الخطبة بعنوان الاقتداء بالنبي في مناسك الحج، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 20 ذو القعدة 1444هـ الموافق 9 يونيو 2023م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد على أهمية الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في مناسك الحج، حيث أمر أصحابه بأخذ مناسك الحج عنه في حجة الوداع. كان عدد الحجاج كبيرًا ويقتفون أثر النبي في مناسكه.
يشرح أركان الحج وواجباته، ويعدد أنواع النسك الثلاثة، ويبين كيفية أداء الحج على أكمل وجه، ويشير إلى أهمية تعلم أحكام الحج وآدابه.
يشرح أحكام العمرة والحج مثل الإحرام واجتناب المحظورات، والطواف والسعي، وكيفية أداء مناسك الحج والعمرة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. يبين تفاصيل حول الإحرام والتلبية والطواف.
يشرح أحكام الحج في يوم العاشر من ذي الحجة وأيام التشريق، حيث يبدأ الحجاج برمي جمرة العقبة ثم يتحللون التحلل الأصغر والأكبر. كما يشرح أحكام الرمي في أيام التشريق ورخصة التعجل.
الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في مناسك الحج، وهو يقول عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر رضي الله عنه: «خذوا عني مناسككم». بل يأمر عليه الصلاة والسلام أن يأخذ عنه العلم والدين والهدى، فإنه لعله لا يلقونه بعد عامه هذا. فاقتدى الناس به صلى الله عليه وسلم يتعلمون ويسألون ويقتدون ويأتمون، امتثالا لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، واقتداء بقول الله عز وجل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. وهكذا امتثالا لقوله عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم». حتى حج عن نبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مئة ألف، أكثر من مئة ألف حاج، كلهم يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم. حتى من أتى من بلاد بعيدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ممن جاء من اليمن في تلك السنة، في السنة العاشرة، كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه، فإنهم خرجوا يحجون وأهلوا بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم. حتى لما بلغوا مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، وسألهم: «بماذا أهللتم؟» قالوا: «أهللنا بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم». فأخبرهم عليه الصلاة والسلام أن من ساق الهدي فيبقى على إحرامه، مقتديا به عليه الصلاة والسلام، وذلك حق حج القران، أحد أنساك الحج الثلاثة. وأن من لم يسق الهدي وأراد العمرة فليتحلل وليجعلها عمرة. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ العشرين من شهر ذي القعدة لعام 1444 من 3159 من الهجرة النبوية. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرسها الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أكرمنا في هذا الدين العظيم بأن جعل لنا في كتابه وسنة نبيه من الأحكام المحكمة والتشريعات المطقنة ما هي كفيلةٌ بإصلاح حال هذا الإنسان في دينه وفي دنياه. ومن ذلك أنه أنزل عليهم من العلم والهدى ما يعين هذا الإنسان في إصلاح دينه وإصلاح دنياه، في إصلاح عباداته وإصلاح معاملاته وأخلاقه وسلوكه ومنهاجه. ومن ذلك معاشر المسلمين حج بيت الله الحرام، موضعٌ من مواضع الاعتناء في إكمال دين الله سبحانه وتعالى. فإن الله عز وجل بعظيم حكمته وواسع فضله ورفقه بخلقه لم يشرع الحج إلا بعد أن تقررت ثوابت هذا الدين وقواعده وأسسه في توحيد الله جل وعلا وحسن التعبد له. لأنها شعيرة عظيمة يجتمع لها الناس من كل مكان، فلم يشرع الحج إلا في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر الناس بالحج في السنة التاسعة. ومع ذلك لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة، بل أرسل أبا بكر يحج بالناس، ومعه علي رضي الله عنهما ليطهر الحج مما قد يكون قد بقي من آثار المشركين وخرافاتهم