المحاضرة بعنوان أهمية الحكمة في الدعوة إلى الله، والتي كانت بمناسبة افتتاح دورة العلامة محمد بن عبدالوهاب الوصابي رحمه الله بمسجد الرئاسة بعدن يوم الجمعة 24 ذو الحجة 1441هـ الموافق 14 أغسطس 2020م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يفتتح الشيخ دورة علمية ويشكر القائمين عليها، ويبين أهمية العلم والانشغال به. يُعتبر العلم نعمة ورثها الأنبياء ويجب الاهتمام به.
يُثني المتحدث على الشيخ محمد عبد الوهاب ويُشدد على أهمية الحكمة في الدعوة إلى الله. الحكمة تعني وضع الشيء في موضعه وتتحقق بالعلم والحلم والتأني.
يؤكد المقطع على أهمية الرفق وعدم الغضب في الدعوة، مستشهداً بالآيات القرآنية التي تدعو إلى اللين. الحكمة تتطلب وضع كل شيء في موضعه.
يختم المتحدث الدورة بالدعاء للجميع بالتوفيق والقبول، ويطلب من الله أن يبارك في المشاركين. يشكر الله على نعمه ويصلي على النبي محمد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخص سبحانه بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه أن وفقنا بهذه النعمة الأخرى، والتي منها هذه النعمة نعمة العلم والانشغال به وبثه بين الناس. وفي هذا اليوم، في يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة لسنة إحدى وأربعين وأربعمائة وألف للهجرة، يفتتح دورة الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب الوصابي، رحمه الله رحمة واسعة، في هذا المسجد المبارك مسجد أهل السنة والجماعة المسمى بمسجد الرئاسة. هذه الدورة التي بإذن الله تعالى دورة مباركة، اجتهد القائمون عليها ويشكرون على ذلك على أن تكون دورة علمية تحوي أنواعا من العلوم الشرعية التي ينفع الله عز وجل بها طلبة العلم ومحبيه، ويكون بها الخير للعباد والبلاد. فهذه من النعم العظيمة التي نحمده سبحانه ونشكره على تيسيرها، وهو أن يوفق الله عبادا من عباده للعلم والتعليم والتعلم وبث ذلك في المجتمع. ولا يخف علينا فضل العلم وفضل الانشغال به، فهو من أعظم النعم التي ورثها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ﴿فِي حَدِيثِهِ الصَّحِيحِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَكِنْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ﴾. وهذه الدورة إن شاء الله كاسمها، الشيخ محمد بن عبد الوهاب المعروف المشهور، رحمه الله رحمة واسعة، علما من أعلام العلم في بلادنا اليمنية. ولا يعرفه في زماننا المعاصر في بلادنا اليمنية بعد الشيخ مقبل رحمه الله أحدا أعلم، وكذلك أحكم وأفق في الدعوة إلى الله والتعليم، وكذلك أخلاق التي بها فتح الله عز وجل به قلوب العباد في مواضع كثيرة، لا يعلم من وفق لمثل ذلك مثل الشيخ محمد عبد الوهاب، رحمه الله رحمة واسعة، وهو بحق خليفة الشيخ مقبل رحمه الله بعده. فرحم الله الجميع، ونسأل الله عز وجل أن يرفع درجاتهم في الجنة، وأن ينفعنا بعلومهم من بعدهم. ومن أعظم صفاته رحمه الله أنه كان حكيما رفيقا موفقا في دعوته. وهكذا إن شاء الله يكون أمر هذه الدورة، دورة توث العلم والحكمة والرفق والتواضع الذي به ينفع الله عز وجل بهذه الدعوة المباركة ودعوة أهل السنة والجماعة، دعوة من الكتاب والسنة إلى الكتاب والسنة. ومن أعظم ما في الكتاب والسنة العلم، ومن أعظم معاني العلم الحكمة، بأن يوضع كل شيء في موضعه الذي يكون به كماله وتمامه. فالحكمة كما عرف الإمام ابن القيم رحمه الله «فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي». وهذا لا يمكن الوصول إليه إلا بالعلم، فبالعلم تعرف متى ينبغي فعل هذا الأمر إقداما وإحجاما. وهكذا كذلك كيف يمكن أن يكون، وفي أي وقت ينبغي أن يكون، لا يمكن الوصول إلى ذلك إلا بالعلم. ومن أعظم كذلك لوازم الحكمة الحلم، فالحلم لا يتم إلا به، فبالحلم يستطيع من وفق للعلم أن يعمل بالعلم، لأنه يستطيع أن يضبط نفسه