شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 48

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 48

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 48، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

آداب ترتيب السور في التلاوة والصلاة

يستحب قراءة السور على ترتيب المصحف في الصلاة وخارجها مع استثناءات في صلاة الجمعة والعيد وسنة الفجر والوتر. اختلف العلماء في حكم مخالفة الترتيب بين الكراهة والجواز بحسب وقوعها في ركعة واحدة أو ركعتين أو في تلاوة متصلة.

حكم ترتيب السور في المصحف: توقيفي أم اجتهادي

الراجح عند الجمهور أن ترتيب السور في المصحف اجتهاد من الصحابة وليس توقيفاً نبوياً، مستدلين بقراءة النبي غير المرتبة واختلاف مصاحف الصحابة. لا يجب مراعاة الترتيب في القراءة والكتابة مع استحباب مصحف عثمان.

توقيفية ترتيب الآيات والكلمات داخل السورة

اتفق العلماء على أن ترتيب الآيات داخل السورة والكلمات داخل الآية توقيفي من الله تعالى ولا يجوز مخالفته. قراءة السورة منكوسة حرام وتبطل الصلاة لإخلالها بنظم القرآن، ودل على ذلك أحاديث النبي وتلقي الصحابة.

تعليم الصبيان القرآن من أواخر المصحف

يجوز تعليم الأطفال سور القرآن بدءاً من أواخر المصحف كسورة الناس والفلق والإخلاص نحو أوله للتيسير على مدى أيام متعددة. لا يعد ذلك من تقديم المؤخر في القراءة المنهي عنه لكونه تعليماً متدرجاً.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، ومشهده لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وشهده أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال: فصل. قال العلماء: الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف، فيقف على الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران ثم ما بعدها على الترتيب، وسواء قرأ في الصلاة أو في غيرها، حتى قال بعض أصحابنا: إذا قرأ في الركعة الأولى سورة «قل أعوذ برب الناس» يقرأ في الثانية بعد الفاتحة من البقرة. قال بعض أصحابنا: ويستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها التي تليها. ودليل هذا أن ترتيب المصحف إنما جعل هكذا لحكمة، فينبغي أن يحافظ عليها إلا ما ورد الشرع باستثنائه، كصلاة الصبح يوم الجمعة، قال: «الجمعة» بضم الميم وإسكانها وفتحها، قاله الفراء والواحدي، يقرأ في الأولى سورة «ألم السجدة» وفي الثانية «هل أتى على الإنسان»، وصلاة العيد في الأولى «ق» وفي الثانية «اقتربت الساعة»، وركعتي سنة الفجر في الأولى «قل يا أيها الكافرون» وفي الثانية «قل هو الله أحد»، وركعات الوتر في الأولى «سبح اسم ربك الأعلى» وفي الثانية «قل يا أيها الكافرون» وفي الثالثة «قل هو الله أحد» والمعوذتين، ولو خالف فمستحب: المعوذتان في الوتر. قال: ولو خالف الموالاة فقرأ سورة لا تلي الأولى، وخالف الترتيب فقرأ سورة ثم قرأ سورة قبلها، جاز؛ فقد جاءت بذلك آثار كثيرة، وقد قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الركعة الأولى من الصبح بالكهف وفي الثانية بيوسف، وهذا صحيح الآثار. وقد كره جماعة مخالفة ترتيب المصحف. اختلف العلماء في حكم الترتيب بين السور، وحكم من خالف هذا الترتيب، فمنهم من قال: هو خلاف الأولى، كما هو مذهب مالك والشافعي وجماعة، ومنهم من قال: هو متروك، كما هو مذهب الحنفية ورواية عن أحمد، ومنهم من جعل هذا الخلاف بالنسبة للصلاة إذا كان في ركعة واحدة، أو خارج الصلاة إذا كان في تلاوة واحدة، أما إذا كان في الصلاة في ركعتين فلا يدخل في هذا كونه مكروهاً أو غير مكروه، يعني يقرأ في الركعة الأولى مثلاً سورة «النازعات» وفي الركعة الثانية يقرأ «الليل إذا يغشى». قالوا: هذه المسألة إذا كانت التلاوة متصلة خارج الصلاة، أو كان في الصلاة ويقرأ السورتين اللتين هما على خلاف الترتيب. وهذه المسألة مبنية على أمر، وهو: هل الترتيب بين السور توقيفي، بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي رتب هذه السور على الترتيب الموجود في المصحف العثماني من أول السور إلى آخرها، أو أن هذا اجتهاد من الصحابة حينما كتبوا المصحف رتبوا السور على هذا الترتيب؟ فيه قولان لأهل العلم. الراجح هو قول الجمهور: أن ترتيب السور كان باجتهاد من الصحابة، ولم يكن توقيفياً من النبي صلى الله عليه وسلم. ودليلهم: حديث حذيفة الذي هو معلوم في مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل فتح القراءة فقرأ البقرة ثم قرأ النساء ثم قرأ آل عمران. وأيضاً استدلوا بأنه عليه الصلاة والسلام كان يقرن بين السور التي من المفصل، ولم يكن هناك مراعاة للترتيب في كثير منها، كان عليه الصلاة والسلام يقرن بين السور التي في المفصل ولم يكن بين كثير من هذه السور ترتيب، لم يراعَ فيها الترتيب. أيضاً الدليل الثالث: أن مصاحف الصحابة لم تكن متفقة على هذا الترتيب الموجود في المصحف العثماني. فهذه أدلة الجمهور على أن الترتيب بين السور لم يكن توقيفياً، أي أنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هذا اجتهاد من الصحابة. وإن كان الذي يفهم من بعض الأدلة أن كان هناك شيء مرتب في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، وهكذا القراء بين يعني سورة الأعلى والغاشية، الجمعة والمنافقين، لكن الأغلب أنه لم يكن توقيفياً. ويترتب على هذا أنه لا يجب الترتيب لا في القراءة ولا في الكتابة، لا في القراءة ولا في الكتابة، ممكن يكتب الإنسان السور يقدم بعضها على بعض، لأن هذا الترتيب لم يكن من جهة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يعني لا بأس في حال التدريس والتحفيظ والتعليم والكتابة، في الصلاة لا يجب مراعاة الترتيب بين السور، لكن الأولى مراعاة المصحف العثماني. قال: وذكر أيضاً بعض الآثار، منها آثار عمر أنه كان يقرأ في الأولى بالكهف وفي الثانية بيوسف، مع أن يوسف مقدم على الكهف. لكن كما تقدم: بعضهم جعل الخلاف في الأولوية أو في الكراهة إذا كان في الصلاة في ركعة واحدة، أو كان في التلاوة في موضع واحد أو في وقت واحد. قالوا: قد كره جماعة مخالفة ترتيب المصحف، روى ابن أبي داود عن الحسن أنه كان يكره أن يقرأ القرآن إلا على تأليفه في المصحف. قبل هذا: تعليق «المعوذتان» بكسر الواو. قال: نعم، هذا الأثر يقول المحقق: وسنده ضعيف. قال: بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قيل له: إن فلاناً يقرأ القرآن منكوساً، فقال: «ذلك منكوس القلب». روى ابن أبي شيبة، وكما في تعليق: سنده صحيح. يعني التنكيس: أنه يبدأ بآخر السورة إلى أولها، من آخر السورة إلى أولها. وأما قراءة السورة منكوسة من آخرها إلى أولها فممنوع منعاً مؤكداً، فإنه يذهب بعض ضروب الإعجاز ويزيل حكمة ترتيب الآيات. وقد روى ابن أبي داود عن إبراهيم النخعي الإمام التابعي الجليل، والإمام مالك بن أنس أنهما كرها ذلك، وأن مالك كان يعيب ويقول: هذا عظيم. قال: وأما هناك أنواع من الترتيب: الترتيب بين السور، وهذا قد تقدم أنه ليس توقيفياً بل باجتهاد من الصحابة. نوع آخر من الترتيب: الترتيب بين الآيات، أو الترتيب بين الكلمات في الآية نفسها. هل هذا توقيفي ويجب مراعاة الترتيب، أم أنه ليس توقيفياً؟ ترتيب آيات السورة، أو ترتيب الكلمات في الآية الواحدة، قول عامة أهل العلم: أن هذا توقيفي، بل نقل غير واحد الإجماع على ذلك، أنه لا يجوز مخالفة هذه الآيات في ترتيبها، أنه مثلاً يأتي إلى بعض الآيات يقدم بعضها على بعض. وهكذا باب أولى: ترتيب الكلمات في الآية نفسها، ترتيب الكلمات في الآية نفسها فهذا توقيفي، وقد نقل غير واحد الإجماع على ذلك، أنه لا يجوز، وتحرم المخالفة، وتبطل به الصلاة، لأنه يختل نظم القرآن، فلا يكون هو الكلام الذي تكلم الله عز وجل به، يؤدي إلى مخالفة النص وفساد المعنى. يعني بعضهم قد يفعل هذا لإظهار التمكن في الحفظ، بعضهم قد يفعل هذا لإظهار التمكن في الحفظ، أنه يبدأ بالآيات من آخر السورة، فهذا حرام، وهذا تلاعب، وهذا إخراج للقرآن عن الهيئة التي كان عليها. قالوا: أما قراءة السورة منكوسة فممنوع منعاً باتاً. هناك أدلة تدل على أن ترتيب الآيات كان توقيفياً، من ذلك حديث: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة الكهف...» من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه. إيش تشاهد من حديث: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» يدل على أن السورة مرتبة، أنه قال: من آخر سورة البقرة. وهكذا: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصمة من الدجال». وهكذا: «أوتيت النورين في آخر...» حديث خواتيم سورة البقرة. وهكذا قول عمر الخطاب: «قد أكثرت على النبي صلى الله عليه وسلم في سؤال عن الكلالة، قال: تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء». وهكذا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للسور، مثلاً قرأ الأعلى، قرأ الغاشية، قرأ الجمعة، قرأ المنافقين، ونحو ذلك، يدل على أنه قرأ هذه السورة بترتيب آياتها. وهكذا فالصحابة إنما تلقوا هذا من النبي صلى الله عليه وسلم. هذا بالنسبة لترتيب الكلمات وترتيب الآيات: هذا توقيفي. قال رحمه الله: وأما تعليم الصبيان من آخر المصحف إلى أوله فحسن، ليس من هذا الباب، فإن ذلك قراءة متفاضلة في أيام متعددة، مع ما فيه من تسهيل الحفظ عليهم. يقول: هذا لا بأس أنك تعلم الصبيان من سورة الناس ثم الفلق ثم «قل هو الله أحد» وهكذا، هذا لا يدخل في هذا. وفق الله الجميع. إلى هنا والحمد لله.