ووثنياتهم. فأرسل أبا بكر رضي الله عنه يحج بالناس، وأرسل معه عليا أن ينادي في الناس أن لا يحج بعد هذا العام أي السنة التاسعة مشرك ولا عريان، وأمر بما أمر من ثوابت هذا الدين وقواعده. حتى تناقل الناس ذلك عاما كاملا، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر الناس أنه يحج في العام المقبل. وكما قال جابر رضي الله عنه في صحيح مسلم: أن الناس اجتمعوا من كل مكان، كلهم يرجو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في حجه. وهذا موضع آخر من مواضع جمال وكمال هذا الدين، واعتناء الرب الكريم بخلقه، إذ أرسل لهم نبيا ورسولا يبين لهم من أحكام دينه وشرعه ما يحسنون به أنواع العبادات وصنوف المعاملات. فعلم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أحكام الحج في المدينة قبل أن يخرجوا إلى الحج، كما جاء في حديث بن عمر في الصحيحين وغيره. وخرج صلى الله عليه وسلم حاجا، فخرج الناس معه، مد البصر، عن يمينه وعن شماله وأمامه وخلفه، كل يرجو الاقتداء به صلى الله عليه وسلم. وحج الناس من كل البلاد بعد سماعهم بحج النبي صلى الله عليه وسلم. فركب النبي صلى الله عليه وسلم راحلته وبدا للناس ظاهرًا، حتى لا يفقدوه في سؤاله إن سألوه عما يحتاجون السؤال عنه. وهو يقول عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر رضي الله عنه: «خذوا عني مناسككم». بل يأمر عليه الصلاة والسلام أن يأخذ عنه العلم والدين والهدى، فإنه لعله لا يلقونه بعد عامه هذا. فاقتدى الناس به صلى الله عليه وسلم يتعلمون ويسألون ويقتدون ويأتمون، امتثالا لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، واقتداء بقول الله عز وجل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. وهكذا امتثالا لقوله عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم». حتى حج عن نبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مئة ألف، أكثر من مئة ألف حاج، كلهم يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم. حتى من أتى من بلاد بعيدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ممن جاء من اليمن في تلك السنة، في السنة العاشرة، كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه، فإنهم خرجوا يحجون وأهلوا بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم. حتى لما بلغوا مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، وسألهم: «بماذا أهللتم؟» قالوا: «أهللنا بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم». فأخبرهم عليه الصلاة والسلام أن من ساق الهدي فيبقى على إحرامه، مقتديا به عليه الصلاة والسلام، وذلك حق حج القران، أحد أنساك الحج الثلاثة. وأن من لم يسق الهدي وأراد العمرة فليتحلل وليجعلها عمرة. وقد أخبرت عائشة رضي الله عنها، كما جاء في الحديث الصحيح، أن الناس أهلوا بثلاثة أنساك، كما جاء في معنى كلامها رضي الله عنها وأرضاها. فمنهم من أهل بحج، ومنهم من أهل بعمرة، أي متمتعا بها إلى الحج، ومنهم من أهل بعمرة وحج معا. وهذه الأنساك الثلاثة التي يجب على الحاج أن يحرم على أحد منها، والإحرام ركن من أركان الحج. وأركان الحج أربعة، أولها الإحرام، وما يكون معه من نية. وثانيها الطواف، طواف الحج. وثالثها السعي، سعي الحج. ورابعها الوقوف بعرفة. فمن لم يقف بعرفة فلا حج له، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث. وبه تعرف أيها الحاج، يا من عزمت على حج بيت الله الحرام، أنك تفتقر أن تتعلم من أحكام الحج ما يعينك على أداء هذا الحج على أكمل وجوهه وأتم أحواله. ومن ذلك أن تتعلم أركان الحج وواجباته وشروطه ومستحباته ومكروهاته. ومن ذلك أن تتعلم كذلك أي النسك هو الأفضل في حقك، من هذه الأنساك الثلاثة، اقتداءً بما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعل أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم. وذلك أن الحاج إذا لم يكن قد أتى بعمرة من قبل، فعليه