كتاب الجهاد 10

كتاب الجهاد 10

18-باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح . 19-باب أخذ الطعام من أرض العدو . 20-باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام.

دعوة النبي لهرقل إلى الإسلام واستدلاله على نبوته

يروي أبو سفيان قصة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لهرقل، حيث سأل هرقل عن النبي وأصحابه واستدل من إجاباته على صدق نبوته. قرأ هرقل كتاب النبي الذي دعاه فيه إلى الإسلام.

أحكام الجهاد والتعاون بين المسلمين ورد الحقوق

يتناول المقطع أحاديث نبوية عن الجهاد والتعاون بين المسلمين، ويشرح الأحكام مثل رد الحقوق وتأديب المسلمين على خلق التعاون والمشاطرة في الأموال.

دعوة الكفار إلى الإسلام وضوابط الغنائم

يتناول المقطع دعوة النبي للكفار إلى الإسلام وجواز أخذ الأشياء اليسيرة من الغنائم دون اعتبارها غلولًا، معتمدًا على أحاديث نبوية وتفاسير العلماء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح. قال: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما قدم المهاجرون المدينة من مكة وليس بأيديهم شيء، وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن يعطوهم ثمار أموالهم كل عام، ويكفوهم العمل والمؤونة. وكانت أمه أم أنس، أم سليم، كانت أم عبد الله بن أبي طلحة، فكانت أعطت أم أنس رسول الله صلى الله عليه وسلم عذاقًا، فأعطاهن النبي صلى الله عليه وسلم أم أيمن مولاته، أم أسامة بن زيد. وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من قتل أهل خيبر، فانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم، فرد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمه عذاقها، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن مكانهن من حائطه. قال: أخرجه البخاري في كتاب الهبة، باب فضل المنيحة. قال: حديث أنس رضي الله عنه قال: كان الرجل يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم النخلات حتى افتتح قريضة والنظير، وإن أهلي أمروني أن آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله، فأسأله الذي كانوا أعطوه أو بعضه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطاه أم أيمن، فجاءت أم أيمن، فجعلت الثوبة في عنقها تقول: كلا، والذي لا إله إلا هو، لا يعطيكهم، وقد أعطانيها -أو كما قالت- والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لك كذا، وتقول: كلا، والله، حتى أعطاها عشرة أمثاله -أو كما قال-. قال: أخرجه البخاري بكتاب المغازي، باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم. قال: باب أخذ الطعام من أرض العدو، حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: كنا محاصرين قصر خيبر، فرم إنسان بجراب فيه شحم، فنزوت لآخذه، قال: فالتفت، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم، فاستحييت منه. قال: أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس، باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب. قال: باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، حديث أبي سفيان عن ابن عباس قال: حدثني أبو سفيان من فيه إلى في. قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فبينما أنا بالشام، إذ جيء بكتاب من النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، قال: وكان دحية الكلبي جاء به، فدفعه إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل. قال: فقال هرقل: هل ها هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قالوا: نعم، قال: فدعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل، فأجلسنا بين يديه، قال: أيكم أقرب نسبًا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا، فأجلسوني