شرح السياسة الشرعية  9

شرح السياسة الشرعية 9

الدرس في شرح السياسة الشرعية 9، الدرس التاسع:من( الفصل الرابع:معرفة الأصلح وكيفية تمامها ... أهل الجنة ثلاثة:ذو سلطان مقسط ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم ورجل غني عفيف متصدق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

معرفة الأصلح في الولاية وأهميتها

يشرح أهمية معرفة الأصلح في الولاية وكيفية تمامها بمعرفة مقصود الولاية ومعرفة الوسائل لتحقيق ذلك. يشدد على ضرورة اختيار من يعين على الدين وليس على الدنيا فقط.

أهمية الصلاة في إصلاح الراعي والرعية

يؤكد على أهمية اختيار الراعي الصالح الذي يحافظ على الصلاة، حيث تعتبر الصلاة عماد الدين وتعين على الطاعات وتكفر الذنوب. كما يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه كانوا يعينون الأصلح في الدين للصلاة بالناس.

دور ولي الأمر في إصلاح دين الرعية ودنياهم

يؤكد على أهمية الصلاة وأمر ولي الأمر برعيته بها، ويشير إلى أن مهمة ولي الأمر إصلاح دين الناس ودنياهم، ويبين فضل الإمام العادل وجزاءه عند الله.