أن يأتي بعمرة مع حجه. وله فيها ثلاث أحوال، إما أن يأتي بها متمتعا بها إلى الحج، وذلك إذا لم يسق الهدي معه، أي لم يأخذ معه ما يذبحه بالحج، بل أتى من دون ذبيحة معه. وإنما ينوي أن يأخذ ذبيحة إن أراد أن يذبح من مكة. فمن كان هذا حاله، فإنه يأتي بعمرة متمتعا بها إلى الحج، فيتحلل بعد عمرته وينتظر إلى يوم الثامن، ويأتي بحجه ويحج كما حج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. أو أنه يقرن حجته مع عمرته، فيأتي بعمرة مقرونة بالحج، ولكن شرطه أن يسوق هديه. فإن ساق هديه فإنه يقرن حجه وعمرته. ومنهم من لم يشترط، والأمر في هذا مما يسع فيه الخلاف. والكيفية الثالثة أن يأتي بحجة مفردة. فإذا أتى بحجة مفردة، فإنه لا يلزمه هدي، كما صحت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإن كان لم يأت بعمرة في حياته، فلزمه عمرته بعد حجه، إما من المدينة إذا ذهب إلى زيارة المدينة، أو بعد ذلك إذا رجع، كل ذلك جائز. ولا بد له أن يأتي بعمرة إن لم يأت بعمرة الإسلام، لأن الله عز وجل أمر المؤمنين بالحج والعمرة مرة واحدة بالعمر، واستحب لأهل الإسلام تكرارها لعظيم فضلها وآثارها. فقد جاء في مسند الإمام أحمد، وبعض السنن، بإسناد صحيح، عن ابن مسعود، وجاء معنا عن جماعة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب والخطايا كما ينفي الكير خبث الحديد». وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». رواه البخاري وغيره من حديث أبي هريرة. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث أبي هريرة في الصحيح كذلك قوله: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». وتأمل قوله: «من حج فلم يرفث ولم يفسق»، أي لم يفعل ما ينافي الحج. وما ينافي الحج ثلاثة أمور، وثلاثة أصول ينبغي مراعاتها. أولها ما حرمه الله عز وجل للحاج وغيره، فيشتد تحريمه على الحاج، وهو الفسوق الذي ذكره الله عز وجل، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِ﴾. وهكذا كذلك ثانيها: أن يجتنب كل ما كان من محظورات الحج أو محظورات الإحرام، كالجماع ومقدماته. وهكذا كذلك محظورات الإحرام، من أن لا يلبس مما نهي عن لبسه للحاج، ذكرا كان أو أنثى، كما صحت به السنة في الأحاديث الكثيرة. فلا يلبس من اللباس الذي يحلق بالجسد، أي الرجل، ولا يلبس القلنسوة والعمامة على رأسه. فيلبس إزارا ورداء اقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يلبس الخفين ولا الجوارب، ولكن يلبس النعلين. وما كان بمعناه مما لا يغطي الكعبين. وهكذا المرأة تلبس كل شيء إلا أنها تمتنع عن لبس النقاب، وعن لبس القفازين، وما كان بمعنى هذين. ولا يعني علم لبسها للنقاب أن تكشف وجهها للرجال الأجانب، فوجهها عورة ويجب ستره. ولهذا قال العلماء والفقهاء: أن وجه المرأة كبدن الرجل، أي أن وجه المرأة نهي عن كشفه، نوع خاص من اللباس. ولا يعني ذلك أن يكشف ويبقى عاريا، كما أن الرجل ببدنه نهي عن أن يلبس نوعا خاصا من اللباس، ولا يعني ذلك أن يبقى عاريا، بل يلبس البديل. فبديل الرجل ببدنه الإزار والرداء، وبديل كذلك وجه المرأة هو الستر الذي ترمي به من أعلى رأسها إلى أسفله. وهكذا كذلك ثالثا: أن يجتنب كل ما يقدح بكمال الحج، من المكروهات، كالجدال والخصومة وغيرها، مما ينافي كمال الحج. ولهذا نهى الله عز وجل عنه بكتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. وهكذا كذلك على الحاج أن يتعلم الأحكام، ويقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، خطوة خطوة. ومن ذلك أولا: أن يتعلم آداب السفر، فيتخذ الرفقة الصالحة، ويتزود بالزاد الشرعي الذي أمر الله عز وجل به للحج. وهكذا زاد التقوى الذي يعينه على طاعة الله عز وجل، وعلى أداء هذا الحج على أكمل وجوهه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. وهكذا كذلك رفقة صالحة تعينه وتحفظه على الخير، وتوجهه إليه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في