كتاب الإمارة  20

كتاب الإمارة 20

الدرس في كتاب الإمارة 20، باب ثبوت الجنة للشهيد , باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل الشهادة في سبيل الله

يتناول شرح حديثين نبويين حول ثبوت الجنة للشهيد وأهمية الإخلاص في القتال لتكون كلمة الله العليا. يُبين فضل الشهادة وأهمية الإخلاص في العمل الصالح.

أحكام الجهاد وقنوت النوازل

يشرح أحكام الجهاد في سبيل الله وأهمية الإخلاص فيه، مع التركيز على أن القتال يكون لتكون كلمة الله هي العليا. كما يتطرق إلى أحكام قنوت النوازل وضوابط الدعاء في الصلاة.

الإخلاص في الجهاد ونتائجه

يؤكد على أهمية الإخلاص في الجهاد، مشيرًا إلى أن من يقاتل لتكون كلمة الله العليا يجب أن يعتني بالتوحيد. كما يحذر من أن عدم الإخلاص قد يبطل العمل.

ختام وتوصية

يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين، مع التأكيد على أن العلم الكامل عند الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. اشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ثبوت الجنة للشهيد. قال: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: «في الجنة». فألقى تمرات في يديه، ثم قاتل حتى قتل. قال: أخرجه البخاري بكتاب المغازي، باب غزوة أحد. قال: حديث أنس رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم أقوامًا من بني سليم إلى بني عامر في سبعين. فلما قدِموا، قال لهم خالي: أتقدمكم، فإن أمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا كنتم مني قريبًا. فتقدم، فأمنوه. فبينما يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أومأوا إلى رجل منهم فطعنه، فأنفذه. فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة. ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم، إلا رجلًا أعرج صعد الجبل. قال: همام أحد رجال السند، فأراه آخر معه -يعني اثنان- فأخبر جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد لقوا ربهم، فرضي عنهم وأرضاهم. فكنا نقرأ: أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا. ثم نسخ بعد. فدع عليهم أربعين صباحًا على رعل وذكوان وبني لحيان وبني عصية الذين عصوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال: أخرجه البخاري بكتاب الجهاد والسير، باب من ينكب في سبيل الله. قال: باب من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله. قال: حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله». قال: أخرجه البخاري بكتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله العليا. قال: حديث أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما القتال في سبيل الله؟ ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غضبًا ويقاتل حمية. فرفع إليه رأسه -قال: وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائمًا- فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله عز وجل». قال: أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا. أورد المؤلف رحمه الله هذه الأحاديث وهذين البابين في سياق ذكره لأحكام كتاب الإمارة. فمن أحكام الإمارة ما ذكر في هذين البابين. الباب الأول: ثبوت الجنة للشهيد. فقوله: «باب ثبوت الجنة للشهيد»، أي: هذا مدخل في معرفة حكم ثبوت الجنة للشهيد، أي: أن ذلك يثبت له إذا كان في سبيل الله، ولتكون كلمة الله العليا، وأن يكون كما تقدم في الأحاديث السابقة: بإيمان وصدق، وما كان بمعناه مما لا تقبل الأعمال إلا بها من شرط الإخلاص والمتابعة. فكل ذلك يدخل في معنى هذين الأصلين. ثم أورد حديث جابر بن عبد الله، وقد أخرجه البخاري في الباب المشار إليه. فقال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا سفيان عن عمر أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكر الحديث بلفظه. وهكذا كذلك حديث أنس، أخرجه البخاري في الباب المشار إليه. فقال رحمه الله: حدثنا حفص بن عمر الحوضي قال: حدثنا همام عن إسحاق عن أنس، فذكره بلفظه. وفي الحديث الأول والثاني مسائل. من أهم هذه المسائل: ثبوت الجنة لمن قتل في سبيل الله. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في هاتين الحديثين، في هاتين الواقعتين معنى ذلك. فقال الرجل الأول السائل: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: «في الجنة». فجزاء وثواب الشهيد الجنة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «والله أعلم بمن قتل في سبيله». فإذا كان الرجل صادقًا في قتاله، مخلصًا، مقبلًا غير مدبر، فإنه بإذن الله في الجنة ما دام قتل في القتال. وهكذا كذلك الحديث الآخر: حديث أنس، فيه هذا المعنى. وذلك لقوله: «فزت ورب الكعبة». فنزل ما نزل من القرآن تصديقًا لما جاء في خبرهم. وكان مما يقرؤون من القرآن كما جاء في هذا الحديث، وجاء معناه في حديث آخر: أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا. فنسخ -أي: هذا الخبر من القرآن- أي: فلم يبق من المصحف. وفيه إثبات ما بوب به. فإن الرضوان معناه الجنة. فمن الرضوان: أن يدخل العبد الجنة من رضوان الله عز وجل أن يدخل عبده الجنة. وكذلك فيه مسائل. من هذه المسائل: في أهمية سؤال أهل العلم، حتى ولو كان في الأعمال الصالحة. فلا ينبغي للإنسان أن يتردد في سؤال أهل العلم حتى في العمل الصالح. لأنك قد تدل على خير الخيرين في العمل الصالح، وقد كذلك تُصرف عنه إلى ما هو أفضل منه. وقد يبين لك فيه ما يكمله أو غير ذلك مما لا يستغني عنه السائل عن العلم. وفيه كذلك: جواز رمي اليسير من النعمة إذا كان يشغل عن عمل أعظم. وقد ينتفع به غيره ما دام ليس فيه معنى من معاني الإسراف والتبذير. فقد يكون ألقاها لينتفع بها غيره. وفيه كذلك: فضل هذا الصحابي رضي الله تعالى عنه أرضاه. وفي الحديث الثاني كذلك: فيه فضل هؤلاء الصحابة السبعين الذين سموا بالقراء. وقد جاء تسميتهم في كتب المبهمات بعضها بأسانيد صحيحة، وبعضها بأسانيد فيها شيء. وهكذا كذلك في الحديث الذي قبله. وفيه كذلك من المسائل: كون القراء من العلماء والدعاة. فقد كان القراء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هم بمثابة الدعاة والعلماء. ولم يكونوا قراء يحفظون القرآن فحسب، بل كانوا يحفظونه ويعلمون ما فيه من العلم. كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «كانوا لا يجاوزون عشر آيات حتى يأخذوا ما فيها من العلم والعمل». وهكذا ينبغي لمن أراد أن يتعلم العلم. فكونه يجمع بين العلم والعمل -خصوصًا إذا كان كبيرًا- خير له من أن يجمع الكثير من الحفظ مع القليل من العمل. لأمرين: الأمر الأول: الغالب على الكبير أن الحفظ لا يساعده. الكبير لا يكون حفظه كحفظ الصغير. والأمر الثاني: أن الكبير يحتاج إلى العمل مع حاجته إلى العلم. بل قد يكون أمر حاجته إلى العمل أعظم من حاجته إلى العلم. ولهذا ينبغي له أن يجمع بين العلم والعمل. ولو أن الإنسان قرأ في كل يوم -مثلًا- عشر آيات يأخذ ما فيها من العلم والعمل. فمعناه أنه لن تمر عليه ما لا يزيد عن ثلاث سنوات إلا وقد حفظ القرآن وأخذ ما فيه القرآن من العلم والعمل إذا التزم بذلك. فإنه لن يزيد على ذلك. كم صفحات المصحف؟ ستمائة. وكم على هذه الطبعة؟ ستمائة وأربعة عشر. نعم، واثنا عشر أو وأربعة عشر على حسب النسخ. فستمائة إذا قسمت كل صفحة في يوم. قل: أنت ستمائة وعشرين يوم بالزيادة. ستمائة وعشرين يوم. السنة كم أيام؟ ثلاثمائة وستين وكسور. يعني أقل من سنتين. أقل من سنتين إذا أخذت في كل يوم صفحة واحدة، فأخذت ما فيها من العلم والعمل. فبإذن الله تعالى تستطيع أن تختم القرآن في كم؟ في سنتين. قل: هناك عوارض: أمراض وأسفار وأشياء أخرى. اجعلها بالكثير: ثلاث سنوات. فإذا فعلت ذلك بإذن الله تعالى ستتقن حفظ القرآن، وفي نفس الوقت كذلك سيعين كذلك على أن تتعلم العلم الذي فيه الآيات التي تحفظها وتعمل بها، تحرص على العمل. وكما تقدم: كان القراء في ذاك الزمان ليسوا فقط حفظة للقرآن، بل حفظة حاملين للعلم مع الحفظ. فهم بمثابة العلماء. ولهذا كان يرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم للدعوة والتعليم كما في هذا الحديث. وفيه كذلك: فضل الدعوة إلى الله والتعليم والبذل والتضحية فيه. وأنه كذلك من الجهاد في سبيل الله. فهم لم يذهبوا مقاتلين، وإنما ذهبوا معلمين. ومع ذلك لما قتلوا وهم في طريق العلم والدعوة كانوا في سبيل الله. وهذا يؤكد قول من قال من أهل العلم: أن الجهاد يكون بالسيف والسنان، ويكون بالحجة والبرهان. فمن قتل في طريق الدعوة والتعليم فهو -إن شاء الله- ممن قتل في سبيل الله. ويرج. له ما يرجى للمجاهد. ويرجى له ما يرجى كذلك للشهداء: أن يكون -بإذن الله تعالى- شهيدًا. يحتسب ذلك عند الله سبحانه وتعالى. وهذا الحديث مما يدل على ذلك. وفيه من المسائل كذلك: مشروعية قنوت النوازل. ولقنوت النوازل أحكام كثيرة قد مرت معنا في دروس سابقة. لكن على وجه الاختصار يذكرها هنا. من أهم هذه الأحكام: أن قنوت النوازل يكون بإذن. وليس لكل أحد أن يشرع للناس ويأمرهم بقنوت النوازل. وليس لكل إمام مسجد أن يسن ويبتدع قنوت النوازل. حتى يؤذن له من ولي الأمر أو من ينيبه ولي الأمر من أهل العلم. سواء كان الإذن لفظيًا أو عرفيًا. وأما غير ذلك فلا. حتى لا يضطرب الناس. ولا كذلك يتسلط الجهلة والمتعالمون على مثل هذه المسائل. حتى صار قنوت النوازل بمثابة الدعايات والإعلانات لبعض الجماعات والفرق والأحزاب المعاصرة. من خلالها يدعون إلى ما يريدون. وهكذا كذلك من تلك الأحكام: أن الدعاء له ضوابط وشروط كما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الصلوات الخمس. وأحيانًا يقتصر على المغرب والفجر. وأحيانًا يزيد: أحد العشائين -أي: الظهر والعصر- وأحيانًا يقتصر على الفجر. فهناك كيفيات في أوقات القنوت. وهكذا كذلك في الدعاء. فالأفضل والأكمل: الاقتصار على الوارد. وما كان بمعناه مما ثبت عن الصحابة في قنوت النوازل. فليس من السنة التطويل فيه. وليس من السنة ذكر التفاصيل. بل كلمات جامعات. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك من ذلك: أن مدة هذا الدعاء لا يزيد عن أربعين صباحًا. إذا استمر سبب القنوت. إذا استمر سبب القنوت فإنه أكثر ما روي في هذا الباب: روي شهرًا. وروي أربعين صباحًا -يعني أربعين يومًا-. ولهذا قال من قال من أهل العلم: إذا استمر سبب القنوت فليس من السنة أن يزيد أكثر من ذلك. بل يقتصر على هذا امتثالًا واقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم لأن النوازل قد لا تنتهي. وليس معناه أن يستمر الناس بالدعاء. ولكن هناك أماكن أخرى للدعاء في غير الصلوات: بالجهر بها. وكذلك هناك أحكام أخرى. لكن هذا على وجه الاختصار. وفيه كذلك: جواز تسمية بعض المدعوين -المدعو عليهم- في الصلاة من الكفار. فيجوز أن يدعى عليهم بأسمائهم أو بأوصافهم. أوصافهم. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كما في هذا الحديث وغيره من الأحاديث الأخرى. وقوله: «باب من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله»، يعني: من أحكام الإمارة. ويدخل فيه معاني الجهاد. أن الجهاد المشروع والقتال المشروع: هو أن يكون لتكون كلمة الله العليا. ومعناه: لا يجوز أن يقاتل الإنسان لأجل الكرسي. كما تقدم معنا معناه في أبواب متقدمة. فقتال العصبيات ونزاع الملوك والسلاطين على الكراسي وغير ذلك: ليس هو في سبيل الله. بل هذا من قتال الفتنة التي يجب على المسلم أن يحذرها وأن يجتنبها. ومن ذلك: قتال القبائل بينهم. فإنه من قتال الفتنة التي يجب على المسلم أن يحذرها وأن يجتنبها. وهكذا كذلك كل ما كان بمعناه مما ينافي أن تكون كلمة الله العليا. فهو ليس من سبيل الله. وفي حديث أبي موسى هذا المعنى وزيادة. ففيه كذلك: أن مما ينافي الإخلاص في الجهاد في سبيل الله: أن يكون غرض المقاتل هو المغنم. أن يكون غرض المقاتل هو المغنم. وكما مر معنا فيما تقدم: أن مسائل التشريك فيها تفصيل. فيجوز -يجوز- تبعًا ما لا يجوز استقلالًا. يجوز أن تقصد المغنم تبعًا للجهاد. وليس الجهاد تبعًا للمغنم. يجوز أن تقصد التجارة تبعًا للحج. ولا يجوز أن تجعل الحج تبعًا للتجارة. وإنما الأعمال بالنيات. وإنما لكل مرئ ما نوى. ولهذا قال العلماء: يثبتوا تبعًا ما لا يثبتوا استقلالًا. قاعدة دلت عليها النصوص الشرعية. وهذا من هذا الباب. كون الإنسان يقصد بالجهاد ما عند الله من عظيم ثوابه. ومن نصرة دينه. ومن نيل إلى رضوانه. هذا هو المقصود. وهو بأن تكون كلمة الله العليا. وكلمة الذين كفروا سفلى. فإذا كان معه الحصول على المغنم فإنه لا ينافي القتال والجهاد. ولا يبطله. لكنه لم يزاحم الأول. ولهذا ينبغي أن يصحح الإنسان نيته. فيجعلها تبعًا. لا يجعلها أصلًا. ويجعلها خلفًا. لا يجعلها أمام أو تزاحم. فيصح نيته قدر المستطاع. وهكذا مما ينافي الإخلاص في هذا العمل: إرادة الذكر. يعني أن يذكر عند الناس بالذكر الحسن. بأن يقال: فلان شجاع. وفلان قوي. وفلان رامي. وفلان كذا وكذا. فكل هذا مما قد يبطل ثواب الجهاد. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله أعلم بمن قتل في سبيله». وهكذا: الرجل يقاتل ليرى مكانه. هو بمعنى الذي قبله. لكنه أخص. يعني في شيء خاص. أن يرى أنه إن كان في الرمي فهو رامي. أو كان كذلك في المبارزة فهو مبارز. أو في الركوب فهو فارس. أو نحو ذلك. فهذا مما قد يبطل هذا العمل الصالح. وإذا كان هذا في أفضل الأعمال وأعظمها: كالجهاد. فما دونها من باب أولى أن تبطل بما يزاحمها من نيات تنافي الإخلاص لله عز وجل. فإذا العبرة بعموم المعنى. لا بخصوص السبب واللفظ. فإذا زاحمت بعض الأعمال النية الصالحة في العمل فإنها قد تبطلها. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». وهذا عام. «وإنما لكل امرئ ما نوى». وهذا يشمل الهجرة ويشمل غير ذلك. وكذلك في قوله: «لتكون كلمة الله العليا». المراد بكلمة الله: كلمة التوحيد. وفيه إشارة إلى أن من أهم مهمات هذا الدين ونصرته: نصرة التوحيد. فمن لم ينصر التوحيد لم يكن جهاده في سبيل الله. فجهاد بعض المجاهدين اليوم لأجل الحاكمية -مع تفريطهم في توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات- وزعمًا منهم أن الأهم والأولى هو الحاكمية. فلا يبالون بوجود القبوريين والمشركين والوثنيين وأهل وحدة الوجود. هذا جهاد ليس في سبيل الله. لأن من أعظم مقاصد الجهاد في سبيل الله: أن تكون كلمة الله العليا. وكلمة الله: التوحيد. كلمة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فكل جهاد لا يعتنى فيه بالتوحيد فهو ليس في سبيل الله. ولو كان المقاتلون فيه يريدون نصرة الإسلام. لأن نصرة الإسلام ليس بالعواطف. ولا بتقديم الجزئيات على الثوابت. الثابت والأصول المعلومة من الدين بالضرورة ينبغي أن يعلم ذلك ويتقرر. فلهذا يخطئ الكثير في فهم معنى كلمة العليا. وأن تكون كلمة الله هي العليا. فيظن أن المراد به الحاكمية. فيحصرون ذلك في معنى الحاكمية. والوصول إلى الحكم وتحكيم الشريعة. ثم يحصرونه في تفاصيل مدنية ومحاربة قوانين وضعية. وهذا من الدين. لكنه ليس كل الدين. هذا من الدين. ولكنه ليس كل الدين. بل ليس هو أهم الدين. أهم الدين: التوحيد. فمفتتح دعوة الرسل: التوحيد. وأول ما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسله بالتوحيد. وهكذا قتال من قوتل لتكون كلمة الله العليا: هو التوحيد. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم». الحديث في الصحيحين من حديث ابن عمر. ومعناه: أحاديث كثيرة. وهكذا كذلك يفهم منه: أنه إذا كان القتال لتكون كلمة الله هي السفلى -والعياذ بالله- فهذا من أردى أنواع القتال. بل هو من الكفر والردة. ولهذا نص العلماء: أن من معاني الموالاة التي تكون بها الردة: أن يوالي المسلم الكافر أو الفاجر لتكون كلمة الذين كفروا هي العليا. وكلمة الذين آمنوا -وكلمة الله- هي لتكون كلمة الذين كفروا هي العليا. وكلمة الله هي السفلى. فما كان من قتال هذا وصفه فهو من الردة. نص على ذلك غير واحد من أهل العلم: ردة وكفر. ولو قال القائل: أنا ما أعلم أن هذا يفضي إلى الكفر. فيقال: لا يلزم أن تعلم أنه يفضي إلى الكفر. يكفي أنك تعلم أن هذا محرم. يكفي أن تعلم أن هذا محرم. فليس من شرط الوقوع في الكفر أن يعلم أنه كفر. بل يكفي أن يعلم أنه محرم. مثل سب الله والرسول. لو قال قائل: أنا أعلم أنه لا يجوز سب الله والرسول. لكن ما دريت أنه كفر. فيقال له: ولو ما دريت. ما دمت تعلم أنه محرم ولا يجوز في الدين. ففعلك له أوقعك في الكفر. أوقعك في الكفر. ولهذا أدلة ونظائر كثيرة في الشرع. ثم بعد ذلك لا شك: مسألة ترتب ما يترتب على هذا الكفر يكون بالاستتابة. وفي حديث أبي موسى: معنى ما تقدم من حديث أبي موسى الأول. وفيه زيادة: أن المرأة إذا قاتل غضبًا أو حمية. فإنه كذلك ينافي الإخلاص في سبيل الله. فمن الناس من قد يقاتل رد فعل: كيف أن ينتقم لبعض أقربائه الذين قتلوا. فينبغي لمن كان هذا حاله أن يصحح نيته. ولو قال: أنا خرجت مع المجاهدين في سبيل الله أريد الجهاد. فيقال: صحح نيتك. هل قصدت الجهاد أم قصدت الانتقام؟ إن قصدت الانتقام والغضب فهذا ينافي الجهاد في سبيل الله. وينافي كذلك الإخلاص في هذا العمل العظيم الصالح. وهكذا الحمية كذلك: حمية لقبيلتك. حمية لأقربائك الذين قد يكونوا قد قتلوا -حتى في سبيل الله-. وفيه من المسائل كذلك: مشروعية إجابة السائل وهو قائم. وبوب له البخاري -كما نرى- «باب من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا». يعني: هذا يجوز. وإن كان الأفضل والاكتمال: التأدب بأدب العلم. وذلك ما علم جبريل هذه الأمة بأن يجلس مسندًا رخبتيه إلى رخبتيه، واضعًا كفيه على فخديه. فإن هذا أدب طالب العلم في السؤال: ألا يسأل وهو قائم. بل يسأل وهو قاعد إذا كان العالم قاعدًا. وإن كان العالم قائمًا فيسأله وهو قائم. وأما إذا كان العالم قاعدًا فمن الأدب أن يجلس ويقترب ويسأل. وهذا هو كمال الأدب. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في آخر حديث جبريل: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». وفي رواية: «أمور دينكم». مر معنا حديثي أبي موسى ولم أشر إلى إسناديهما. فأشير لمن أحب أن يكتبهما. وفي ذلك فوائد. من أهمها: أننا نتثبت من ألفاظ الحديث أنه كذلك في الموضع المشار. وثانيًا كذلك: معرفة الأسانيد يعين على حفظ الرجال. فالحديث الأول: حديث أبي موسى. أخرجه البخاري في الباب المشار إليه: «باب من قاتل لتكون كلمة الله العليا». فقال البخاري رحمه الله: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا شعبة عن عمرو عن أبي وائل عن أبي موسى. والحديث الثاني: أخرجه بالباب المشار إليه: «باب من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا». فقال رحمه الله: حدثنا عثمان قال: أخبرنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن أبي موسى. فذكر الحديث بلفظه. طيب، لهنا والله تعالى أعلم.