الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 62، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح ابن القيم رحمه الله تعالى مقام الإيمان بالقدر وإسناد الكائنات إلى مشيئة الله، ويوضح أن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان. نفي القدر يعتبر نقصًا في الإيمان ووقوعًا في الشرك.
ينفي القائلون بالقدر أن الله يجبر العباد على المعاصي، ويوضح أن الله أعطى العبد قدرة لا تنافي علم الله وقدرته ومشيئته. التفريق بين قدر الله الخلقاني والشرعي هو أساس الفهم الصحيح.
يتناول المقطع كيفية جزاء الله للمحسنين والمسيئين، ويحذر من الاعتراض على القدر، مشيرًا إلى أمثلة من الواقع تبين سوء الفهم للقدر وتأثيره على السلوك والأخلاق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: فصلٌ، فالجواب أنها هنا مقامين: مقام إيمان وهدى ونجاة، ومقام ضلال وردى وهلك زلت فيه أقدام فهوت بأصحابها إلى دار الشقاء. فأما مقام الإيمان والهدى والنجاة، فمقام إثبات القدر والإيمان به، وإسناد جميع الكائنات إلى مشيئة ربها وبارئها وفاطرها، وأنه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه الناس. وهذه الآثار التي ذكرت كلها تحقق هذا المقام وتبين أن من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ من التوحيد ولبس جلباب الشرك، بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه. وهذا في كل كتاب أنزله الله على كل رسول أرسله، وذلك لأنه ركن من أركان الإيمان، ليس فقط في دين الإسلام، بل هو في سائر الأديان. فالأنبياء جميعًا جاءوا بدعوة التوحيد والإيمان، وهم في هذا على شيء واحد. وأما في الشريعة، فكما قال الله عز وجل: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، فالشريعة تختلف والمنهاج يختلف حسب الزمان والمكان، وأما العقيدة والتوحيد والإيمان، فالأنبياء في ذلك على شيء واحد. ومن ذلك الإيمان بالقدر، فلا يتم إيمان حتى يؤمن بالقدر. فالإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، ونافي القدر والمكذب للقدر نقض ركنًا من أركان الإيمان، ولهذا صار عنده خصلة من خصال الكفر والشرك. وجه الشرك أن الذي ينفي القدر يشرك بين أحد أمرين: إما أن ينفي مشيئة الله سبحانه وتعالى ويزعم أنه لا قدر وأنه يفعل كل ما يريد، فجعل نفسه ندًا لله عز وجل. أو أنه يدعي أنه لا مشيئة له البتة فيكون جبريًا يقول بالجبر، ووقع كذلك في الكفر بالقدر وفي الشرك من جهة أنه نفى ما أثبت الله عز وجل من مشيئة للمخلوق لا تنافي مشيئة الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وأما المقام الثاني، وهو مقام الضلال والردى والهلاك، وهو الاحتجاج به على الله، وحمل العبد ذنبه على ربه، وتنزيه نفسه الجاهلة والظالم الأمارة بالسوء، وجعل أرحم الراحمين وأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأغنى الأغنياء أضر على العباد من إبليس. كما صرح به بعضهم، واحتج عليه بما خصمه فيهم من لا تضحف حجته ولا تطاهم غالبته، حتى يقول قائل: هؤلاء ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء. والمعنى أنهم ينفون القدر ويزعمون أن الله عز وجل أجبر عبده على فعل المعاصي، ثم يعاقبه عليها. وهذا كذب على الله وعلى دين الله وعلى شرع الله. ولهذا يقول هذا القائل هذا المثال: يعني إذا ربطت إنسانًا وكتفته ثم رميته بالماء، ثم تقول له: لماذا تبتل بالماء؟ فكأنك كنت بهذا مستخفًا، والعياذ بالله. هذا جعلوه مثلًا للقدر، وهذا افتراء على الله وافتراء على دين الله وشرعه. فللقدر ليس كذلك، القدر سر الله سبحانه وتعالى، لأنه الرب العظيم الإله الحق، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وهو علم بكل شيء، ومن علمه بكل شيء علمه بما يكون يوم يكون كيف يكون. وهذا من سعة علمه وكمال ربوبيته وألوهيته سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته الواسعة الحسنى. وهكذا كذلك لا ينافي ذلك أن أعطى العبد قدرة، هذه القدرة لا تنافي سابق علم الله وقدرته ومشيئته النافذة. فلذلك قال العلماء: القدر سر الله سبحانه وتعالى، فلا منافاة بين هذا وهذا. وضربنا أمثلة كثيرة توضح هذا المعنى. قال رحمه الله: ويقول قائلهم: دعاني وسد الباب دوني، فهل إلى دخولي سبيل؟ بين لي قصتي. والمعنى أنه إذا دعاك وأغلق عليك الباب، فكيف يمكنك أن تدخل؟ هم يريدون بهذا التعريض، والعياذ بالله، بإنكار القدر والاعتراض على الله سبحانه وتعالى، يعني كيف قدر المعاصي ثم يعاقب ويؤاخذ عليها؟ وهذا كذب، فالله عز وجل قدرها خلقًا ولم يقدرها شرعًا. هذا هو المهم الذي ينبغي أن يفهمه كل منصف عنده بصيرة. فالله عز وجل قدر الخير والشر قدره خلقًا ولم يقدره شرعًا. أما شرعًا، فأمر بالخير ونهى وحذر من الشر، أمر بطريق الهداية وحذر من طريق الضلال. هذا شرع الله، وهذا الذي يحبه الله، ولا ينافيه أن يكون في ملكه ما لا يحب. وكونه يكون في ملكه ما لا يحب، لأنه ابتلى الله عز وجل الناس بطريق الخير وبطريق الشر. فمن أخذ بطريق الخير جازاه، فكانت مجازاته فضلًا وعدلًا. وما كان من سلك طريق الشر والسوء، كافأه بما كان بقدر فعله، فكان ذلك عدلًا منه سبحانه وتعالى. ولذلك فالله عز وجل لم يؤاخذ الناس على ما سبق من علم الله السابق، ولا على ما علم، وإنما آخذ الناس بعد ماذا؟ بعد أن عمل العاملون عملهم، فأحسن المحسن وأساء المسيء. فجازى المحسن بإحسانه تلك الجنة: ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وجازى المسيء بإساءته بما كان من مكره وزيغه: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، هم الذين زاغوا ثم أزاغهم الله، هم الذين ابتدأوا الزيغ فأزاغهم الله، لماذا؟ جزاءً وفاقًا، جزاءً وفاقًا وانتقامًا لدينه وشرعه. فلا ينبغي أن يخلط المنصف الذي يريد معرفة الحق بين الأدلة. قال رحمه الله: ويقول الآخر: وضعوا اللحمة للبزات على ذروة عدن، ثم لاموا البزات إذ خلعوا عنهم الرسن، لو أرادوا صيانتي ستروا وجهك الحسن. وهذا كذلك تعريض بالاعتراض على القدر، تعريض بالاعتراض على القدر. والمعنى أنه إذا كان أنت لا تريد أن يعتدي هذا الطائر ومن يملكه على المكان الذي لا تريد الاعتداء عليه، فاحفظه وغطه. أما إذا كشفته، فإن الطائر سيعتدي عليه، فإذا كشفته ثم لمتَه على هذا الاعتداء، صرت بهذا تؤاخذ على ما لا يصح المؤاخذ عليه. ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للقدر، فهذا كذب على الله وعلى دينه وعلى شرعه. قال رحمه الله تعالى: وقال بعضهم، وقد ذكر له من يخاف من إفساده، فقال: لي خمس بنات، لا أخاف على إفسادهن غيره. وهذا كذلك تعريض بالتكذيب على القدر وعلى الله سبحانه وتعالى. قال: وصعد رجل يومًا على سطح دار له، فأشرف على غلام له يفجر بجاريته، فنزل وأخذهما ليعاقبهما، فقال الغلام: إن القضاء والقدر لم يدعنا حتى فعلنا ذلك. فقال: لعلمك بالقضاء والقدر، لعلمك بالقضاء والقدر أحب إلي من كل شيء، أنت حر لوجه الله. وهذا كذلك فهم خاطئ وتصرف غير صحيح، بل القدر الذي حصل به هذا الفعل هو لا ينافي المؤاخذة. ولهذا الله عز وجل أمر بإقامة الحدود على المفسدين وعلى المجرمين وعلى أصحاب المعاصي، فيعاقبون في الدنيا قبل الآخرة. قال رحمه الله: ورأى آخر رجلًا يفجر بامرأته، فبادر ليأخذه، فهرب، فأقبل يضرب المرأة، وهي تقول: القضاء والقدر. فقال: يا عدوة الله، أتزني وتعتذري بمثل هذا؟ فقالت: أوه، تركت السنة وأخذت بمذهب ابن عباد. فتنبه ورمى الصوف من يده واعتذر إليها، وقال: لو لا ك لضللت. يعني كان الرجل قدريًا، سبحان الله، انظروا البدع حتى تميت الرجولة والشهامة والغيرة الصحيحة. فهذه المرأة زوجة لرجل قدري، فلما راها تفعل هذه الفاحشة، قالت له: أوه، تركت السنة - يعني الإيمان بالقدر - وأخذت بمذهب ابن عباد، تريد بذلك مذهب زوجها في نفي القدر. فالقدر سر الله سبحانه وتعالى، من آمن به بحق علم أنه لا يجوز الاستدلال بالمعاصي على القدر، بل الله عز وجل قدر هذه المعاصي خلقًا ولم يقدرها شرعًا، وفرق بين الأمرين. ولهذا جعل الله عز وجل لها العقوبات في هذه الدنيا والعقوبات كذلك في الدار الآخرة. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله بدرس اللاحق. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.