السنن، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، بإسناد صحيح: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». ثم يستمر حتى يصل إلى موضع إحرامه. وقد جعل لأهل الإسلام مواقيت للحج، زمانية وهي أشهر الحج: شوال وذي القعدة وذي الحجة. وأشهر مكانية، وهي التي يحرم من عندها الحاج. فجعل لأهل المدينة ومن جاء من جهتهم أن يحرم من ذي الحليفة. ولأهل الشام وأهل المغرب ومن جاء من جهتهم الجحفة. ولأهل اليمن ومن جاء من الجنوب من جهتهم يلملم. ولأهل نجد ومن جاء من جهتهم، من جهة الشرق وشمال الشرق، أن يحرم من قرن المنازل. وهكذا كل من أتى من جهة فإنه يحرم مما حاذاه من أقرب هذه المواقيت. ومن كان دون هذه المواقيت، كالذين يكونون في جدة وبحره، وما كان بمعناها من القرى والمدن، بين المواقيت وبين مكة، فيحرمون من أماكنهم. وأهل مكة يحرمون من مكة. وليس على أهل مكة أو من كان في مكة عمرة، وعمرة أهل مكة الزيارة، زيارة البيت. فإحرام الحاججي من كان من مكة من مكة، لا يحتاجون الخروج إلى أدنى الحل. وأما من أبى إلا أن يأتي بعمرة، وكان في مكة أو كان من أهل مكة، ولا يستحب له ذلك إلا للعذر، فإنه يخرج إلى أدنى الحل، كالتنعيم أو عرفات أو غيرها، ثم يأتي فيحرم باجتناب محظورات الإحرام. واجتناب محظورات المحرم، ومن محظورات الإحرام: أن يتجمل بالطيب، أن يفعله بعد إحرامه. ولا بأس أن يفعله الرجل قبل إحرامه، بشرط أن لا يبقى في ثيابه. ومن ذلك أن يجتنب المحرم صيدا، صيد البر، أن يصيده أو يصاد له، فإنه لا يفعل ذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا يجتنب صيد وشجر مكة والمدينة، تعظيما لهذين البلدين العظيمين، وهذا للمحرم وغير المحرم. ثم يهل بأحد الأنساك الثلاثة كما تقدم، ويلبي بتلبية التوحيد، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك». وهكذا كذلك ما كان معه من أذكار، من أذكار مصححة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد كان أهل الشرك يلبون تلبية أهل الشرك، فيزيدون: «إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك». فعلم النبي صلى الله عليه وسلم تلبية أهل التوحيد، بأن يقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك»، مبينا أنها تلبية بعد تلبية، استجابة بعد استجابة، في توحيد الله عز وجل، وحدانية لا شريك له. وهكذا يستمر على هذا حتى يصل إلى مكة. فإذا وصل مكة بعد سفر وعناء، يستحب بحقه أن يرتاح، ثم يأتي بالعمرة بعد راحته، حتى يؤديها على أكمل وجوهها، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. فإن أول ما وصل مكة نزل بذي طوى، وهو بئر معروفة مشهورة في مكة، بات بها، وأدى العمرة من صبيحة اليوم الذي بعده. وهكذا إذا دخل مكة وأراد أن يدخل الكعبة، فليدخل من أقرب الأبواب إليه. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم، قدم من جهة الحجون، فدخل من أقرب الأبواب إليه، وهو ما يسمى بباب السلام. وكل أبواب الحرم يشرع الدخول منها، والمستحب هو الدخول من أقرب باب إليه. وإذا قرر عند جهة الاقتصاص الدخول من باب مخصص، فليدخل منه. وكل ذلك مما يحبه الله. وهكذا كذلك يبتدئ بالطواف، بأن يستقبل الحجر الأسود، فإن استطاع أن يقبله قبله، وإن لم يستطع واستطاع تقبيله بواسطة، فعل وقبل بالواسطة. وإن لم يستطع فاستطاع أن يمسه بيده، أو كذلك بواسطة، فعل. وإن لم يستطع أشار دون تقبيل، فهذه أربعة أوجه يكون بها استلام الحجر، صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويحرص على عدم المزاحمة، والرفق والبعد عن كل ما يقدح بحجه. ومن ذلك ألا يؤذي الناس في سعيه وحجه، فيطوف سمعة أشواق، ويسن لمن أتى في هذا الطواف، ويسمى طواف القدوم، أن يكشف كتفه الأيمن، وهو ما يسمى بالإضطباع. وأن يرمل الأشواط الثلاثة، وهو أن يمشي مشيا سريعا دون أن يجري، وهو ما يسمى بالهرولة. ويمشي بقية الأشواط الأربعة، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. وإذا وصل إلى الركن اليماني استلمه بيده إن استطاع