أثر دعاء السلطان على صلاح الرعية

صلاح الحاكم سبب لصلاح الرعية، وفساده سبب لفسادهم، لذا فإن دعاء الحاكم من أفضل الدعوات لأنه يؤدي إلى صلاح الرعية.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الفصل الرابع، معرفة الأصلح. معرفة الأصلح وكيفية تمامها. قال: والمهم في هذا الباب معرفة الأصلح، وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية ومعرفة طريق المقصود. فإذا عرفت المقاصد والوسائل تم الأمر. فلهذا لما غلب على أكثر الملوك قصد الدنيا دون الدين، قدموا في ولاياتهم من يعينهم على تلك المقاصد. وكان من يطلب رئاسة نفسه يؤثر تقديم من يقيم رئاسته. والمعنى: ينبغي لمن ولي شيئًا من الولايات أن يحرص أن يجعل في بطانته وفي صغار الولاة من تحته من يعينه على الدين لا على الدنيا. وليس هذا فحسب، بل من يكون به نصرة الدين. وقد تقدم معنا كيف أنه ينتقى من صفات الناس ما يكون به نصرة الدين ولو كان في نفسه فيه تقصير. وهذا الباب إذا روعي حصلت به مصالح كثيرة. وأما إذا قصدت به الأغراض الشخصية وغير ذلك، فإنه يحصل الضرر العظيم للمسلمين وفي دينهم كذلك. قال: وقد كانت السنة أن الذي يصلِّي بالمسلمين الجمعة والجماعة ويخطب بهم هم أمراء الحرب الذين هم نواب ذي السلطان على الجند. ولهذا لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر في الصلاة قدمه المسلمون في إمارة الحرب وغيرها. والمعنى أن إمارة الحرب ليست بأعظم من إمارة الدين. ولهذا كان أمراء الحرب هم الذين يصلون بالمسلمين الجمعة والجماعة ويخطبون؛ لأنهم كانوا أهل دين وأهل علم. ولو حصل هناك شيء من التقصير، لكن لا يزال في إطار الدين. فإذا حرص المسلمون على ذلك حصل الخير الكثير، والتقصير الذي قد يقع فيهم لا يساويه ويوازيه شيء من الشر الكثير الذي يكون إذا ولي غير صاحب الدين. وقد كانت هذه سنة المسلمين إلى زمن قريب. فالخلفاء الراشدون كانوا هم أمراء الدين، لهم سلطان الدين بمعنى الإمامة، فهم أهل لها. وكذلك هم أمراء الحرب. وكذلك من بعدهم، وهذا هو الغالب في خلفاء وأمراء بني أمية وبني العباس، بل وامتد هذا زمنًا طويلًا حتى إلى عصور قريبة. ويذكر أن الإمام يحيى حميد الدين اليمني كان هو الخطيب وهو كذلك السلطان، فعنده شيء من العلم. وهكذا يذكر عن الملك عبد العزيز أنه كذلك كان صاحب علم، حافظ قرآن، ويقوم بالخطابة والإمامة، وله دروس بعد الفجر إلى الضحى ونحو ذلك. والغالب إذا كان هذا الحال ينصر الدين، ولو كان هناك تقصير، فلا يسلم من التقصير أحد، لكن في الغالب الدين يكون منصورًا. فالمقصود: هذا تنبيه من الشيخ رحمه الله إلى أن الأصلح هو الصالح في دينه، وتمام الإمارة بتمام صلاح الدين. وهذا من أعظم الأمور التي ينبغي أن تراعى. ولذلك فلو مكن ملك أو سلطان، فينبغي أن يحرص على من هو أكثر دينًا، يستعين به ويجعله من بطانته، يعينوه على الخير ويصوبوه ويأخذ بيده إلى ما فيه صلاح دينه ودنياه. وهكذا كذلك صلاح دين ودنياه الرعية. وهذا من المقاصد المطلوبة ومن الوسائل المطلوبة. فالمقصد المطلوب إصلاح أحوال الراعي والرعية في دينها ودنياها. وهذا يكون بتولية الأصلح. ومن الوسائل المعينة على إصلاح أحوال الراعي والرعية اتخاذ الأصلح في دينهم؛ فإنهم يعينون على ذلك. قال رحمه الله تعالى: وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرًا على حرب كان هو الذي يؤمره للصلاة بأصحابه. وكذلك إذا استعمل رجلًا نائبًا على مدينة، كما استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، وعليًا ومعاذًا وأبا موسى على اليمن، وعمر بن حزم على نجران، كان نائبه هو الذي يصلي بهم ويقيم فيهم الحدود وغيرها مما يفعله أمير الحرب. وكذلك خلفاؤه من بعده، ومن بعدهم من الملوك الأمويين وبعض العباسيين؛ وذلك لأن أهم أمر الدين الصلاة والجهاد. ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة والجهاد. والمعنى في هذا حث على الاعتناء بصاحب الدين، وهو يدل كذلك على فضل السلف وخيريتهم؛ فإن أئمتهم كانوا أصحاب دين. وهذا يدل على صلاح ذلك المجتمع. وكما يروى عن عمر رضي الله عنه: «كما تكونون يولى عليكم». وكان إذا عاد مريضًا يقول: «اللهم اشف عبدك يشهد لك صلاة وينكأ لك عدوًا». والحديث كما أشار المعلق: صححه العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، ومنها في الصحيحة حديث 1304. قال: ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن قال: «يا معاذ إن أهم أمرك عندي الصلاة». وهذا بالمعنى. ففي حديث ابن عباس بالصحيحين: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة». وفي الرواية الأخرى: «وأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات». وأما بهذا اللفظ فلا يعرف في حديث صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام. أما معناه فصحيح. قال: وكذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب لعماله: «إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن حافظ عليها وحفظها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشد إضاعة». وقد روي هذا الأثر عن عمر من طرق كثيرة، أكثرها فيها ضعف، ولكن بعضها يصلح للتحسين، وبشواهده وطرقه يصير حسنًا. قال: وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة عماد الدين». فإذا قام المتولي بعماد الدين، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. وهي التي تعين الناس على ما سواها من الطاعات، كما قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. فالصلاة صلة بين العبد وربه، وهو برهان الإسلام ودليل الإيمان. ولهذا كان المنافقون يستثقلونها لعدم وجود الإيمان. وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس وليذكروا الله إلا قليلًا. وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي تعين على سائر أبواب الخير والبر، وهي تكفر الذنوب والخطايا. ولذلك إذا حافظ عليها الأمير أعين على أمور دينه ودنياه، وهذا يعين في إصلاح نفسه وإصلاح غيره. قال: وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. كذلك الشاهد منه كونه أمر أهل الإيمان أن يستعينوا بالصبر والصلاة في أمورهم، فهي عون للعبد على سائر الطاعات. قال: وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾. وهذا أمر آخر يدل أن الصلاة من أعظم أعمدة هذا الدين، بل هو عمود الدين، فهو من أعظم أركان هذا الدين، فهو أول الأركان أركان الإسلام العملية، وثاني الأركان بعد الشهادتين. كل هذا يدل على أهميتها وعظم قدرها في هذا الدين. وإذا أمر رب البيت أن يأمر أهله بالصلاة، فهو من أعظم الواجبات عليه. فكذلك ولي الأمر مأمور أن يأمر المسلمين بالصلاة، فذلك من أعظم ما ينبغي أن يأمر الناس به، ولا شك أنه يأمر نفسه قبل ذلك؛ لأن الأمر بالصلاة يعين الراعي والرعية على سائر الطاعات. قال: وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. فالمقصود الواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم منعم به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم. قال: وهو نوعان: قسم المال بين مستحقيه، وعقوبات المعتدين. قال: فمن لم يعتد أصلح له دينه ودنياه. ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: «إنما بعثت عمالًا إليكم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم ويقسم بينكم فيئكم». والأثر رواه الإمام أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله. قال: فلما تغيرت الرعية من وجه والرعاء من وجه تناقصت أو تناقضت الأمور. تغيرت الرعية من وجه بكثرة الجهل وقلة الدين، والرعاء من وجه بميلهم إلى الدنيا وإهمالهم جانب الدين. تناقضت الأمور فحصل خلاف المقصود من مهمة الرعاء ومن أحوال الرعية. قال: فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان كان من أفضل أهل زمانه، وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله. فقد روي: «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة». روي هذا عن ابن عباس مرفوعًا، رواه الطبراني وغيره، وهو ضعيف. قال: وفي مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغضهم إليه إمام جائر». والمعنى حث الرعاة على العدل وتحذيرهم من الجور. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله...». والشاهد منه قوله: «إمام عادل»، فهو أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. قال: وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، ورجل رحيم القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل غني عفيف متصدق». والشاهد أن ذو السلطان المقسط أول الثلاثة من أهل الجنة، فهو أحد ثلاثة، يدل على أنهم قد خصوا من بين ناس كثير؛ لأن أعمالهم من أعظم الأعمال الصالحة. وكذلك كونه قدم على هؤلاء الثلاثة؛ لأن صلاحه وعدله سبب لصلاح رعيته وعدلها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا». والعكس بالعكس. قال: ولهذا كان السلف يحرصون على الدعاء لذي السلطان، كما روى الفضيل بن عياض: «لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لجعلتها لذي السلطان». ليس مجاملة ولا مداهنة، ولكن لأن صلاحه سبب لصلاح الرعية، وفساده سبب لفساد الرعية. ولهذا فإن العقلاء المنصفون علموا أن الدعوة لذي السلطان من أحسن وأعظم الدعوات؛ فصلاحهم صلاح للرعية.