الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 37، تابع الحديث المدلس . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تدليس الشيوخ هو أن يسمي الراوي شيخه بغير اسمه المعروف، وقد يحدث لسبب مثل ضعف الشيخ أو صغر سنه. هذا الفعل يهدف إلى إخفاء هوية الشيخ الحقيقي.
يتناول المقطع أسباب وطرق تدليس الشيوخ، ويبين أهمية تواضع حامل الحديث ونسب الفائدة إلى صاحبها، مع ذكر أمثلة على تدليس الشيوخ.
يختلف حكم تدليس الشيوخ بحسب الغرض، فهو محرم إذا كان لستر ضعف الشيخ، ومكروه إذا كان لصغر سنه، مع تبرير صنيع الإمام البخاري في تعمية شيخه.
يختتم الشيخ الدرس ويعد بالتطرق لبقية التعليق في درس قادم، مشيرًا إلى أن الله تعالى أعلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: قال والنوع الثاني من نوع التدليس تدليس الشيوخ، وهو أن يسمي شيخه الذي سمع منه بغير اسمه المعروف، أو بصفة بما لم يشتهر به من كنية أو لقب أو نسبة إلى بلد أو قبيلة؛ لأجل أن تصعب على غيره الطريق، يعني حتى لا يعرف هذا الشيخ. والغالب يكون هذا الفعل لمعنى من المعاني السابقة الذكر، إما لضعف الشيخ، وإما لكونه تلميذا أو قرينا أو صغيرا، أو بينه وبينه شيء، أو غير ذلك من المعاني الأخرى. قال: وإلى هذا أشار بقوله: «والثاني بحذف الياء لضرورة»، يعني ضرورة الشعر. «والثاني لا يسقطه، لكن يصف أوصافه بما به لا ينعرف». قال: هو أنه لا يسقطه، أي لا يسقطه عندي، لا يسقط شيخه الذي حدثه، لا صوابه. لا يسقط شيخه الذي حدثه بحذف الهاء؛ لأن فيه تكرار، لو قال: لا يسقطه شيخه، فيه تكرار. أما في البيت: «والثاني لا يسقطه، لكن يصف ألهاء»، يعود للشيخ صحيح. أما في الشرح، فلا يصلح أن يكرر ألهاء ثم يذكر الشيخ. قال: أي لا يسقط شيخه الذي حدثه بالحديث، بل يذكره. مثلا لو روى زيد عن عمر، وعمر شيخ لزيد، ولكن زيد لا يريد أن يعرف من يروي عنه، أنه يروي هذا الحديث عن عمر، إما لضعف عمر، وإما لأنه أصغر منه سنا، وإما لأنه بينه وبينه عداوة، أو لغير ذلك، فإنه يقول مثلا: بدلا من أن يقول عمر، يقول: عن أبي صالح، ولا يعرف من أبو صالح. فهنا وصفه بما لا ينعرف به. وهذا قد يقع كما قلنا بحسن نية وسوء نية، وقد يقع بمعنى حسن أو معنى مذموم. فمن المعنى المذموم أن يكون فيه التعمية عند الضعف، أو يكون فيه الاستنكاف في ذكر الصغير أو القرين؛ لأن هذا منافي لخلق حامل الحديث. حامل الحديث ينبغي أن يوطن نفسه على التواضع، وكما قيل: لا ينبل الرجل حتى يأخذ العلم عن من فوقه، وعن من مثله، وعن من دونه. لا يستنكف الإنسان الفائدة إذا جاءتك من الكبير أو الصغير أو المساوي، فلا تستنكف أن تنسبها إلى صاحبها، بل هذا يزيد في فضلك ورفعتك. وقد يكون لأجل قبول العلم، إذا كان هذا المروي عنه ثقة، أو كان سيسبب مثلا مفسدة أو فتنة، كرواية بعض أهل الحديث عن بعض لمثل هذا المعنى. مثل رواية البخاري عن الذهلي، البخاري روى عن الإمام الذهلي، ولكنه لم يصرح بإسمه في مواضع كثيرة في صحيح البخاري، فهذا سماه بعضها للعلم أنه كذلك من تدليس الشيوخ. قال رحمه الله تعالى: وسيأتي إن شاء الله في الشرح، في التعليق على الشرح زيادة تفصيل في ذلك. قال رحمه الله تعالى: «وَلَكِنْ يَصِفُ أَوْصَافَهُ»، أي يذكر أوصاف الشيخ بما، أي بالشيء الذي، فما هنا موصولة، أي بذلك الشيء لا ينعرف. قال: أي ولا يشتهر به الشيخ، مثل أن ينسبه كما سبق إلى قبيلة أو إلى كنية أو إلى بلد أو لقب لا يعرف به، بل حتى قد إلى اسم، لكنه اسم مبهم. مثل قول البخاري رحمه الله في بعض المواضع: «حدثنا محمد»، ولا يعرف من محمد؛ لأنه روى عن كثير محمد. قال: مثاله قول أبي بكر بن مجاهد: «حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله»، يريد به عبد الله بن أبي داوود السجستاني. والسبب في ذلك كما قال بعض أهل العلم: أنه خشي أن يشنع عليه في الرواية عن ابن أبي داوود؛ لما وقع لابن أبي داوود من محنة، والصحيح أنه من أئمة الحديث ومن أهل الفضل، أي ابن أبي داوود. قال: «والثاني لم يسقطه، لكن يصف أوصافه بما به». قال: ولو قال الناظم: «والثاني لم يسقطه، لكن يصف أوصافه بما به لا يعرف»، لكان صوابا؛ فإنه لا ينعرف. لا يعرف لغة، لكن لو قال هذا لما استقام البيت؛ لحصل انكسار في البيت، فلضرورة الشعر. قال رحمه الله: «لكن يصف أوصافه بما به لا ينعرف». قال: وحكم تدليس الشيوخ يختلف بحسب الغرض الحامل عليه. فإن كان لضعف الشيخ المروي عنه، فيدلسه حتى لا تظهر روايته عن الضعفاء، فالحرمة؛ لتضمنه الغش والخيانة، ولا يقبل خبره. وإن كان لصغر سنه عن المدلس، حتى شاركه في الأخذ عنه من هو دونه، فالكراهة، ولا يقبل؛ لأنه رواية مجهول، إلا إذا عرف من روى عنه، يعني إذا عرف من هذا الشيخ، فإذا لم يعرف فلا يقبل؛ لأجل الجهالة. وبقي قسم ثالث، وهو إذا كان في هذا مصلحة لدرء مفسدة، ويعلم أنه يعرف بقراء، فلم يحصل بمعرفة هذا الراوي بالقراء المفسدة من الجهالة والإخفاء، وتمت الرواية، وبقي العلم بهذه التعمية. وعلى هذا يحمل صنيع الإمام البخاري رحمه الله مع إمامته وجلالته، أنه لم يقصد بتعمية شيخه الذهلي هو الاستنكاف في الرواية عنه، ولكنه أراد أن يدرأ عن نفسه مفسدة الإنكار والتشنيع، وفي نفس الوقت كره أن يكتم شيئا من العلم نقله عن شيخه، فجمع بين المصلحتين: بين مصلحة نقل العلم وبقائه وحفظه، وبين المصلحة الأخرى وهي درء المفسدة التي قد تلحقه بالتشنيع عليه، إذ روى عن هذا الشيخ، وربما الشيخ نفسه يشنع عليه، ففعل هذا الصنيع، والله أعلم. طيب، نكتفي بهذا القدر، ونترك إن شاء الله ما بقي من التعليق في درس لاحق، والله تعالى أعلم.