ومواقفه، فيحلم على السفيه ويكظم الغيظ، ولا تتلاعب به أمراض نفسه وشهواتها. فهو يحلم حتى إذا اعتدي عليه، فضلا أن يعتدي على أحد. وهكذا كذلك التأني والرفق، وهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم أشجع عبد القيس بهذين الوصفين العظيمين الحلم والأناة، «النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلم والأناة». فالحلم من معاني تمام الحكمة، لا تتم الحكمة إلا به. وهكذا كذلك الأناة والرفق، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة، وأصله في صحيح مسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». فبالرفق يفتح الله عز وجل عليك يا حامل العلم، العلم الذي تحمله وتوفق في دعوتك. ولهذا كان من أعظم أصول الدعوة إلى الله الحرص على الحكمة في هذه الدعوة، كما قال الله عز وجل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وما أحوجنا في هذا الزمان أن نحرص على العلم، وأن نحرص معه على الحكمة في هذا العلم، بأن يوضع في موضعه الذي يكون به كماله وتمامه. ومن الحكمة الرفق وعدم الغضب وعدم الغلظة والشدة، ولا يعني ذلك أن لا تكون هناك شدة، لكن الشدة في موضعها، والأصل الرفق. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. ولما أرسل الله عز وجل موسى ومعه هارون أخوه عليهما الصلاة والسلام، ماذا قال سبحانه: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. فالأصل في الدعوة إلى الله الرفق، وهذه الحكمة بأن يبدأ الإنسان بالرفق، فما كان الرفق في شيء إلا زانه. والرفق يكون مع القريب ومع البعيد، مع المسلم ومع الكافر، هذا هو الأصل أن يبدأ الإنسان بالرفق، ثم كما قال العلماء ينتقل إلى المرحلة التي تليها، وهي الموعظة بالتي هي أحسن والمجادلة بالتي هي أحسن. فيبدأ بالرفق في الدعوة إلى الله، بالموعظة الحسنة والأخلاق الجميلة والمواقف الكريمة التي تفتح بها القلوب، ويقبل الناس على هذه الدعوة المباركة. وبعد ذلك إذا كانت هناك شبه، فإن هذه الشبه ترد بالمجادلة بالتي هي أحسن. وتأمل قول الله عز وجل: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فإن كان هناك حسن وأحسن، فنختار الأحسن، فمن باب أولى أن نترك الخشن والأخشن، ومن باب أولى أن نترك كل ما ينافي معنى الحسن. وهكذا كذلك قوله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. البصيرة ليس فقط العلم، ولكن معرفة غور العلم، والذي منه الحكمة، فإنه لا بصيرة بغير حكمة. ومن البصيرة أن تضع كل شيء في موضعه الذي يكون به كمال وتمام، الإقدام في موقعه، والإحجام في موقعه. وهذا هو حقيقة العلم، ليس معرفة المعلومات، ولكن معرفة غور ومعاني هذه المعلومات، ما هو المقصود منها؟ ما هي الحكمة المراد منها؟ فلذلك إذا كان المقصود لا يتم، فلا فائدة من الأمر ولا النهي، لأنه منافي للحكمة التي أرادها الله عز وجل من هذا العلم. وتأمل الكثير في ديننا من الأوامر، كيف أن الله عز وجل نزلها تدريجيا حكمة حتى يمتثل الناس بها. وهكذا الكثير من النواهي. ونحن من باب أولى، نحن بحاجة والدعوة صارت في غربة أن نرفق بالناس، ونسلك مسلك الحكمة التي نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها. وصف النبي صلى الله عليه وسلم أهل اليمن بالحكمة، وهكذا ينبغي حقيقة أن يكون هذا، ليس من التشريف الذي يغتر به العبد، ولكن من التشريف الذي يدعو العبد إلى اتهام نفسه بالتقصير، ليصل إلى هذا الوصف الذي أثنى به النبي صلى الله عليه وسلم على أهل اليمن، وأثنى الله عز وجل به على نبيه وصحابته. فنسأل الله عز وجل أن يبارك في هذه الدورة المباركة، وأن يجزي كل من شارك فيها بقليل أو كثير، وكل من كان سببا في هذا الخير، وأن يجزي الجميع خير الجزاء، وينفعنا جميعا، واجعلنا وإياكم مفاتيح خير، مغاليق شر، هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.