بين يديه، وأجلس أصحابي خلفي، ثم دعا بترجمانه، فقال: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه. قال أبو سفيان: وأيم الله، لولا أن يؤثروا علي الكذب، لكذبت -يعني حال كونه بالجاهلية وبغضه للنبي عليه الصلاة والسلام-. ثم قال لترجمانه: سله: كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب. قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قال: قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: قلت: لا. قال: أيتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم. قال: يزيدون أو ينقصون؟ قال: قلت: لا، بل يزيدون. قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قال: قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالًا، يصيب منا ونصيب منه. قال: فهل يغدر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه في هذه المدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: والله، ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه -يعني يطعن في النبي عليه الصلاة والسلام ودينه حال كونه في الكفر-. قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قال: قلت: لا. ثم قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فيكم، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها. وسألتك: هل كان في آبائه ملك؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك، قلت: رجل يطلب ملك آبائه. وسألتك عن أتباعه: أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فزعمت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله. وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ ومعنى سخطة له: يعني كراهية، ورجوع عن ما كان عليه، وفيه إشارة أنه قد يرجع أحد بالعنف أو بالشدة والاضطهاد. قال: فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب، وما كان بالشدة والضرورة، فالإسلام يرخص فيه، وهو كذلك في عرف هذا الكافر. قال: وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وعلم ذلك مما عنده من علم أهل الكتاب. قال: وسألتك: هل قاتلتموه؟ وزعمت أنكم قاتلتموه، فتكون الحرب بينكم وبينه سجالًا، ينال منكم وتنالون منه، وهذا كان بعد أحد، فإن المدة التي أرادها صلح الحديبية. قال: وكذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة. وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أن لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك: هل قال أحد هذا القول قبله؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله، قلت: رجل يئتم بقول قيل قبله. قال: ثم قال: بم يأمركم؟ قال: قلت: يأمرون بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف. قال: إيكم ما تقول فيه حقًا، فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه، لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده، لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدميه. قال: ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. قال: فلما فرغ من قراءة الكتاب، ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط، وأمر بنا فأخرجنا. قال: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر. قال: فما زلت موقنًا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيظهر، حتى أدخل الله علي الإسلام. قال: أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾. أورد المؤلف رحمه الله هذه الأبواب وما فيها من أحاديث في سياق ذكره لأحكام الجهاد، وعلى قاعدته يبوّب بما بوّب على صحيح مسلم، ويذكر الأحاديث بألفاظ البخاري فيما اتفق عليه الشيخان. الحديث الأول أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا يونس عن ابن شهاب عن أنس، فذكره بلفظه. والحديث الثاني أخرجه كذلك البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا ابن أبي الأسود، قال: حدثنا معتمر، قال: سمعت أبي يحدث أن أنسًا قال: فذكر الحديث بلفظه. والحديث الثالث أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة عن حميد بن هلال عن عبد الله بن مغفل، فذكره بلفظه. وهكذا الحديث الثالث أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثني إبراهيم بن موسى عن هشام عن معمر، وحدثني عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: حدثني ابن عباس، فذكر الحديث بلفظه. وفي الحديث الأول من المسائل: أولًا ما يوافق باب الترجمة والباب، ففيه رد المهاجرين إلى أنصارهم منعيحهم من الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح، وهذا يدل على هذا الحكم في هذه المسألة. وهل هو على الوجوب أو على الاستحباب؟ ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بإعادتها، فيكون ذلك من باب المكافأة بالإحسان، ومن باب رد الحقوق إلى أهلها. وتناول الوجوب أولًا برد الحق إلى صاحبه، وكذلك بتأديب المسلمين بهذا الأدب، مجازات المحسن بما هو أكثر من إحسانه، فهم شاطروهم في الأموال بهذا العمل الذي عملوه. فلما أغناهم الله، ظاهر هذه الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله أمر المسلمين برد الأموال لأهاليها. ويدل هذا على هذا الحكم الشرعي مما قد يسمى بالألفاظ المعاصرة أصول الاقتصاد الإسلامي الذي يقوم على التعاون مع عدم جحد الحقوق، تعاون في الاشتراك في الأموال مع عدم جحد الحقوق. وليست كما يقول بعض من لم يعرف الإسلام: اشتراكية إسلامية، فليس في الإسلام اشتراكية، بل هؤلاء هم يأخذون الحق من الإسلام، ثم يزيدون فيه من الباطل الشيء الكثير. إن كان عندهم شيء من الحق، وإلا فليس عندهم حق، ما كان من حق قد حرفوه بالباطل الكثير الذي معهم. فأهل الإسلام ينبغي أن يعتزوا بما عندهم من دين، ففيه ما يصلح الله به الدين والدنيا. وفيه من المسائل كذلك تأديب المسلم نفسه وغيره على هذا الخلق، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علم الجميع تعليمًا جماعيًّا قولًا وعمليًّا أن يطبق ذلك. فكذلك يستحب ويشرع عند الأمرين أن يعلم المسلمون ذلك من ولي الأمر أو من ينوبه أو حتى من ينصح المسلمين ويرشدهم. إذا تفلتت أمور الولاية -يعني عند الشدائد- يحث الناس على التعاون والمشاطرة في الأموال، لكن ليس على وجه التمليك، وإنما كما في هذا الحديث: أحدهم يعمل ويأخذ نصف الأجرة. فإذا فتح الله على هؤلاء، ردوا الحقوق إلى أهلها، فيحث خطيب المسجد إذا احتاج الأمر في وقت الشدائد إلى مثل هذه الأعمال الصالحة التي يحث عليها الإسلام. بل الإسلام يحث على ما هو أعظم من هذا، كما أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الأشعريين، فإنهم كان من تعاونهم وعظيم أخوتهم أنهم يجمعون جميع ما عندهم، فيقسمونه بينهم. وإذا أصاب دار أحد شيئًا، واسوه من جميع البيوت، وهكذا ينبغي أن يكون أهل الإسلام. وفيه من المسائل كذلك إعانة من قد يحصل في نفسه وفي فعله شيء، بما يكون له عونًا في التقدم في الخير والبدل. وفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أم أيمن يدل على ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها وضاعف لها العطاء لترد الحديقة لأصحابها. فمع أنها شيء يسير، قيل: نخلة، وقيل: نخلات يسيرة -يعني لا يزيد على عشر نخلات- من نخلة إلى ما أقل من عشر، فأعطاها النبي صلى الله عليه وسلم وضاعف لها العطاء. وفيه دليل كذلك على جواز الرجوع في العطية إذا كانت العطية على غير نية التمليك والهبة، فلا يدخل ذلك في نهيه عليه الصلاة والسلام عن العائد في هبته: كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه. ولهذا