فضل الصبر

المحاضرة بعنوان فضل الصبر، والتي كانت في دورة العلامة عبدالرحمن العدني رحمه الله بجامع الفردوي بعدن يوم الجمعة 2 محرم 1442هـ الموافق 21 أغسطس 2020م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تمهيد وافتتاحية

يبدأ الدرس بالحمد لله والصلاة على النبي محمد، ويتم التعريف بالشيخ عبد الرحمن بن عمر بن مرعي وتاريخه العلمي.

أهمية طلب العلم والاجتهاد فيه

يُبرز أهمية الصبر والاجتهاد في تحصيل العلم لتحقيق الخير في الدنيا والآخرة، ويشيد بجهود الشيخ عبد الرحمن في علم الحديث والفقه.

الصبر في طلب العلم والدعوة ومجاهدة النفس

يُشدد على أهمية الصبر في طلب العلم والعمل به والدعوة إليه، ويتحدث عن مجاهدة النفس في الطاعات والصبر عن المعاصي وأمراض القلوب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، نحمده الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، وهو القائل سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، إن الإنسان لظلوم كفار. وهو القائل سبحانه: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. كما نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه أن يسر مثل هذه الدورات المباركة النافعة، هذه الدورات التي يحيى بها العباد والبلاد، فتكون عونًا للقريب والبعيد والمعلم والمتعلم، أن يكون ثابتًا على الثوابت الشرعية، بما يسمع من العلم وما يمرر من الكتاب والسنة وما فيهما. وهكذا كذلك من العلوم والمعارف ما يكون سببًا في ارتقاء سلم العلم والإيمان درجة درجة، حتى يرتقي الأمر بالعباد والبلاد إلى أرقى الدرجات وأرفعها. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾. فمن عظيم نعم الله وجود مثل هذه الدورات المباركة، وفي هذا اليوم الثالث من المحرم في يوم الجمعة لعام 1442 للهجرة، تفتح الدورة الثانية لفضيلة الشيخ العلامة محدث الفقيه عبد الرحمن بن عمر بن مرعي، رحمه الله رحمة واسعة. فجزى الله خيرًا كل من قام وشارك وساهم بهذا الخير، فنشكر الجميع، وعلى رأسهم أخونا الشيخ عبد الغفور، حفظه الله ورعاه ونفع به، وجميع المشايخ وإخوانه المشاركين في هذه الدورة المباركة. وهذه الدورة باسم الشيخ عبد الرحمن، رحمه الله، تذكرنا، وهذا من معاني تسمية الدورة بأسماء العلماء أن تذكرنا هذه الدورات بأسماء المشايخ والعلماء، شيئًا من تاريخهم وحياتهم العلمية والعملية، ما يكون عونًا لنا أن نأتسي بجميل ما كانوا عليه. والشيخ عبد الرحمن، رحمه الله رحمة واسعة، عالم من أعلام هذه الدعوة المباركة، دعوة أهل السنة في اليمن، بل من الله عليه، رحمه الله رحمة واسعة، بالتفوق في علم الحديث والفقه، بما لا يعلم لأحد جمع له هذين العلمين كما جمع له، رحمه الله رحمة واسعة. ولا أقول ذلك مبالغة، ولكن والله شهادة أشهد بها، وكل منصف يعترف بذلك، شهد له مشايخه، مشايخه شهدوا له فضلًا عن زملائه وأقرانه وتلامذته، فرحمه الله رحمة واسعة. وهذا الخير لم يصل إليه، رحمه الله، إلا بجد واجتهاد وصبر ومثابرة. وهكذا نحن معاشر طلبة العلم، نحن بحاجة أن نجد ونجتهد في تحصيل العلم والاجتهاد فيه، حتى نصل إلى الدرجات التي تكون لنا بإذن الله فيها الخير في الدنيا وفي الآخرة. فتحصيل العلم يحتاج إلى صبر، وسيرة الشيخ عبد الرحمن، رحمه الله، مليئة بمعاني الصبر، ما هو عظة وعبرة لكل طالب علم، بل لكل من أراد أن يستفيد هذه الدروس والعبر. وصبره بتحصيل العلم أثمر تلك التزكيات الكثيرة والثناء الجميل من العلماء عليه، رحمه الله رحمة واسعة. بل كان ذلك وهو في أوائل الطلب، الظهر النبوغ والتميز