كتاب الإمارة  5

كتاب الإمارة 5

الدرس في كتاب الإمارة 5، تابع باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم - باب غلظ تحريم الغلول - باب تحريم هدايا العمال . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريم الغلول وهدايا العمال وأثرها في الأمانة

يتحدث هذا الفصل عن تحريم الغلول وهدايا العمال، ويشرح معنى الغلول وأنه يشمل الخيانة والغش في الأمانة، ويحذر من عواقب الغلول يوم القيامة. كما يبين أن الغلول يشمل كل مال مأخوذ من الأموال العامة أو يعطى لأجل المنصب.

تحذير من الرشوة وسوء الظن وتأثيرها على المجتمع

يتناول هذا الفصل تحذيرًا من الغلول والرشوة وسوء الظن، ويشرح تعريف الرشوة المحرمة وأمثلة على الغلول في الأموال العامة والخاصة. كما يحذر من سوء الظن بالآخرين واتهامهم بالباطل، مشيرًا إلى أهمية الصفاء في المعاملات.

أهمية الحساب الدقيق في المعاملات وتجنب الشبهات

يناقش هذا الفصل أهمية الحساب الدقيق في المعاملات لتجنب سوء الظن ودخول الشيطان، ويشدد على ضرورة أن يكون عمل المسلم على الصفاء والوضوح. كما يؤكد على أهمية محاسبة النفس قبل أن يحاسبه أحد.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله في باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم. ومر معنا حديثان: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه. ومما يذكر في هذا الباب، مما يناسبه، وانفرد به مسلم، حديث عائشة رضي الله عنها، في قول النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به». اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به. فهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، وهو يناسب هذا الباب، فهو من أفراد مسلم مما يناسب هذا الباب. وفيه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على من شق على هذه الأمة من ولاة أمورها، ودعاؤه لمن رفق وأرفق بهذه الأمة من ولاة أمورها. ويتضمن ذلك المسائل التي سبقت مما يناسب هذا الحديث في الحديثين السابقين. وهكذا كذلك مما انفرد به مسلم، وهو يناسب هذا الباب، ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن -يعني يوم القيامة- وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولو». إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن -وكلتا يديه يمين- الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولو. وفي هذا الحديث مما يناسب الباب الثناء على المقسطين، وهم أهل العدل والإنصاف والرفق، من ولاة الأمور والرعاة، سواء كانت الولاية كبيرة أو صغيرة، عامة أو خاصة. وأنهم يكرمون يوم القيامة بأن يكونوا على منابر من نور. ففيه فضل الإمام العادل والراعي العادل والمنصف على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، في إثبات اليدين لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته. وقوله: «عن يمين الرحمن»، قيل: من اليمن والبركة، وقيل: يمين على حقيقته، وهم قولان لأهل السنة على تصحيح رواية إثبات الشمال في صحيح مسلم، وتفصيل هذا في كتب العقائد. وقوله: «في حكمهم وأهليهم وما ولو»، فيه عموم هذا الحكم في الولاية والرعاية الكبرى والصغرى، حتى الرجل الراعي في أهل بيته، فهو إن كان من المقسطين فيناله هذا الفضل في هذا الحديث. حتى المرأة في بيت زوجها وقيامها بأولادها، حتى العبد في مال سيده، والخادم مع من يعمل عنده، كل هؤلاء يلحقهم هذا الفضل. وفي المقابل مما يناسب التنبيه عليه كذلك في هذا الباب، ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في السبع الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم «إمام عادل». ففيه فضل الإمام العادل، وما يكرم به يوم القيامة، فإنه يظل في ظل الله عز وجل، وظله سبحانه وتعالى ظل يجعله الله جل وعلا في ذلكم اليوم. قيل: إنه ظل العرش، كما جاءت به بعض الروايات، وقيل: ظل يخلقه الله سبحانه وتعالى. ولا شك أنه