ذكر العلماء في كتب القواعد الفقهية قاعدة: أن العطاء بنية المعطي، فإن أعطى بنية الرجوع جاز له الرجوع، وإن أعطى بنية الهبة لم يجز له الرجوع على الصحيح. فهذا الحديث يفسر أن عطاء النبي صلى الله عليه وسلم لأم أيمن كان على هذا المعنى. ومثله ما يقع من خصومات كثيرة فيما هو بمعنى هذا، فإذا اختلفوا، فالأصل القول قول المعطي، ليس قول الآخذ؛ لأنه هو المالك الحقيقي. فلو اختلف الرجل والمرأة في بعض أغراض البيت، حصل شيء بينهما، فتفرقا، فقال الرجل: أنا وضعت هذه الأغراض للبيت، ليس تمليكًا لك، حتى تأخذ كل شيء -هذا إذا لم يكن هناك عرف صدق وأخذ بقوله-. فإن كان هناك عرف، فكما قيل: والعرف معمول به إذا ورد نص من الشرع الشريف لم يحد، فالعرف إذا لم يخالف الشرع فهو أصل يرجع إليه، أشار إلى ذلك دليل الكتاب والسنة. فإذا كان هناك عرف، فبما في العرف، فإن كان العرف يقضي أن أغراض البيت تمتلكها المرأة، وأنه مما يجب على الزوج في نكاحه لمرأته، فإذا يتمتلك ذلك. وإن كان ليس هناك عرف، فبما كان ينويه، وفيه من المسائل كذلك ما يستحب من حث المسلمين إذا وسع الله عز وجل عليهم أن يوسعوا على غيرهم. فهذه الأحاديث تدل على هذا المعنى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وسع أولًا أمر المهاجرين أن يردوا في أيديهم من أموال. ثم كذلك هو عليه الصلاة والسلام أرضى هذه المرأة -أم أيمن- حتى ترد ما في يدها، وزادها في العطاء، حتى جاء في رواية مسلم أنه كان يزيدها، فتقول: والله لا أتركه، فتقول: أتركيه ولك كذا، أتركيه ولك كذا، حتى أعطاها عشرة أضعاف ما في يدها. وفيه دليل كذلك على أن صاحب الحق أولى بحقه، ولو كان عنده ما يعوضه بأضعافه، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ينتقل إلى أصحاب الحق، وقال لهم: ما رأيكم يعطيكم ضعفين؟ الأولى أن ترد له حقه، ترد له حقه، ولو كان قليلًا؛ لأنه قد يعتز به أفضل من ذاك الكثير، أو تتعلق به حقوق أعظم من ذاك الكثير الذي أنت تعطيه إياه. وفي الباب الذي بعده حديث عبد الله بن المغفل، فيه جواز أخذ الشيء اليسير الذي لا تتشوفه النفوس من الغنائم، وأنه لا ينافي الغلول الذي جاء النهي عنه في الكتاب والسنة. لا ينافي الغلول الذي جاء النهي عنه في الكتاب وفي السنة، وهذا الحديث وأمثاله توجه به الأدلة التي ظن بعض أهل العلم أنها فيها شيء من التعارض، أو أن بعضها يؤخذ على بعض. والصواب في هذا التفصيل، فيقال: ما تستشرفه النفوس وما له قيمة، فما يحفظ ولا يتلف لا يجوز أخذه، ولو كان يسيرًا، ولو كانت شملة. فالرجل الذي يحترق قبره عليه -كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام- على شملة، وفي رواية أخرى: رجل احترق أو يحترق عليه قبره في نعل غله من الغنيمة. وبينما جاءت أحاديث في أخذ العنب، وكذلك هنا الشحم، ونحوه من الأحاديث الأخرى، قال العلماء: التفصيل الذي توجه به هذه الأحاديث: أن ما كان مظنة الخراب والفساد -كالفاكهة- ويسير الطعام، وكذلك ما هو مما لا تستشرفه النفس -كمثل هذا الشحم اليسير- فهذا يعفى عنه. ومع ذلك من حسن خلق الصحابة رضي الله عنهم، استحيا عبد الله بن مغفل حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم قد رآه قد أخذه. وفي هذا دليل أنه ليس كل ما يستحيى منه حرام، فيه دليل أنه ليس كل ما يستحيى منه حرام، فقد يكون الذي يستحيى منه ينافي الكمال، ولكنه ليس بحرام. فمثلًا قد يتحرى بعض الناس أن يأخذ بعض ما ترك مما يجوز أخذه، لكن يستحيي الناس أخذه أمام الناس. فمثلًا بعض الناس قد يرمي بعض الأشياء التي ينتفع بها، فيستحي الإنسان أن يأخذها أمام الناس، فهل هذا يعني أنه حرام؟ الجواب: لا. فليس كل ما يستحيى منه معناه أنه حرام، وهذا الحديث دليل عليه، لكن فيه دليل أنه لو استطاع أن يتركه فهو أفضل؛ لأن الحياء كله خير، والحياء يعين الإنسان على الكمال، يعين الإنسان على الكمال، ولهذا كان كله خير. وفيه من المسائل كذلك جواز أخذ ما كان كذلك وما كان بمعناه من غير إذن الإمام، بل نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الغنيمة إذا لم تقسم، وكان قسمتها من قبل الجيش والإمام -إما أن يكون أذن الإذن اللفظي أو الإقرار- جاز لمن كان معهم أن يأخذ، ولو لم يسمع هذا الإذن. ويدخل تحت هذا تفاصيل كثيرة، المهم الأصل لابد من إذن الإمام، لكن ما دل الشرع أن مثله يؤذن فيه، فإنه يكون إذنًا. وفيه كذلك من المسائل أن هذه الأشياء وما كان بمعناها لا تدخل في الغنيمة، ولهذا بوّم البخاري كتاب فرض الخمس، باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب -أو ما يصاب من الطعام في أرض الحرب- يعني ما يوجد ويأخذه بعض المقاتلين، فهو ليس من الخمس. وفي الباب الذي بعده، في قوله: باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيه دليل على دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الكفار إلى هذا الدين، دعوته عليه الصلاة والسلام الكفار إلى هذا الدين. وفيه أن هذا الدين يبدأ بالدعوة بالحجة والبرهان، بالحجة والبرهان، وهذا معناه جاء في أحاديث في صحيح مسلم من حديث بريدة رضي الله عنه في الحديث الطويل: أنه كان عليه الصلاة والسلام إذا أمر أميرًا أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين. ثم قال لهم: اغدوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ثم يأمرهم بأن يدعوا الكفار إلى إحدى ثلاث. وهنا في حديثه لم يدعوه النبي صلى الله عليه وسلم إلى إحدى ثلاث، قال بعض أهل العلم: هذا من باب التدرج مع أمثال هؤلاء، فيبدأ بالأخف ثم الأشد. وقال بعض أهل العلم: لأنه لم يؤذن لهم بقتال هؤلاء. وقال بعض أهل العلم: بل قال ذلك ولم يذكر القتال؛ حتى لا يبدأه العدو بالقتال، وهو ليس مستعدًا للقتال. وقالوا أشياء كثيرة، وفي الحقيقة كلها ممكن أن تجتمع؛ إذ أن اجتماع هذه الأقوال لا مانع منها. فالنبي صلى الله عليه وسلم قد يكون لحكمة ابتدأ بهذا، وفيه كذلك جواز الابتداء بالدعوة القولية عند رجاء المصلحة من دون ذكر الخصال الأخرى. فعدم ذكر الخصال الأخرى لا يعني ذلك تقصيرًا في هذا الواجب، بل هذا هو الأصل: الدعوة إلى هذا الدين، فإنهم أبوا، وكان هناك الإمكان، فإنهم يقال لهم: قد أمرنا ربنا جل وعلا أن نقاتلكم حتى تكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. وفي حديث بريدة وما كان بمعناه رد قول من قال: أن الإسلام يأمر بجهاد الدفع فقط، ولا يأمر بجهاد الطلب، وهذا خطأ، وهذا باطل، دلة الأدلة من الكتاب والسنة على خلافه. بل الإسلام جاء بالأمرين جميعًا، ولكن بالضوابط، وكذلك الثوابت الشرعية المعروفة. وفي حديث أبي سفيان الذي يرويه ابن عباس عنه الطويل أمور عظيمة ومسائل كثيرة جدًّا، لكن من أهمها على وجه الاختصار: فيه من المسائل فيما يتعلق بهذا الباب أولًا: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم من الكفار. ومسألة ذكره في هذا الباب: أنه يجوز أن يدعى الكفار من دون أن تعرض لهم الخصال الأخرى -يعني خلافًا لما جاء في الأحاديث الأخرى-. ومعناه أنه لا يشترط أن يعرض المقاتلون كل الخصال الثلاث دفعًا واحدة، بل يجوز أن يقدموا الدعوة بالحجج والبرهان؛ لأنه قد يكفي أمرها فيهدي الله عز وجل بها الناس. وكما نرى في هذا الحديث: كاد هرقل أن يسلم، وفي روايات أخرى: أنه أراد أن يجرب قومه، فأمر بإغلاق الأبواب، ثم دعاهم إلى الإسلام، وأنه الخير لهم. فلما سمعوا ما قال، خاروا وتوجهوا إلى الأبواب، فوجدوها مغلقة، فردهم، ولما رأى الأمر كذلك -كما قيل- آثر الملك، وخشي على نفسه من أن يؤثر الدخول في الدين. فقال: إنما كنت أمتحنكم، وأنظر ثباتكم على