طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 61

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 61

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 61، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الإيمان بالقضاء والقدر

يتناول المقطع الأول موضوع الإيمان بالقضاء والقدر، حيث يستدل الشيخ بآثار السلف الصالح ويشرح معنى أن كل ما في الكون قد قضاه الله وقدره. كما يوضح أن لا فرار من القدر، بل إذا قدر الله شيئًا فإنه لا بد أن يكون.

أهمية الرضا بالقضاء والقدر

يُناقش المقطع الثاني أهمية الرضا بالقضاء والقدر كجزء أساسي من الإيمان، ويُشير إلى أن الإنسان يجب أن يصلح نفسه أولًا قبل أن يُصلح غيره. يُوضح أن الرضا بالقضاء والقدر هو أحد مقومات ذروة الإيمان.

تأكيد الإيمان بالقدر خيره وشره

يؤكد المقطع الثالث على أهمية الإيمان بالقدر خيره وشره، ويستشهد بأحاديث نبوية تشير إلى أن كل ما يحدث للإنسان مكتوب عند الله. يُبين أن هذا لا يتعارض مع توجيه الله لعباده لاتباع طريق الخير واجتناب الشر.

مصادر الآثار المروية في القضاء والقدر

يشير المقطع الرابع إلى أن معظم الآثار المذكورة مروية في كتب كبيرة مثل كتاب "السنة" لابن أبي عاصم والبيهقي في "القضاء والقدر". هذه الكتب تسند هذه الآثار وتوثقها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال قتادة عن أبي السوار عن الحسن بن علي، قال: «قضي القضاء وجف القلم، وأمور تقضى في كتاب قد خلق». والمعنى أنه قد كان قضاء الله عز وجل، وأمر الله بما أمر به من كتابة القلم في أمور قد خلت. وهذا معنى إثبات القضاء والقدر، وكل ما في هذا الكون قد قضاه الله وقدره، وأمر بكتابته. ومعنى هذا قد سبق في أحاديث مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا كذلك مما يضم إلى ذلك من آثار السلف في أمر الإيمان بالقدر. قال عمر بن العاص رضي الله عنه: «انتهى عجبي إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لاقيه، ويرى في عين أخيه القذاة، فيعيبها، ويكون في عينه مثل الجذع فلا يعيبها، ويكون في دابته الضغن فيقومها جهده، ويكون في نفسه الضغن فلا يقومها». وهذا كذلك أثر آخر في إثبات القدر عن هذا الصحابي رضي الله عنه وأرضاه. ومعنى أنه يعجب من هذه الثلاث أولها، وهو الشاهد، أن المرء يفر من القدر وهو لاقيه، أي لا فرار من القدر، بل الله عز وجل إذا قدر شيئًا فإنه لا بد أن يكون. والأمر الثاني ما يتعلق بالعيب، يراه الإنسان في غيره ولا يرى عيوب نفسه. ومعنى: إن كنت تعذر نفسك، ينبغي أن تعذر غيرك كذلك. وهذا أدعى للعدل، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أنفسنا. والأمر الثالث كذلك قوله: «ويكون في دابته الضغن ويقومها إلى آخره». والمعنى أنه يرى الشيء الذي يحتاج إلى إصلاح ويصلحه في الدابة، ولا يصلح ما يحتاج إلى إصلاحه في نفسه. فإصلاح نفسك أولى من إصلاح الدابة. قال أبو الدرداء: «ذروة الإيمان أربع: الصبر للحكم، والرضى بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب». والمعنى لا يصل الإنسان لذروة الإيمان إلا بهذه الأربع: أن يصبر للحكم، وأن يرضى بالقدر، وأن يخلص للتوكل، وأن يستسلم للرب. فإذا جمع هذه الحِصال الأربع رفعه الله عز وجل بإذن الله إلى ذروة الإيمان، أي أعلى درجات الإيمان. والشاهد منه الرضى بالقدر، فلا يتم إيمان، بل ولا يرتقي في أعلى درجاته إلا بالرضى بالقدر. قال الحجاج الأزدي: سألنا سلمان ما الإيمان بالقدر؟ فقال: «أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك». وهذا من التفسير بالوصف، يعني وصف الإيمان بالقدر هو هذا. وهذا بعض الوصف الذي هو أهم، وإلا فالإيمان بالقدر يتناول أشياء كثيرة، وهو الذي جاء في حديث ابن عباس وغيره كما تقدم معنا مرفوعًا. قال سلمان أيضًا: «إن الله لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج منه ما هو ذارئ إلى يوم القيامة». ومعنى ذارئ يعني ما سيكون من ذريته. قال: «ففتب الآجال والأرزاق والأعمال والشقوة والسعادة، فمن علم السعادة فعلى الخير ومجالس الخير، ومن علم الشقاوة فعلى الشر ومجالس الشر». وقد مر معنا أنه جاء هذا مرفوعًا في عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي معناه حديث أبي هريرة وغيره. والشاهد منه أن كل ما يكون من بني آدم قد سبق في قدر الله سبحانه وتعالى: من يحيى ومن يموت، ومن يحسن ومن يسيء، وغير ذلك مما يكون من أحوال بني آدم وذريته عليه الصلاة والسلام. قال جابر بن عبد الله: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر كله خيره وشره، ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه». وهذا كذلك فيه معنى ما تقدم، وهذا من الإيمان بالقدر. قال هشام بن نبيه عن عائشة: «إن العبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة، وإنه عند الله لمكتوب من أهل النار». وتقدم معنى هذا أيضًا أنه قد جاء مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في رواية صحيح مسلم: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». فهذا من الإيمان بالقدر، ولا ينافي ذلك أمر الله عز وجل لعباده بسلوك طريق الخير واجتناب طريق الشر والضير. فالله عز وجل هو القائل: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. قال رحمه الله: والآثار في ذلك أكثر من أن تذكر، وإنما أشرنا إلى بعضها إشارة. وقد سبق معنا أن أكثر هذه الآثار مروية في الكتب الكبار مثل كتاب «السنة» لابن أبي عاصم رحمه الله، والبيهقي في «القضاء والقدر»، وبعضها في «السنة» للخلال، و«السنة» لعبد الله بن أحمد، وغيرها من الكتب الأخرى التي تسند هذه الآثار. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.