كما أوصى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن ذلك أي أخي الحاج احرص واحذر على أن لا تؤذي الحجيج لما معك من أمتعتك. احذر أن لا تؤذيهم لشيء يكون فيه معنى السلاح. ففي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نعى عن حمل السلاح في مكة نعى عن حمل السلاح في مكة تعظيمًا لها وكذلك حرمة للحجيج فيها حتى لا يؤذى فيها حاج. فإن كان معك مظلة أو شيء من حديد عربة أو مظلة أو غير ذلك فاحرص على أن لا تؤذي فيها الحجيج في سعيك أو طوافك أو تنقلاتك في المشاعر. اغرس على الرحمة والرفق بإخوانك كما أمرت في هذا الدين. نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا ممن يتفقه في دينه ويتبصر في شرعه إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصالح الأمين. أما بعد، عباد الله، اعلموا أن بعض الحجاج يسأل عن بعض الأسئلة يبتلى بها في ذهابه إلى الحج. لذلك أن بعضهم يسأل إذ أن تقويم الحج يلزمه بالذهاب إلى المدينة أولًا ثم إلى مكة. فأنا عليه أن يحرم من حين مروره بالميقات ميقات أهل اليمن وهو متوجه إلى المدينة. والجواب في ذلك والله تعالى أعلم وهو قول جماعة من أهل العلم منهم فتوى شيخنا العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز وشيخنا البركة العلامة محمد بن صالح الرجيمي رحمهم الله تعالى. أنه لا بأس ألا يحرموا من ميقات أهل اليمن ما داموا لا يريدون مكة وإنما يريدون المدينة. فإذا ذهبوا إلى المدينة وانتهوا من زيارتهم فعليهم بعد ذلك أن يحرموا من ميقات المدينة وهم متوجهون إلى مكة. لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة". فإن هؤلاء لم يريدوا في هذا الحين الحج والعمرة ولكنهم أرادوا التوجه أولًا إلى المدينة ثم إنهم من المدينة يريدون الحج والعمرة فمن هناك يحرمون. وهكذا من هذه المسائل التي يسأل عنها أن بعض الناس ربما يشق عليه مواصلة الطواف والسعي في وقت واحد. فيسألون هل يجوز لهم أن يؤخروا السعي إلى وقت لاحق؟ والجواب نعم يجوز لهم أن يؤخروا السعي إلى وقت لاحق. فإن كان كبير أو ضعيف أو مريض أو معه رفقة لا يستطيع معها أن يكمل العمرة كاملة فلا بأس عليه أن يؤخر السعي ولو إلى اليوم الثاني أو الثالث. فإذا جاء وأدى عمرته وابتدأ بالطواف ثم شق عليه لزحام أو لتعب منصب أو غيره أن يكمل السعي في نفس اليوم وأراد أن يكمله في اليوم الثاني أو التالي أو الذي يعدنه فلا بأس عليه بذلك. على أنه لا يتحلل حتى ينتهي من العمرة كاملة ومن ذلك أن ينتهي من سعيه وبعد ذلك يتحلل. وآخر ذلك يسأل بعض الناس عن بعض النساء التي يبتلى بموافاة الحيض لوقت الإحرام ماذا تصنع؟ قد أجاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك. فقد جاء بالصحيح أن أسماء بنت عميس رضي الله عنها زوجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه أتت ولدت ولدًا بذي الحليفة حين خرجوا إلى الحج. فسألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ماذا تصنع؟ فأخبرها أي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تغتسل ثم تستثفر -تعني تتحفظ مما ينزل منها من دم- ثم تحرم وتمشي مع الناس وتفعل ما يفعل الحجاج غير أنها لا تطوف بالبيت. وأخذ وقع لعائشة رضي الله عنها أنها حين قربت من مكة جاء عليها الحيض. فدخل عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهي تبكي. فسألها فأخبرته بما وقع لها. فأمرها أن تصنع ما يصنع الحاج وأخبرها أن ذلك كتبه الله على نساء بني آدم. وأن تفعل ما يفعل الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت. وعلى هذا فالمرأة تحيض قبل أن تحرم فإنها تغتسل وسل الإحرام وتحرم وتدخل بالإحرام وتهيء بالحج وتلبي مع من يلبي وتمشي مع الناس حيث يمشون. حتى إذا عادت مكة وطاف الناس بالبيت وسعوا انتظروها حتى تطهر. فإذا طهرت فإنها تؤدي عمرتها كاملة ثم تتحلل منها ثم تعمل سائر أعمال الحج كما يعمل الحجاج. فإن هي لم تطهر وتأخر طهرها إلى اليوم العاشر فإنها يجوز لها أن تجمع بين العمرة والحج بطواف واحد وسعي واحد يجزيها ذلك عن عمرتها وعن حجتها كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عائشة. فإن هي أحبت بعد الانتهاء من الحج أن تأتي بعمرة أخرى فتخرج إلى أدنى الحل إلى التنعيم أو إلى غيره مما هو ليس من الحرم وتأتي بعمرة مع محرمها كما فعلت عائشة حين أمرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تخرج مع عبد الرحمن أخيها. وبهذا من المسائل التي يسأل عنها أن بعضهم يسأل أن يلزمو أن يبقوا في المدينة أربعين يومًا أربعين صلاة يصلون فيها حتى يكتب لهم أجر البقاء في المدينة. والجواب أنه لا يلزم. وما ورد من أحاديث ذلك فهي ضعيفة لا تصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإنما المقصود الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن تيسر الصلاة فيما بين منبره وبين قبره عليه الصلاة والسلام فذاك من رياض الجنة. وعند ذلك إن تيسر له أن يسلم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصاحبيه مع التنبيه أن يهتم في سفره إلى المدينة زيارة القبر من بعده. ولكن يهتم أولًا زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وذلك لحديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الصحيح: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: أي المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمسجد الأقصى". وأخيرًا اعلموا عباد الله أنه كما فرغ على الحجيج ما فرغ فقد جعل الله رحمة وتكرمة بعباده لغير الحجيج مناسك يعملونها وعبادات يتقربون فيها. فمن ذلك هذه العشر التي الأعمال فيهن أفضل من غيرها أي عشر ذي الحجة حتى أنها أفضل من الجهاد في سبيل الله كما في صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس إلا رجل خرج بماله ونفسه ولم يرجع من ذلك بشيء. فعلم أن العمل الصالح في عشر ذي الحجة من الأعمال التي يتقرب بها ويجتهد فيها غير الحجيج. ومن ذلك كذلك صيام يوم عرفة كما في صحيح مسلم الحديث عن أبي قتادة رضي الله عنه. فإنهم مكفرون للسنة الماضية والسنة الباقية يعني لغير الحاج. أما الحاج فلا يصوم ولا يستحب له أن يصوم بيوم عرفة لما ثبت في البخاري ومسلم من حديث أم الفضل بنت الحارث أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شرب شرابًا أو لبنًا أعطته إياه وأراد بذلك أن يعلم أمته على عدم استحباب صيام يوم عرفة بعرفة. وهكذا كذلك من هذه الأحكام الأضحية التي تضحيها في عند الأضحى فإنها مما يتقرب بها ومن الأعمال الصالحة التي يعملها غير الحاج. وهكذا كذلك أن يمسك عن قطع أظفاره وشعره من عزم على هذه الأضحية. ومن الأضحية أحكام يذكر في موضعها إن شاء الله. ولكن المقصود من ذلك أن الله عز وجل قد كتب لغير الحجيج أعمالًا صالحة يجتهدون فيها كما يجتهد الحجيج. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضاه. وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.