الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 9، الدرس التاسع:من( ونبينا صلى الله عليه وسلم لما أسري به من المسجد الحرام ... وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ ابن بريك بتمهيد لشرح معجزة الإسراء والمعراج، ملتمسًا العون من الله، ويشير إلى أن هناك تتمة ستأتي في درس لاحق.
يشرح المقطع معنى الإسراء والمعراج ودلالته على نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، مستندًا إلى أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية وتفسير الآيات القرآنية، ويبين أن الإسراء كان ليرى النبي من آيات الله الكبرى.
يتناول المقطع مناقشة الفروق بين النبوة وبين السحر والكهانة، مثل أن النبوة لا تنال بالاكتساب بينما السحر والكهانة ينالان بالتعلم والاكتساب، وأن آيات الأنبياء لا يمكن لأحد معارضتها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا العبد ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل: من هذه الوادع، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»، قال: فيما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، قال: ونبينا صلى الله عليه وسلم لما أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، إنما أُسري به ليرى من آيات ربه الكبرى، وهذا هو الذي كان من خصائصه أن مسراه كان هذا، كما قال تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾، قال ابن عباس: هي رؤيا عين أُريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به. فهذا الذي كان من خصائصه ومن أعلام نبوته، وأما مجرد قطع تلك المسافة، فهذا يكون لمن تحمله الجن، وقد قال العفريت لسليمان: «أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك»، وحمل العرش من القصر من اليمن إلى الشام أبلغ من ذلك، يعني حمل العرش ونقله أبلغ من الإسراء في المسافة، وظهور ذلك للناس، ولكن كان في الإسراء والمعراج آيات أخرى هي أبلغ من ذلك. ويريد رحمه الله أن يبين أن دلائل نبوة الأنبياء وتلك المعجزات أعظم مما يكون عند الناس، قال: وقال الذي عنده علم من الكتاب: «أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك»، فهذا أبلغ من قطع المسافة التي بين المسجدين في ليلة، ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضل من الذي عنده علم من الكتاب ومن سليمان عليه السلام، فكان الذي خصه الله به أفضل من ذلك، وهو أن أُسري به في ليلة ليريه من آياته. فالخاصة أن الإسراء كان ليريه من آياته الكبرى، كما رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾، وهذه الرؤية هي رؤية جبريل عليه الصلاة والسلام، وليست رؤية الرب جل وعلا، فقد قال عليه الصلاة والسلام لما قيل له: أرأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه»، كما جاء في الصحيح في حديث أبي ذر. وأما ما جاء في حديث ابن عباس أنه رأى ربه، فهي رؤية قلبية منامية، وليست رؤية عيان، لقوله عليه الصلاة والسلام فيما جاء في صحيح مسلم عن رجل من الصحابة غير مسمى: «تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا»، قال: فهذا ما حصل مثله لا لسليمان ولا لغيره، والجن وإن قدروا على حمل بعض الناس في الهواء، فلا يقدرون على إصعاده إلى السماء وإراءته آيات ربه الكبرى. فكان ما آتاه الله محمدًا خارجًا عن قدرة الجن والإنس، وإنما كان الذي صحبه في معراجه جبريل الذي اصطفاه الله لرسالته، والله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس. وكان المقصود من الإسراء أن يريه ما رآه من آياته الكبرى، ثم يخبر به الناس، فلما أخبر به كذب من كذب من المشركين، وصدق به الصديق وأمثاله من المؤمنين، فكان ذلك ابتلاء ومحنة للناس، كما قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾، أي محنة وابتلاء للناس؛ ليتميز المؤمن عن الكافر. وكان فيما أخبرهم به أنه رأى الجنة والنار، وهذا مما يخوفهم به، قال تعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾، والرسول لما أخبرهم بما رآه كذبوه في نفس الإسراء، وأنكروا عليه أن يكون أُسري به إلى المسجد الأقصى، فلما سألوه عن صفته فوصفه لهم، وقد علموا أنه لم يره قبل ذلك، وصدقه من رآه منهم، كان ذلك دليلًا على صدقه في المعراج. فلم يمكنهم مع ذلك تكذيبه فيما لم يروه، وأخبر الله تعالى بالإسراء إلى المسجد الأقصى؛ لأنهم قد علموا صدقه في ذلك بما أخبرهم به من علاماته، فلا يمكنهم تكذيبه في ذلك، يعني وقد كان قد علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذهب إلى المسجد الأقصى قبل ذلك. قال: وذكر أنه رأى من آيات ربه الكبرى، ولم يعين ما رآه، وهو جبريل الذي رآه في صورته التي خلق عليها مرتين؛ لأن رؤية جبريل هي من تمام نبوته، مما يبين أن الذي آتاه بالقرآن ملك لا شيطان، كما قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾، فأين تذهبون؟ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. وقال رحمه الله تعالى في الفرق بين معجزات الأنبياء والخوارق التي تحصل على أيدي السحرة والكهان، قال: الأول: أن النبي صادق فيما يخبر به عن الكتب، لا يكذب قط، ومن خالفهم من السحرة والكهان لا بد أن يكذب، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. قال الثاني: من جهة ما يأمر به هذا ويفعله، ومن جهة ما يأمر به هذا ويفعله، فإن الأنبياء لا يأمرون إلا بالعدل وطلب الآخرة وعبادة الله وحده، وأعمالهم البر والتقوى، ومخالفهم -يعني من السحرة والكهان ومدعي النبوة- يأمرون بالشرك والظلم ويعظمون الدنيا، وفي أعمالهم الإثم والعدوان. قال الثالث: يعني من الفوارق أن السحرة والكهانة ونحوهما أمور متعددة معروفة لأصحابها، ليست خارقة لعاداتهم، وآيات الأنبياء لا تكون إلا لهم ولمن اتبعهم، يعني ليس لها نظير، ولهذا تجد الساحر يوجد من هو أسحر منه، وهكذا الكاهن يوجد من هو أكهن منه، وأما دلائل نبوة الأنبياء فليس لها نظير في أحوال الناس. قال الرابع: أن الكهانة والسحر يناله الإنسان بتعلمه وسعيه واكتسابه، وهذا مجرب عند الناس، يعني تعلم السحر والخوض فيه، قال: بخلاف النبوة، فإنه لا ينالها أحد باكتسابه، وإنما هو محض تفضل من الله عز وجل واجتباء واختصاص. قال الخامس: أن النبوة لو قدر أنها تنال بالكسب، فإنما تنال بالأعمال الصالحة والصدق والعدل والتوحيد، لا يحصل مع الكذب على من دون الله، فضلًا عن أن تحصل مع الكذب على الله، فالطريق الذي تحصل به لو حصلت بالكسب مستلزم للصدق على الله فيما يخبر به. قال السادس: أن ما يأتي به الكهان والسحرة لا يخرج عن كونه مقدورًا للجن والإنس، وهم مأمورون بطاعة الرسل، وآيات الرسل لا يقدر عليها لا جن ولا إنس، بل هي خارقة لعادات كل من أرسل النبي إليه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. قال السابع: أن هذا يمكن أن تعارض بمثلها، وآيات الأنبياء لا يمكن أحد أن يعارضها بمثلها، كما مر معنا. قال الثامن: أن تلك ليست خارقة لعادة بني آدم، بل كل ضرب منها معتاد لطائفة غير الأنبياء، وأما آيات الأنبياء فليست معتادة لغير الصادقين على الله ولمن صدقهم، فهي خصائص خص بها الأنبياء. قال التاسع: أن هذه قد لا يقدر عليها مخلوق، لا الملائكة ولا غيرهم، كإنزال القرآن وتكليم موسى، وتلك تقدر عليها الجن والشياطين، يعني سحر السحرة وكهانة الكهان. قال العاشر: أنه إذا كان من الآيات ما يقدر عليها الملائكة، فإن الملائكة لا تكذب على الله، ولا تقول لبشر: إن الله أرسلك ولم يرسله، وإنما يفعل ذلك الشياطين، والكرامات متعددة في الصالحين منا ومن قبلنا، ليست خارقة لعادة الصالحين، وآيات الأنبياء خارقة لعادات الصالحين، وهذه تنال بدعائهم وعبادتهم، ومعجزات الأنبياء لا تنال بذلك، ولو طلبها الناس حتى يأذن الله فيها، قل: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللهِ﴾، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾. قال الحادي عشر: أن النبي قد تقدمه أنبياء، فهو لا يأمره إلا بجنس ما أمرت به الرسل قبله، فله نظراء يعتبر بهم، يعني دعوته من دعوتهم، ويسير بمثل سيرهم، قال: وكذلك الساحر والكاهن له نظراء يعتبر بهم، فالطيب يلحق بالطيب، والخبيث يلحق بالخبيث، فيتميز النبي من غيره. قال الثاني عشر: أن النبي لا يأمر إلا بصالح العباد في المعاش والمعاد، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيأمر بالتوحيد والإخلاص والصدق، وينهى عن الشرك والكذب والظلم، فالعقول والفطرة توافقه كما توافق الأنبياء قبله، فيصدقه صريح المعقول وصحيح المنقول الخارج عما جاء به، والله أعلم، وضده حال السحرة والكهنة ومدعي النبوة، فإنهم لا يأمرون إلا بضد ذلك تمامًا، وأحوالهم على خلاف ذلك تمامًا، فيكذبهم صريح المعقول وصحيح المنقول والخارج عن ما جاء به. قال رحمه الله: انتهت المقدمة، وقد أكثرت من النقل عن شيخ الإسلام؛ لأنه رحمه الله دحض شبهات المعاندين، فجزاه الله عن الإسلام خيرًا. والآن نشرع في المقصود، ومن الله نستمد الاستعانة والتوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. إلى هنا والباقي إن شاء الله يترك إلى درس لاحق.