دون تقبيل، وإن لم يستطع أن يستلمه فلا يشير إليه، بل ينادي ويسن أن يقول بين الركنين اليمانيين: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». وهكذا يفعل بكل شوط حتى ينتهي، فيختم عند الحجر الأسود، ثم يصلي ركعتين، ويجعل المقام بينه وبين البيت إن تيسر، أو صلى في أي مكان في الحرم، فإن ذلك يجزئه. وعند شروعه في الصلاة يستر كتفه الأيمن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء بالصحيح، ونهيه أن يصلي الرجل ليس على عاتقيه أي لاثنين من ثوبه شيء. ثم يقرأ في الأولى بقول: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ويقرأ بالثانية بقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وإن قال عند إتيانه إلى هذا الموضع الآية، فإنه يستحب للتذكير والتعليم، والابتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. فإذا فرغ شرب من زمزم وتضلع، ثم إن تيسر له، ويفعل ذلك أحيانا أن يرجع إلى الحجر فيشير إليه، ثم يذهب إلى الصفا والمروة فيتلو: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، ثم يستقبل البيت فيقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». ويجوز أحيانا أن يزيد: «يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده». ثم يرفع يديه بالدعاء ويطيل، ثم ينزل يديه فيكرر الدعاء مرة ثانية، ثم يرفع يديه مرة ثانية بالدعاء، ويكرر هذا ثالثا، فيفعلها ثلاث مرات، يبتدي بها عند الصفا وينتهي بها عند الصفا، سبعة مرات، يفعلها قبل كل شوط، يكون الذكر والدعاء قبل شوطه. فيسعى سبعة أشواط، يبتدئ بالصفا ذهابا إلى المروة شوطا، والمروة إلى الصفا شوطا، فيؤدي سبعة أشواط، ينتهي بها برجوعه إلى المروة، فتكون سبعة أشواط، أربعة مرات إلى المروة وثلاث مرات إلى الصفا. فإذا فعل ذلك تحلل بالحلق، والتحليق أفضل. وإذا كان الحج قريبا قصر. ودعا النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا والمقصرين مرة واحدة. وبهذا تنتهي عمرته. فإن كان متمتعا تحل له كل شيء، يلبس لباسه، وتحل نساؤه، وكل شيء يحل له مما كان محظورا. وينتظر الحج إلى يوم الثامن. وإن كان قارنا أو مفردا فإنه ينتظر ويبقى في إحرامه إلى حج يوم الثامن. فإنه يذهب مع الحجيج. وأما المتمتع فإنه يهل بالحج يوم الثامن. غير أن المتمتع سيفعل بحجه طوافا وسعيا آخر. وأما القارن فإنه سيفعل طواف الحج، وإن كان قد سعى من قبل أجزأه سعيه. وإن لم يكن قد سعى من قبل فسيأتيه بسعي الحج. نسأل الله أن يبصرنا بنور شرعه، ويبصرنا بنور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد عباد الله، مضى معنا وصف عمرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا حجه. يحج الحاج اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيأتي منا يوم الثامن، يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وفجر يوم التاسع، يقصر الرباعية دون جمع. فإذا طلعت الشمس انطلق إلى عرفة، ونزل بها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والحج عرفة. فيبقى بها حتى إذا دخل وقت الظهر، حرص أن يكون داخل حدود عرفة، يصلي الظهر والعصر جمعا وقصرا، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. ويستمع للخطبة، خطبة عرفة. وهكذا بعدها يتفرغون للدعاء، فيستمر في الدعاء حتى تغرب الشمس. وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وقال: «لتمسوا جوف الليل، فإن الدعاء حينئذ أجدر أن ينجح، ولتكن خطبتكم قصيرة، ولتكن صلاتكم طويلة». حتى إذا غربت الشمس، وكان أهل الشرك ينفرون من عرفة قبل غروب الشمس، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم اقتداء بإبراهيم. وبعد غروب الشمس انطلق الحجيج اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، حتى يأتون مزدلفة، فيصلون بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا، فيجمعون المغرب مع العشاء، ويقصرون العشاء. ثم يتهيأون لما يحتاجون، ثم يرتاحون. فإذا كان