ليس ظل ذاته المقدسة سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «باب غلظ تحريم الغلول». قال: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره. قال: «لا ألف أن أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، أو على رقبته فرس له حمحمة، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. وعلى رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. وعلى رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. أو على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك». أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب الغلول. وقال رحمه الله تعالى: «باب تحريم هدايا العمال». قال: حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل عاملا، فجاءه العامل حين فرغ من عمله، فقال: يا رسول الله، هذا لكم، وهذا أهدي لي. فقال له: «أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك، فنظرت أيهدى لك أم لا؟». ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية بعد الصلاة، فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، فما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول: هذا من عملكم، وهذا أهدي لي؟ أفلا قعد في بيت أبيه وأمه، فنظر هل يهدى له أم لا؟ فوالذي نفس محمد بيده، لا يغل أحدكم منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، إن كان بعيرا جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم له رغاء، وإن كانت بقرة جاء بها لها خوار، وإن كانت شاة جاء بها تيعر. فقد بلغت». فقال أبو حميد رضي الله عنه: «ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، حتى إنا لننظر إلى عفرة إبطيه». قال: «أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم». أورد المؤلف رحمه الله هذين البابين وما فيهما من حديثين في كتاب الإمارة. ومناسبة إيرادهما ظاهرة في التحذير من الغلول، ويدخل في معناه الخيانة والغش للأمانة. فقوله: «باب غلظ تحريم الغلول»، يعني: التشديد في تحريم الغلول. والغلول هو معنى من معاني الخيانة، لكنه أطلق خاصة على ما يكون في الغزو، أو ما يكون في ما كان بمعناه من الولايات التي يتولاها في الإمارة المسلمة. فيدخل فيه هدايا العمال، كما سيأتي، ويدخل فيه السرقة من الغنائم، ويدخل فيه التحايل في أخذ الأموال العامة، وغير ذلك مما هو بمعنى ذلك. فهو كل مال يؤخذ في حق الأموال العامة، سواء أخذ من المال العام نفسه، أو أخذ لأجل منصبه على هذه الأموال العامة. فكل ذلك من معنى الغلول. حتى الرشوة في هذا المعنى تسمى غلولا، وسيأتي معنا إن شاء الله التنبيه عليه. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره»، يعني: شدد فيه وفي التحريم منه. وكان من ضمن ما قال: هذه الجمل التي ذكرت في هذا الحديث: «لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء». والثغاء: صوت الشاة. وفي حديث أبي حميد: «تيعر»، وهو صوت كذلك آخر، لكنه يقال للمعز. فقيل: الأول صوت الضان، والثاني صوت المعز، وقيل: غير ذلك. وكذلك: «فرس له حمحمة»، أي: صوت الفرس إذا حمحم، يريد الطعام أو غيره، وهو صوت كما ذكر المعلق دون الصهيل. وهكذا كذلك: «وعلى رقبته صامت»، يعني: مما يكتنز من ذهب أو فضة أو سلاح أو غيره من المصمتات كالمعاد ونحوها. «وعلى رقبته رقاع تخفق»، المعنى: الثياب التي ترفرف إذا ضربها الهواء. والمقصود من هذا كله التحذير من أخذ شيء من الغنائم، أي نوع كان هذا الشيء، من بهيمة الأنعام أو من المعادن أو من الثياب أو غير ذلك. فكله يوجب هذا الوعيد الشديد الوارد في هذا الحديث وغيره. ومن تأكيد هذا الوعيد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول: يا رسول الله أغثني، يعني: أدعو الله لي بالمغفرة واشفع لي، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك». وهذا زيادة تأكيد في ذلك. والحديث الثاني في قوله: «استعمل عاملا»، أي: وكل بعمل. وهذا العمل هو جمع الصدقة، كما جاء في الروايات الأخرى. وقوله: «حين فرغ من عمله»، يعني: حين انتهى من جمع الصدقة وجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، استثنى شيئا مما جاء به، وقال: «هذا أهدي لي». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك، فنظرت أيهدى لك أم لا؟» يعني: تعليلا أنه لا يجوز أن يؤخذ مثل هذا، وأنه أعطي لأجل وظيفته. وما كان كذلك فهو في حكم الغلول. وقوله: «ثم قال: أما بعد، فما بال العامل نستعمله إلى آخره»، أي: خطب عليه الصلاة والسلام، وحذر من مثل هذا الصنيع أن يقبل عامل هدية وقد وكل بعمل. فقبل الهدية مع توكيله بالعمل، وقد يعطى جعلا على عمله ذلك، يعد هذا من الغلول. وعلل بما سبق ذكره بقوله: «أفلا قعد في بيت أبيه وأمه، فنظر هل يهدى له أم لا؟» تأكيد أن الهدية كانت لأجل منصبه، وما دام كذلك فهو من الغلول المحرم. وقوله: «جاء يوم القيامة يحمله على عنقه، إن كان بعيرا جاء به له رغاء»، أي: صوت البعير. «وإن كانت بقرة لها خوار»، أي: صوت البقرة. وهكذا كذلك: «شاة تيعر». وقول أبي حميد: «ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، حتى إننا لننظر إلى عفرة إبطيه»، يعني: بياض إبطيه، من شدة وعظه ونصح عليه الصلاة والسلام. وفي هذين الحديثين مما ناسب هاتين الترجمتين: أولا، فيه تحريم الغلول. وقد علمنا أن الغلول معنا يتناول كل مال مأخوذ من الأموال العامة نفسها، كالغنيمة، وما للدولة، المحتال عليه من باب أولى، وغير ذلك. أو كذلك ما يعطى لأجل منصبه في هذه الدولة، فهو كذلك من الغلول. فالحديث الأول يدل على المعنى الأول، وكل ما يدخل تحته من تفريعات. والحديث الثاني يدل على المعنى الثاني، وكل ما يدخل تحته من تفريعات. وفيه أن هدايا العمال من الغلول. وقد بوّب الإمام البخاري بهذا التبويب. وعلى قاعدته، أي: المؤلف رحمه الله، هو تبويب بوّب على صحيح مسلم. وجاء فيه حديث رواه الإمام أحمد والبيهقي بإسناد يحسنه بعض أهل العلم، ويضعفه بعضهم. وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتب، عن أبي حميد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هدايا العمال غلول». هدايا العمال غلول. فلا يجوز لعامل قبول هدية. وهذه مسألة أخرى. لا يجوز أن يأخذ العامل هدية، سواء على عمله أو على غير عمله، ما دامت الهدية جاءت في وظيفته ولأجل وظيفته. وقد بوّب الإمام البخاري رحمه الله تعالى بابا في صحيحه، فقال: «باب من لم يقبل الهدية لعله». وقال عمر بن عبد العزيز: «كانت الهدية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، وهي اليوم رشوة». وهي اليوم رشوة. ومعنى أن الهدية إذا كانت لها مقصد وغرض، فيجوز أن ترد، مع أن الهدية يستحب أن تقبل، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «تهادوا تحابوا». فالتواصل بالهدايا سبب من أسباب بقاء وحصول المحبة. لكن إذا كان فيه غرض، فإنه يجوز أن ترد الهدية. ومن ذلك شبهة الرشوة، ومن ذلك هدايا العمال. فإذا أهدي للعامل من قبل معامله، فهي مما يدخل في معنى الغلول المحرم والرشوة المحرمة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «لعن الراشي والمرتشي». وهي رواية معناها صحيح، وفي إسنادها ضعف. والرائش: وهو الواسطة بين الراشي والمرتشي. فالرشوة محرمة، وصاحبها ملعون. ويدخل في معنى الرشوة هدايا العمال. وفي هذه الأحاديث كذلك مما يناسب هذا المقام تحريم كل حيلة يستعملها العامل لأخذ المال، سواء مال الدولة أو مال الرعية. ولهذا بوّب البخاري رحمه الله تعالى بابا، فقال: «باب احتيال العامل ليهدى له». أي: لا يجوز، ويحرم، وهو من الغلول. فما يفعل اليوم بعض العمال من مماطلة بعض المعاملات لأجل أن يهدى له، فتمشي المعاملة، هذا من الغلول. ومن الرشوة ربما يأتي بعض الناس إلى بعض الدوائر الحكومية: «تعال غدا، تعال بعد غد، تعال بعد ثلاثة أيام». فإذا بك تجد بعض السماسرة