من بداية طلبه، رحمه الله رحمة واسعة. وهكذا كذلك صبره في الدعوة إلى الله، وصبره في التعامل مع المخالفين، القريب والبعيد، كم من موجات مرت وكم من هجمات تكررت، فكان مثلًا، رحمه الله رحمة واسعة، في الصبر والحلم، حتى أثمر هذا الخير الذي نراه، وهذا المركز الذي نراه، مركز الفيوش، مثال آخر من أمثلة الصبر. انظروا إلى هذا الخير العظيم الذي أقول بغير مبالغة، تعجز دولة أن تقيم مثله، فجمع الله عز وجل لها، جمع الله له هذا الخير، واجتمع طلبة العلم من كل مكان، فكان هذا المركز المبارك. وجزى الله خيرًا المشايخ الفضلاء من بعده في المحافظة على هذا الخير واستمراره. وهكذا نحن جميعًا بحاجة أن نصبر، نصبر في تحصيل العلم، ونصبر كذلك في العمل بالعلم، لأن العلم بدون عمل يذهب ويرحل. وكما قيل: العلم يهته بالعمل، فإن أجابه أو ارتحل. وهكذا كذلك العلم بغير عمل حجة عليك، فأنت يا طالب العلم لا تقصد الشجرة دون الثمرة. وكما قيل: العلم شجرة والعمل ثمرة، فهو ثمرة هذا العلم. بل ما في العلم من تشريف لا يناله صاحبه إلا إذا عمل به، فإذا لم يعمل به لم يكن قد أكرم نفسه، بل أهانها، وكتب على نفسه وبالها خبالها، والعياذ بالله. فإن من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، ومنهم العالم الذي لم يعمل بعلمه. وكما قال القائل: «عالم بعلمه لم يعمل، معذب من قبل عباد الوثن». وهكذا كذلك الصبر على الدعوة إلى هذا العلم والعمل، وانظروا إلى العلماء قديمًا وحديثًا، بل الأنبياء قبلهم، عليهم الصلاة والسلام، ومن سار بسيرهم من بعدهم من أئمة الهدى ومصابيح الدجا، فإنهم بصبرهم على العلم والعمل به والدعوة إليه نجحوا في دعوتهم. لأن هذه المواقف، مواقف الصبر الثلاثة، يصدق بعضها بعضًا، فيكون بها القبول، ويكون لصاحبها القبول عند الله سبحانه وتعالى، فيحبك، فيرسل ملائكته بأن تحب في الأرض، فيجعل الله عز وجل لك القبول في دعوتك والتوفيق في سيرك ومواقفك. والعكس بالعكس، إذا لم يكن الصدق والصبر، فإنك تخون نفسك وتخونك حتى جوارحك، فتنسى حين لا ينبغي النسيان، وتخطأ حين لا ينبغي الخطأ، وتزل حين لا ينبغي الزلل، كل هذه بسبب الذنوب والمعاصي. ومن الذنوب والمعاصي عدم العمل بالعلم، عدم الصبر على العلم وعلى العمل وعلى الدعوة، فالصدق بالعلم والعمل والدعوة والصبر على ذلك كله يصدق بعضه بعضًا، فيكون لك بإذن الله التوفيق في دعوتك، في تعليمك، وفي سيرك إلى الله سبحانه وتعالى، وفي كل أمورك. فلذلك ينبغي أن نحرص على ذلك كله، وكما قيل: «الإمام في الدين لا تنال إلا بالصبر واليقين»، كما قال الشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، يكرر ذلك كثيرًا. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، فبالصبر واليقين تنال الإمامة بالدين. وهكذا كذلك الصبر على ذلك كله، الصبر على ذلك كله في الظاهر والباطن، وفي كذلك القول والعمل، فأنت وطن نفسك، يا طالب العلم، على الصبر، وستجد بإذن الله تعالى الثمار الجميلة والعواقب الحميدة، بما يكون به فرحك واغتباطك في الدنيا، فضلًا عن الآخرة. ومن الصبر الصبر على طاعة الله، اصبر على طاعة الله، ومنه طلب العلم، ومنه تعليم العلم، ومنه الدعوة إلى هذا العلم، فالعمل بالعلم والدعوة إليه من طاعة الله التي ينبغي أن تصبر عليها. وبصبرك بإذن الله سبحانه وتعالى تجد العون من الله سبحانه وتعالى، لأنك بهذا تتقرب إلى الله. وفي الحديث القدسي في الصحيحة، الحديث المشهور: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»، الحديث. فأنت بفعلك الطاعات وصبرك عليها تتقرب من الله سبحانه