دينكم، مع أن ظاهر هذا الحديث يدل أنه عرف الحق، وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًّا. وهكذا كل من عرف علم أهل الكتاب عن قرب، علم ذلك، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يعني ما يخفى عليهم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًّا الذي أخبرهم الله به في نصوص الكتب التي بين أيديهم، وجاءت بها أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام. ولكن الكبر والحسد وحب الدنيا وغير ذلك هو المانع من أمر دخوله في الإسلام، وتخلفهم عنه. وفيه من المسائل كذلك الخصال العظيمة الحميدة التي كان متصفًا بها عليه الصلاة والسلام، وهي من دلائل نبوته وعلامات صدق رسالته، كما في هذا الحديث. فإن هرقل استدل بها أن هذه صفات نبي، أن مثل هذا لا يدل إلا أن المذكور نبي، وهذا من مواضع ودلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وفيه من المسائل كذلك فضل هذه الأخلاق وهذه الصفات العظيمة التي كانت من عظيم صفات نبينا عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك أن هذا مما يعتنى به في أول دعوة المسلم، فأنت حين تدعو إلى الله تدعو بمثل هذه الخصال التي يتفق عليها الجميع، يتفق عليها الجميع، ومن ذلك التوحيد. فالتوحيد مفتتح دعوة الرسل، ليس نبدأ بالأخلاق ونترك التوحيد، ولا كذلك تأمر بالتوحيد مع قلة الأدب، لا التوحيد ملازم للأخلاق، بل هو يأمر بذلك؛ لأنه من التوحيد في الحقيقة. فلا إفراط ولا تفريط، فإن من الناس من ظن أن هذا -أي الاعتناء بحسن الخلق ولين الجانب- معناه التنازل عن ثوابت الدين. مثل جماعة التبليغ: تنازلوا عن ثوابت الدين، فتركوا الدعوة إلى التوحيد، وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكما يقولون: لا نتعرض لأمراض الأمة. لماذا؟ قالوا: لأنها تفرق، إذن تجمع الناس على أي شيء؟ تجمعهم على ماذا؟ وتدعوهم إلى ماذا؟ إذا كنت لا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر ولا تبين دين الله، فهذا خطأ. وكذلك الدعوة إلى التوحيد لا تعني الغضاضة والجفاء والغلظة التي قد تصدر من بعض المخطئين الذين لم يفهموا حقيقة دعوة أهل التوحيد. فيصدر منهم من الأقوال والأفعال ما ينافي ما يجب أن يكون عليه حملة الدعوة إلى التوحيد. فليست الدعوة إلى التوحيد تعني سوء الخلق ولا الجفاء، وكذلك الخصومات، ولكن معناه القيام بدعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام جملة وتفصيلًا. ومن ذلك مع الاعتناء بالتوحيد الاعتناء بحسن الخلق، الاعتناء بالرفق والحكمة واللين، لين الجانب، وغير ذلك من الخصال والصفات الحميدة. وفيه من المسائل كذلك جواز إرسال بعض القرآن في الكتاب للكفار، فهو لا ينافي نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن حمل الكتاب إلى بلاد الكفر. فإن كان هناك مفسدة قد تترتب على ذلك فهي يسيرة أمام مفسدة بقاء الشرك والكفر. وفيه الدليل كذلك على أن حجج أهل الحق: الكتاب والسنة، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم بماذا؟ بالقرآن، ليس بالعقل، دعاهم بالقرآن. فكذلك نحن من باب أولى ندعو الناس بالقرآن، انظروا إلى النجاشي لما سمع سورة مريم بكى، رضي الله عنه، أرضاه، ودخل في دين الإسلام، ودخل في دين الإسلام. فالقرآن آية ومعجزة وحجة في نفسه، فإذا بلغ الناس وعرفوا ما فيه آمنوا به، آمنوا به. أخبرني أحد الإخوة كان نصرانيًّا، ففي مجلس سألته: كيف أسلمت؟ ما سبب إسلامك؟ قال: قراءة أول سورة آل عمران، قراءة أول سورة آل عمران. لم يذكر له أحد الإسلام، ولا دعا أحد إلى الإسلام، لكنه قرأ في كتب النصارى الكثير، فسمع عن دين الإسلام. فلما كان يقرأ أخذ التفسير، قال: ما هو أعظم كتاب عند المسلمين؟ قالوا له: القرآن، أخذ القرآن وتفسير القرآن بلغته، فجلس يقلب فيه. فلما وقف على سورة آل عمران، وقرأ فيه من آيات، قال: كأنه يشرح حالي، وما أنا فيه من شك وريب في عقيدة النصارى. فكان ذلك سببًا في دخوله في دين الإسلام، فالعلم قال الله، قال رسوله صلى الله عليه وسلم. وفيه من المسائل كذلك جواز ابتداء السلام لأهل الكتاب إذا لم يكن بطريق السلام، وإذا كان مقيدًا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سلام على من اتبع الهدى». فرق بين أن تقول: «سلام على من اتبع الهدى»، وبين أن تقول: «السلام عليكم»، فالسلام عليكم مطلق، وسلام على من اتبع هدى يعني لمن يستحق هذا السلام. وفيه كذلك الحكمة في الكتابة إلى أمثال هؤلاء الملوك والعظماء، فانظر ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم». فلا ينافي بغض الكافر، وضع بعض الألقاب له، ومنه ما جرى به العرف؛ لأن عظيم الروم هذا لقب جرى به عرف هؤلاء. وهنا يأتي سؤال يشكل على بعض الناس: هل يجوز أن تقول -وأنت تكتب الرسالة للكافر- مثلًا باللغة الإنجليزية: سير -هكذا يا إخوان- سير معنا سيد سير، سير نعم، أنا لساني عربية، فهي بالعجمية أعجمية. فالشاهد هي بمعناها إذا ترجمناها بالعربية: السيد، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهي عن تسييد الكافر، أن نهي عن تسييد الكافر. فهل حين تكتب فهذا في عرف الكفار إذا رسلت إلى إنسان من احترامه تقول: السيد فلان، إلى السيد فلان، فهل هذا ينافي ما جاء في الأحاديث الصحيحة؟ لا ينافي؛ لأن هذه الكلمة ليس معناها كمعناها أولًا عند العرب، فهي من الألقاب التي يقصد بها الاحترام. وهنا قال النبي عليه الصلاة والسلام لقيصر: «إلى هرقل عظيم الروم»، وهو كذلك هو عظيم الروم، وهذا الكافر كذلك هو في مكانه وفي وظيفته وبين أهله له منصبه الخاص. ولكن نحن عندنا لا نعطيه ما يعظمه، لا نعطيه ما يعظمه، فإذا لا بأس بذلك على هذا الوصف وهذا القيد. وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه العرب -فضلًا عما يجب أن يكون عليه المسلم- من تخلقهم بالأخلاق الطيبة التي ينبغي أن يحرص عليها في هذا الزمان، وخصوصًا أن بفضل الله قد من الله عز وجل علينا بالإسلام وأخلاق الإسلام. فهذا الرجل هو كافر، ما تجرأ أن يكذب، وعرف أن الكذب عندهم خاف أن يعيب عليه الكفار الكذب، وهو كافر، وكما يقال: ليس بعد الكفر ذنب. ومع ذلك يعني ما تجرأ على هذا، فكيف بمسلم يكذب؟ فيدل ذلك على قبح الكذب وعظيم كذلك شره إذا كان هذا في الجاهلية، فكيف بالإسلام؟ وفيه من المسائل كذلك حال الكفار من عدم الإنصاف، وكذلك حال كل خصم إلا من رحم الله، فالغالب على أمثال هؤلاء عدم الإنصاف. فانظروا كيف طعن رضي الله عنه أرضاه في حال كفره، فأراد أن يلغز ويلمز في قوله: «ونحن منه في مدة»، وهكذا في قوله: «لقد أمر أمر ابن أبي كبشة». والمراد به النبي عليه الصلاة والسلام، اختلف أهل العلم: لماذا كان المشركون ينسبون النبي صلى الله عليه وسلم بهذا النسب؟ قال بعضهم: أرادوا أن يتنقصوه فينسبوه إلى غير أهله ونسبه الشريف، وابن أبي كبشة قيل: أنه جده من جهة أمه. وقيل: هو وهب والد آمنة أمه عليه الصلاة والسلام، فإنه كان لقب له وكنية له، فأرادوا أن يتنقصوه بالتحفظ والبخل عليه بنسبه الشريف إلى غيره مما هو أنقص مما فيه. وإن كان كله من أنساب العرب المعروفة، وقيل غير ذلك: أقوال كثيرة. ومن هذه الأقوال -وهو مناسب ذكرها هنا- قيل: أنه لأجل أن أبا كبشة -سواء كان وهب والد آمنة أو غيره من خزاعة- كان قد عبد نجم الشعراء. فهو كما قيل: انفرد عن العرب بعبادة هذا النجم، فكأنهم رأوا -كما شد جده في هذه العبادة- فإن نبينا عليه الصلاة والسلام شد بالإتيان بهذا الدين الجديد -كما يزعمون-. وفيه كذلك عادة الكفار في رمي من خالفهم بالحداثة، وكذلك الخروج عن الصواب الذي ميزانه في عرفهم هو القديم، وكذلك العوائد. وفي