الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 63، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح مفهوم الرضا بقضاء الله وقدره والفرق بين الرضا بالمصائب والمعاصي. يحذر من استغلال القدر لتبرير المعاصي.
يفسر الفرق بين القدر الكوني والشرعي، ويحذر من تبرير الذنوب بالقدر. يستدل بموقف علي بن أبي طالب.
يناقش مفهوم القدر ويفسر الفرق بين الإرادة الشرعية والكونية. يوضح موقف أهل السنة والجماعة بين الجبرية والقدرية.
يتناول ضلال القدر ونفيه والاستدلال بالمتشابه حتى الوصول إلى الكفر. يبين أن هذا الضلال مناف للعقول والفطر السليمة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: وقال بعض هؤلاء، وقد عوتب على ارتكابه معاصي الله، فقال: إن كنت عاصيًا لأمره، فأنا مطيع لإرادته. هذا اللي قبلها، واحد ثمانين. قال رحمه الله تعالى: ورأى آخر رجلًا يفجر بامرأته، فقال: ما هذا؟ فقالت: هذا قضاء الله وقدره. فقال: الخيرة فيما قضى الله. فلقب بالخيرة فيما قضى الله. وكان إذا دعي به غضب. يعني انظروا البدعة كيف تورث الدياثة، أورثت الدياثة. وإذا فقهوا شرع الله ودين الله، أعلموا أن الرضا بقضاء الله وقدره لا يعني الرضا بالمعاصي، ولكن معناه أن نعلم أن ما قضاه الله من خير وشر فهو بقدره الكوني. وأما شرعًا، فالله يبغض المعاصي، يبغضها ولا يحبها، ولا يرضى بالرضا بها. فقوله «الخيرة فيما قضى الله» هذا بالنسبة للمصائب، أما بالنسبة للمعايب فلا، لا يجوز أن يقول «الخيرة فيما قضى الله» في المعايب، يعني المعاصي، وإنما في المصائب. المصائب نعم، الخيرة فيما اختاره الله، ونقول: قدر الله ما شاء فعل. أما أن يفعل الإنسان المعصية ويأتي فيستدل بالقدر، فهذا خطأ وفجور. ولذلك انظروا كيف أن هذه البدعة تورث مساوئ كثيرة حتى أوصلت لهذه الدياثة. قال رحمه الله: وقيل لبعض هؤلاء: أليس الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾؟ فقال: دعنا من هذا، رضيه وأحبه وأراده. وما أفسدنا غيره، والعياذ بالله. وهذا كفر والعياذ بالله، لا يجوز أن يقال: إن الله رضي بالكفر وأحبه وأراده، بل هذا إما جهل والجاهل يعلم، وإما معاند ابتدع، وهذا لا شك أنه يكفر. ولهذا كان من معاني كفر القدرية أنهم استلزموا الكفر، فإنهم يصلوا بهم الأمر إلى هذا الكفر والعياذ بالله، الاعتراض على نصوص الكتاب والسنة والرضا بالكفريات، هذا هو نهاية قول هؤلاء الظلال في القدر. فالله عز وجل لا يرضى لعباده الكفر شرعًا، وأما قدرًا، قدره وكونه قدره لا يعني أنه أحبه، وهو لا يحب الكفر وإن أذن بوقوعه، فإليه حكمة سبحانه وتعالى، كما قلنا يمتحن ويبتلي ويختبر جل وعلا، لأجل إن عاقب عاقب بعدل، عاقب بعدل. فإن الإنسان في سابق قدر الله لا يعاقب، وإنما يعاقب بعد أن يفعل، فيتحقق ما قدر له. فعند ذلك تجازى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، هذا بفضل الله، وذاك بعدل الله جل وعلا. فلا بد أن نفرق بين كون الله عز وجل يوقع في خلقه الخير والشر، فهذا أمر كوني، ولا يحب الشر ويحب الخير. وأما من جهة الشرع، فهو لا يحب الشر ولا وقوعه، ولا كذلك يريد الناس أن يرضوا به ولا يحبوه. فينبغي أن لا نخلط بين هذا وذاك، كما تقدم معنا. قال رحمه الله تعالى: ولقد بالغ بعضهم في ذلك حتى قال: القدر عذر لجميع العصاة. وإنما مثلنا في ذلك كما قيل: إذا مرضنا أتيناكم نعودكم، وتذنبون فنأتيكم فنعتذر. وهذا كذلك نوع من الإلحاد والعياذ بالله، كيف يكون المذنب هو الذي يعتذر له؟ فهذا جهل بالشرع وانتكاس في الفطرة. وإلا فصاحب الفطرة السليمة، فضلًا عن من وفق لمعرفة شريعة الله، لا يشك أن الوقوع في الذنوب لا يمكن أن يقال أنها مكرمة، بل هي مذمة. ولذلك كما تقدم معنا، الكفار وهم كفار لم يرضوا لأنفسهم للوقوع في الذنوب والمعاصي الكبيرة. ما كان عندهم شرع ودين، ولكن عندهم فطرة سليمة. ولهذا الكثير من الصحابة لم يشرب الخمر لا في جاهلية ولا في إسلام، والكثير من الصحابة لم يقع في الزنا لا في جاهلية ولا في إسلام. ما هو الذي منعهم؟ هل منعهم من ذلك دين؟ الجواب: لا، ما كان عندهم دين، ولكن الذي منعهم هو فطرة صحيحة وعقول سليمة. فإذا الشرع ما جاء إلا بما توافقه الفطرة السليمة والعقول الصحيحة. فمن زعم أن المذنب وقع في مكرمة وأنه ينتدح ويعتذر له، فهذا انتكست فطرته وفسد عقله، فضلًا عن معارضته للشرع. قال رحمه الله تعالى: وبلغ بعض هؤلاء أن عليًا مر بقتل النهروان، فقال: بؤسًا لكم، لقد ضركم من غركم. فقيل: من غرهم؟ فقال: الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والأمان. فقال هذا القائل: كان علي قدريًا. وإلا فالله غرهم وفعل بهم ما فعل وأوردهم تلك الموارد. وهذا كذلك جهل وظلم وانحراف وظلال. وإلا قول علي هو الصواب، الشيطان وسوس لهم فزين لهم المعاصي والخروج، والنفس الأمارة بالسوء جرأت، والأمان كذلك سهلت. وكل هذا كان سببًا في غرور هؤلاء. وقولهم «كان قدريًا» يريدون بذلك يعني أنه خلاف ما عليه هؤلاء أن نفاه القدر، أن نفاه القدر. فقري في القدر جبرية وقدرية، وأهل السنة وسط بين هؤلاء وهؤلاء، كما دلت عليها دلالة الكتاب والسنة. قال رحمه الله: واجتمع جماعة من هؤلاء يومًا فتذاكروا القدر، فجرى ذكر الهدهد وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. وقال: كان الهدهد قدريًا، أضاف العمل إليه والتزيين إلى الشيطان، وجميع ذلك فعل الله. وهذا كذب على الهدهد وكذب على الله وعلى كتاب الله عز وجل وشرعه. بل ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، ولكن العمل عمل من؟ عمل هذا المذنب، الشيطان وسوس وزين، ولكن الذي فعل هو هذا المذنب. فمن الخطأ والضلال أن يدعى أن هذا فيه دليل على نفي القدر، بل الصحيح أن هذا فيه دليل على إثبات القدر، وأن المعاصي هي مما يفعلها الإنسان بإرادته، ولهذا استحق العقوبة عليها بعدل الله عز وجل. قال: وسئل بعض هؤلاء عن قولي تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، قال: أيمنعه؟ ثم يسأله: ما منعه؟ فقال: نعم، قضى عليه في السر ما منعه منه في العلانية، ولعنه عليه. قال له: فما معنى قوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا﴾؟ قال: إذا كان هو الذي منعهم. قال: استهزاءًا بهم. قال: فما معنى قوله: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾؟ قال: قد فعل ذلك بهم من غير ذنب جنوا، بل ابتدأهم بالكفر ثم عذبهم عليه. وليس للآية معنى. وهذا ضلال والعياذ بالله، كذلك كيف يكون أن الله عز وجل يأمرهم بما فيه الخير لهم ثم يعذبهم لأجل ذلك؟ أو ينهاهم ثم يعذبهم لأجل ما نهاهم عنه بعد وقوعهم؟ وهذا جهل. وسبب الخطأ في هذا أن هؤلاء لم يفرقوا بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، ولم يفرقوا بين ما أحبه الله مما أمر به شرعًا وما أذن بوقوعه مما فيه ما يحبه وفيه ما لا يحبه مما هو من إرادته الكونية الشرعية. فهناك فرق بين الإرادة الشرعية وهي التي يحبها الله وعليها مناط الثواب والعقاب، وبين الإرادة الكونية التي منها ما يحبها الله ومنها ما لا يحبها الله، وليست هي مناط الثواب والعقاب. وإنما مناط الثواب والعقاب على الإرادة الشرعية. فخلط هؤلاء بين هذا وهذا، فلهذا اختلطت عليهم الأفهام فظلوا ووقعوا فيما هم فيه. وكثير منهم اعتقدوا أولًا ثم استدلوا ثانيًا، اعتقدوا البدعة والضلالة في القدر فنفوا القدر، ثم ذهبوا يستدلون بالمتشابه من الأدلة حتى وصل بهم الحال إلى هذا الكفر وهذا الضلال الذي لا يمكن أن يقره إنسان، ولو لم يكن عنده علم، لأنه منافي للعقول الصحيحة والفطر السليمة. إلى هنا إن شاء الله، هذا طلب من إخوانكم في المكتب لمن عنده هذه الفصيلة بي زايد، من عنده هذه الفصيلة فيطلب منه التعاون بحالة ضرورية فيأتي إلى الغرفة، جزاكم الله خيرًا.