وتعالى، فتجد التوفيق والسداد والإعانة من الله سبحانه وتعالى. وهذه من المجاهدة الحسنة التي يحبها الله، والله سبحانه يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. وهكذا كذلك الصبر عن معصية الله، تصبر عن المعاصي جميعًا، الشرك والبدعة والمعاصي، كبائرها وصغائرها، ومن ذلك زغل العلم وأمراضه الكثيرة. فتجاهد نفسك في ما قد يرد على قلبك من أمراض تصرفك عن طريق العلم الموفق، جاهد نفسك في العجب والغرور والكبر والحسد وغير ذلك من الأمراض التي لا يكاد يسلم منها أحد. فإن الشيطان حريص على أن يفسد على الصالحين طريقهم في الخير بمثل هذه الأمراض. ولذلك يجد هذه الأمراض تثر في أهل الصلاح أكثر من غيرهم، لأن الشيطان يأتي كل إنسان من بابه، فإحذر أن يشغلها الشيطان بالحسد وبالشحناء والبغضاء، وكذلك الجدال والمماراة ومنافسة الأقران على حساب دينك، وغير ذلك من الغل وأمراض القلوب الكثيرة. جاهد نفسك في أن تكون صادقًا في العمل بعلمك، ربي نفسك على التسامح والعفو والصفح والصبر وغض الطرف والحلم والتغافل، مما هو خلق أهل الإيمان وأهل كذلك الإحسان. فإن الله عز وجل أمرنا بذلك، فمن عفى وأصلح فأجره على الله. وهكذا كذلك حتى لو أسيء إليك وظلمت، إن استطعت أن تعفو وتصفح وتغفر وتتغافل، فذلك بإذن الله خير لك. واعلم أن الله حكم عدل، ما كان من ظالم أو باغي متمادي، فالله عز وجل كفيله، وهو حسبه، فقط انتظر عدل الله عز وجل فيه. أنت تدعو له بالهداية، فإن هداه الله فالحمد لله، وإلا فالله حكم عدل، انتظر عدل الله عز وجل فيه، فسيشفي غليلك وغليل كل مظلوم، لكن بغير أن تشغل نفسك وتخرج عن الجادة، فلا ترد الظلم بالظلم، ولا ترد الانحراف بالانحراف، ولا تسترسل في الخصومة والجدال. بل انشغل بالخير، بالعلم والعمل والدعوة إلى الله، بما يكون به الخير لك في عاجل أمرك وآجله. وهكذا كذلك الصبر على أقدار الله، خصوصًا في مثل هذا الزمان الذي قرب فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «القابض على دينه كالقابض على الجمر». فنحن بحاجة إلى صبر عظيم مع أقدار الله عز وجل، فبالصبر على أقدار الله توفق وتسدد، ويتحقق لك التوكل الصحيح، ويتحقق لك كذلك السداد في مواقفك وفي تصرفاتك. فاصبر على أقدار الله عز وجل، لا تتسخط لا بلسان الحال ولا بلسان المقال. بل احرص على أن تكون من الصابرين، من المحتسبين في أقدار الله عز وجل، وأن تكون على يقين أن ما اختاره الله لك خير مما تختاره لنفسك. وهكذا ما اختاره الله لدعوتنا خير مما اختاره لها، فالله أرحم بنا من أنفسنا. ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، فالله حكيم رحيم، له الحكمة البالغة وله الرحمة الواسعة. فما علينا إلا أن نوكل أمرنا إلى الله، ونفوض أمرنا إليه، ونثق أن العاقبة للمتقين، وأن العاقبة للتقوى، وأن الله عز وجل يجزي المحسنين خير الجزاء. وهو القائل سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. أحسن، وستجد الإحسان من الله سبحانه وتعالى، لا تنتظر الثمرة وتستعجلها، بل افعل الإحسان الذي أمرك الله عز وجل به، وبإذن الله تعالى ولنكن جميعًا على يقين، سنجد الثمار الحسنة في عاجل أمرنا، فضلًا عن آجله. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يسددنا ووفقنا، وأن يعيننا على سوء أنفسنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. وأكرر الشكر لكل من ساهم في هذه الدورة المباركة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها دورة مباركة نافعة، يعم نفعها وخيرها. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.