الفجر، فجر يوم العاشر، صلى الحاج صلاة الفجر، ثم تفرغ للدعاء بمزدلفة، فإنه موضع دعاء آخر عظيم، قعد النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، والأنبياء كذلك. وبقي النبي صلى الله عليه وسلم يدعو حتى أسفر جدا، ثم انطلق قبل شروق الشمس، وخالف في هذا الموضع كذلك المشركين. وكانوا لا يخرجون من مزدلفة إلا بعد شروق الشمس، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع كذلك. وكان من سنة المشركين أن أهل مكة وأهل الحرم لا يخرجون من الحرم إلى عرفة، وإنما يبقون في مزدلفة. وغير أهل الحرم يخرجون إلى عرفة، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم وخرج، وجميع المسلمين إلى عرفة. فينطلق يوم العاشر، وقبل شروق الشمس، بعد أن يسفر جدا، إلى منى ليرمي جمرة العقبة. وأما من كان من الضعفة من النساء ورفقتهم من الصغار والرجال، فإنه يرخص لهم، وأهل المركوب الواحد رفقة واحدة، يرخص للجميع فيها. فرخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا من مزدلفة بعد منتصف الليل، وغروب القمر، يعني تقريبا بعد منتصف الليل. فإذا خرجوا رخص لهم أن يفعلوا أعمال يوم العاشر كما يفعله الحاج في صباح يوم العاشر. فإذا كان يوم العاشر، أو من كان من أهل الرخص، فإنه يبدأ، وأول ما يبدأ إن استطاع، وهذا أفضل، بالرمي، فيرمي الجمرة، ثم يفعل بعد ذلك الذبح إن كان عليه ذبح وتيسر له ذلك. ثم الطواف، طواف الحج، ثم الحلق، هذه أربعة أعمال، وهذا ترتيبها. ولا بأس أن يقدم ويؤخر في الثلاثة وهي الطواف والرمي والذبح، فما قدم وأخر فيها فلا حرج. وأما الحلق أو التقصير فإنه لا يكون إلا في آخرها، لمن فعلها في يوم العاشر. أو من فعل بعضها. ومن رمى الجمرة فقد حل له كل شيء إلا النساء، وهو التحلل الأصغر. حتى يطوف الطواف الأكبر، طواف الحج، فعند ذلك يتحلل التحلل الأكبر، فيحل له كل شيء. وهكذا يوم الحادي عشر والثاني عشر، يبقى في منى، يرمي ثلاثة جمار، الجمرة الصغرى والوسطى والكبرى، كل موضع بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، بحصى مثل حصى الخدف. ولا يغلو اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. ويسن الدعاء عند الجمرة الأولى عن يمينها، ويتقدم ولا يقف في زحام الناس. والجمرة الثانية الوسطى يتقدم عن يسارها، ولا يتزاحم الناس. وأما الثالثة فليس عندها دعاء، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. فمن فعل هذا في اليومين، رخص له إن أحب أن يتعجل، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه. ومن تأخر فلا إثم عليه، لمن اتقى. فالكمال والتقوى، وزيادة الأجر، بإكمال الأيام الثلاثة: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. ومن تعجل فلا بد أن يخرج قبل غروب الشمس، كما صحت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا فعل ذلك انتهى حجه. ويستحب له قبل خروجه من مكة أن يطوف طواف الوداع، وهو واجب على الصحيح من أقوال أهل العلم، كما جاء بحديث بن عباس. إلا أنه رخص لأهل الأعذار، كالحائض والمريض ونحوه، كما صحت بذلك السنة. فإذا انتهى من ذلك شرع له زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لفضله، واتباعا لزيارة المسجد، يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم. هذه أحكام الحج مختصرة، وعلى كل مسلم عزم على الحج وأراده أن يتعلم من أحكامه وتشريعاته ما يؤدي هذه الفريضة على أكمل وجوهها. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب وأرضاه، وأن يجعلنا ممن يتبع تقواه، وأن يوفقنا لحج بيته الحرام وأداء هذا النسك. اللهم آمين. اللهم أصلح حالنا وحوال المسلمين بكل مكان. اللهم أصلح حال المسلمين في اليمن وفي العراق وفي سوريا وليبيا وأفغانستان وأفريقيا والصومال وسائر بلاد المسلمين، يا رب العالمين. اللهم أصلح أمتنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقى واتبع رضاك، يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين.