شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 50

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 50

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 50، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

الخلاف في مشروعية القراءة الجماعية بصوت واحد

يناقش المقطع خلاف العلماء حول الاجتماع على تلاوة القرآن بصوت جماعي موحد، مستعرضاً إنكار مالك والضحاك لهذا النمط. وتدل الأدلة على مشروعية الاجتماع للتعلم والتعليم بالتناوب أو العرض على المعلم، بينما تبقى القراءة الجماعية بصوت واحد محل النزاع.

أحكام الاجتماع للتلاوة والجهر بالقراءة

يبيّن المقطع أن قراءة الجماعة بصوت واحد ليست من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إلا للتعليم، بينما المداورة بالقراءة جائزة ومستحبة. ويناقش خلاف العلماء في الجهر مقابل الإسرار، مرجحاً أن الجهر أفضل لمن أمن الرياء لفوائده المتعدية.

فضل الجهر بالقراءة وشروطه وأدلته

يوضح المقطع أن الجهر بالقراءة أفضل من الإسرار بشرط أمن الرياء وعدم إيذاء الآخرين، مستعرضاً فوائده كجمع الهمة وطرد النوم. ويستدل بأحاديث صحيحة وحسنة تدل على مشروعية الجهر وتحسين الصوت بالقرآن.

رواية علي في الجهر بالقراءة وضعف سندها

ذكر الراوي حديثاً عن علي رضي الله عنه يثني فيه على قراء القرآن في المسجد، واستدل به على مشروعية الجهر بالقراءة لكن سنده ضعيف. وأشار إلى وجود أحاديث أخرى في الباب سيتم استكمالها لاحقاً.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله: قالوا عن حسان بن عطية والأوزاعي أنهما قالا: أول من أحدث الدراسة في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل في ولايته على عبد الملك. وفي تحقيق يرد عليه قالوا: أما ما روى ابن أبي داود عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب أنه أنكر هذه الدراسة وقال: ما رأيت ولا سمعت، وقد أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني: ما رأيت أحداً يفعل ذلك. قال: وهو صحيح أيضاً. قالوا عن ابن وهب قال: قلت لمالك: أرأيت القوم يجتمعون فيقرؤون جميعاً سورة واحدة حتى يختموها؟ فأنكر ذلك وعابه وقال: ليس هكذا كان يصنع الناس، إنما كان يقرأ الرجل على الآخر يعرضه. فهذا الإنكار منهما -أي من الضحاك ومالك- مخالف لما عليه السلف والخلف، ولما يقتضيه الدليل، فهو متروك، والاعتماد على ما تقدم من استحبابها. لكن القراءة في حال الاجتماع شروط قد بيناها، ينبغي أن يعتنى بها، والله أعلم. قالوا: أما فضيلة من يجمعهم على القراءة ففيها نصوص كثيرة. فقوله صلى الله عليه وسلم: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله». وقوله صلى الله عليه وسلم: «لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حمر النعم». وهذا حديث عظيم. قالوا: الأحاديث في هذا كثيرة. وقد قال الله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾. ولا شك في عظم أجر الساعي في ذلك. فقدم معنا من الأدلة الدالة على مشروعية الاجتماع على تلاوة القرآن وتعلمه وتعليمه. لكن ما هو المراد بالاجتماع الذي تدل عليه هذه الأدلة؟ هذه الأدلة تتناول صوراً: الصورة الأولى -كما سيأتي- أنهم يجتمعون ويقرؤون القرآن بالدور، هذا يعتبر اجتماعاً على تلاوة القرآن. ويشمل ما إذا قرأ أحدهم واستمع الآخر، هذا أيضاً اجتماع على تلاوة القرآن. ويشمل أن يقرأ المعلم ويستمع المتعلم، أو أن يعرض المتعلم القرآن على المعلم والمعلم يسمع ويصحح. فهذه الصور تتناولها الأحاديث المتقدمة. لكن هناك صورة محل خلاف، هناك صورة واحدة وما يشبهها هي محل الخلاف. ما هي هذه الصورة؟ أن يجتمع الجميع ويقرؤون بصوت جماعي. أن يجتمع الجميع ويقرؤون بصوت جماعي، مثلاً: نقرأ «قل هو الله أحد» نحن العشرة كلنا يأخذ أخذا واحداً «قل هو الله أحد»، كلنا نقرأ بصوت واحد مجتمعين. هذا محل الخلاف بين من نسب إليهم الإمام النووي رحمه الله قال إنه قول الجمهور، وبين من أنكر كالإمام مالك ومن معه. والراجح أن هذا كما قال الإمام مالك رحمه الله: لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا من هدي الصحابة أن القوم يجتمعون ويقرؤون بصوت واحد، إلا ما كان على سبيل التعليم والتلقين. كأن يكون المدرس مدرساً للأبناء أو للكبار، فيقرئهم ثم يحب أن يستمع منهم القراءة أو يلقنهم القراءة، يقول: «قل هو الله أحد» وهم يقرؤون «قل هو الله أحد»، مثلاً العشرة من الطلاب. أو يكون قد أقرأهم السورة فيقول: اقرؤوا، يريد أن يمرنهم وأن يعلمهم وأن يشجع بعضهم بعضاً. فهذه الصورة للتعليم لا بأس بها. أما إذا كانت لمجرد التلاوة فهذه ليست من السنة، بل قد تكون إلى البدعة أقرب. فهذا حاصل ما في هذا الأمر. وهنا يقول: «إنما كان يقرأ الرجل على الآخر يعرضه» بكسر الراء من العرض، أي يستعرضه ما قرأه إياه. يعرضه أي يستقرئه ما قرأه إياه. يعني: أنا مثلاً ألقي هذا الطالب ثم أقول له: اقرأ، فهو يقرأ عليّ، فهذا يسمى العرض، يعرض القراءة التي تلقاها من المعلم. قال: فهذا الإنكار... إلى أن قال: لكن القراءة في حال الاجتماع شروط قد بيناها: من اجتناب اللغو، واجتناب الضحك والحديث، وتبديد الذهن، وتبديد النظر، ونحو ذلك. وهذا تقدم قبل ثلاثة دروس. قال رحمه الله: فصل في المداورة بالقراءة. قالوا: هي أن يجتمع جماعة فيقرأ بعضهم عشراً أو جزء عشر، أو جزءاً، أو غير ذلك، ثم يسكت ويقرأ الآخر من حيث انتهى الأول، ثم يقرأ الآخر. وهذا جائز حسن. وقد سئل مالك رحمه الله فقال: لا بأس به. هذه الصورة لا بأس بها، داخلة في عموم الأدلة الدالة على مشروعية الاجتماع. أن تكون هناك حلقة فيقرؤون بالدور: هذا يقرأ، وهذا يقرأ، وهذا يقرأ. نعم. قال: فصل في رفع الصوت بالقراءة. قال: هذا فصل مهم ينبغي أن يعتنى به. قال: اعلم أنه جاءت أحاديث كثيرة في الصحيح وغيره دالة على استحباب رفع الصوت بالقراءة، وجاءت آثار دالة على استحباب الإخفاء وخفض الصوت. وسنذكر منها طرفاً يسيراً إشارة إلى أصلها إن شاء الله تعالى. يعني: هذا في مشروعية رفع الصوت بالقراءة. عندنا رفع، وعندنا إخفاء، أيهم أفضل؟ قال: وحكى الغزالي وغيره من العلماء وفريق: الجمع بين الأخبار والآثار المختلفة في هذا أن الإسرار أبعد من الرياء فهو أفضل في حق من يخاف ذلك. فإن لم يخف الرياء فالجهر ورفع الصوت أفضل، لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى إلى غيره، والنفع المتعدي أفضل من اللازم، ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر فيه، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد في النشاط، ويوقظ غيره من نائم وغافل وينشطه. قالوا: ومهما حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل. فإن اجتمعت هذه النيات تضاعف الأجر. قال الغزالي رحمه الله: لهذا كانت القراءة المجهورة أفضل. فهذا حكم المسألة. يعني الحاصل أنه يقول: أن الجهر أفضل بشرط أن لا يؤذي أحداً، وأنه يأمن على نفسه من الرياء. فإذا أمن على نفسه من الرياء، ولم يؤذ أحداً -لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى: «لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن، فكلكم يناجي ربه»- فالجهر أفضل. لماذا أفضل؟ قال: لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى إلى غيره، ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد في النشاط، ويوقظ غيره. إلى آخر ما قال. لأجل هذه الأمور فالجهر أفضل، بشرط أمن الرياء وعدم الإيذاء. ثم استدل بأحاديث على الجهر. قال: وأما الآثار فكثيرة، ونشير إلى أطراف من بعضها. ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به». رواه البخاري ومسلم. قال: معنى «أذن» السمع، ومشيراً إلى الرضا والقبول. ليس معناه: ما أذن أي ما سمع، كالسماع. ففيه صفة الاستماع، وهي صفة ثابتة لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته، وكذا سائر الصفات: ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. استماع ليس كاستماع المخلوقين. قالوا: عن أبي موسى الأشعري... وهذا تأويل، وهو إشارة للرضا والقبول. هذا تأويل. قال: شهد الحديث يجهر به. قالوا: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود». رواه البخاري ومسلم. في رواية مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة». رواه مسلم أيضاً من رواية مريده بن الحسيف. مريده بن الحسيف. والشاهد أن القراءة كانت بجهرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم استمع إليها. قالوا: عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته». رواه ابن ماجه. قال: سنده ضعيف. تحققات النووي التي مرت فينا معي. طيب، هذا ما بين أيدينا. قال: بريدة بن الحصيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين. قال: فضالة: فضالة بفتح الفاء. «أن الله أشد أذنا» بفتح الهمزة. والأذن: أي استماعاً. قال: القينة: بفتح القاف، المغنية. قالوا: عن أبي موسى رضي الله عنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار». رواه البخاري ومسلم. وهذا يدل على أنهم كانوا يجهرون. قالوا: عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم». رواه أبو داود والنسائي وغيرهما، وهو صحيح. قالوا: روى ابن أبي داود عن علي رضي الله عنه أنه سمع ضجة ناس في المسجد يقرؤون القرآن، فقال: طوبى لهؤلاء، كانوا أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسنده ضعيف. قاله في إثبات الجهر. أحاديث كثيرة، ونواصل إن شاء الله في الغد. إلى هنا والحمد.