يقول لك: «إدهن السير يمشي، إدهن السير يمشي»، كناية على الرشوة. فتعطي شيئا تمشي المعاملة في ساعة، بينما لك ثلاثة أيام أو أسبوع أو شهر، وما تمشي. فهذا من الغلول المحرم، ومن أخذ أموال الناس بغير حق، وهو أعظم من أن يهدى إليه من غير التصريح بالرشوة. فإذا كانت الهدية مع عدم التصريح لا تقبل، فمن باب أولى إذا كان فيها شيء من الحيلة. وهنا يأتي سؤال يكثر الابتلاء به: وهو أن بعضهم يقول: «أنا أهدي إليه، ولكن أنا مخلص بعملي، ما أعطي شيئا أهدي إلي، وأنا لا أعطيهم شيئا زائدا لهم. هل أقبل الهدية أم لا أقبل؟». الجواب: عموم الأحاديث تدل على عدم قبول الهدية. أولا، لأنه ربما يضعف بكثرة الإهداء فيجامله حتى نص العلماء أن الحاكم والقاضي إذا ابتسم في وجه أحدهما، وعبس في وجه الآخر، كان هذا ظلما. وإذا كان الحاكم أهدي إليه، سيبتسم أو سيعبس، ما يستطيع يعبس، سيبتسم في وجه الذي أهداه. وربما يحزم ولا نقول: يعبس في وجه الذي لم يهديه شيئا، وهذا ظلم وغير إنصاف وعدم إقصاط وقصط، بل هو إقصاط وليس بقصط. فإذا كان كذلك، فكيف بما هو أعظم من هذا؟ والقلوب ضعيفة والشهوات خطافة. القلوب ضعيفة والشهوات خطافة. وكذلك إذا جاء سؤال آخر، قال: «أنا أهدي إليه لا لأجلي العمل والمعاملة بيني وبين هذا الإنسان معرفة». فيقال: كذلك الأولى والأكمل والورع عدم قبول الهدية، ما دمت في هذا المنصب. وهذا عندك مثل هدية الطالب للمدرس أو الطالبة للمدرسة. قد يقول المدرس أو المدرسة: «صارت بيننا علاقة طيبة، والهدية ليس لأجل الدراسة». فيقال: وإن كان كذلك، فالأحوط والأولى تربية الجميع على عدم وقوع الهدايا في هذا الباب، لتنتهي المدرسة. ولتكن هناك زيارات خارج المدرسة بعد ذلك، يثبت بها ويتأكد حصول العلاقة والصلة بين المدرس والطالب لغير المدرسة. فهنا يقال: نعم، ممكن مثل هذا الحال تقبل الهدية. وهكذا كذلك قل في نظائر كثيرة يحصل فيها الاحتيال في أخذ أموال الغير. فهذا يدخل في معنى الغلول ومعنى الرشوة المحرمة. ومنه ما ذكره عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: أن الهدية صارت رشوة. ومنه إذا كانت الهدية لأجل غرض من الأغراض. فالرشوة: ما تعريفها مرة معنا؟ ها عند من تعريف الرشوة المحرمة؟ نعم، المال المبذول لإبطال حق أو لإحقاق باطل، هذه الرشوة المحرمة. المال المبذول لإبطال حق أو لإحقاق باطل. فإذا تمعن النظر في هذا المعنى، وجدنا أن الكثير من الأموال المبذولة هي من الرشوة، ولو خرجت بمسمى الهدية. يأتي إنسان يرمي لمسؤول مفتاح سيارة، هذه هدية من الشيخ فلان لأجل ماذا هذه الهدية؟ هل إذا قعد هذا الموظف في بيته تأتيه سيارة مفتاح سيارة يرمى له رمي عند الباب؟ ما أحد يرمي مفاتيح سيارات. لكن هذا له غرض له قصد. أو هذه شاة يجتي البيت ويجد شاة مربوطة عند الباب، إيش هذا؟ قالوا: هذا صاحبك فلان حطها لك. هذه ليست هدية، هذه رشوة وغلول. وهدايا العمال غلول. فيجب على كل من ولي مسؤولية أن يتنزه ويترفع ولا يقبل شيئا من ذلك. وأكد كذلك من الحيلة ما قد يبتل به حتى بعض أهل الخير والصلاح. فمثلا ربما يعطى إنسان مالا، فيقال: «وزع هذا على الفقراء». فإذا به يقول: «أنا من الفقراء، وأنا من المساكين، وأنا من العاملين عليها، وأنا وأنا». إذن هو ثمانية أصناف، فيعطي نفسه ثمانية أضعاف، ويخرج للفقراء من جزء جزء. هذه حيلة. بل نص بعض أهل العلم أنه إذا علم أن من أعطاه لم يأذن له أن يعطي إلا بإذن، كان عليه أن يستأذن في إعطاء نفسه. وإذا أذن له بالإذن العام، فينبغي عليه أن يعدل، فيجعل لنفسه ما يجعل لغيره، لا يزيد. يجعل لنفسه ما يجعل لغيره، لا يزيد. فإذا فعل غير ذلك، فهو غلول. فإذا فعل غير ذلك، فهو غلول. ولا يجوز. وهكذا كذلك من هذا الباب كذلك ما قد يبتل به بعض الناس فيما قد يكون من قراباتهم. قد لا تكون الهدية مالا، قد تكون الهدية خدمة. قد تكون الهدية خدمة. وقد تكون الخدمة ليست لك. أنت أعطيت لإنسان شيئا أو أنت موظف في باب، فيأتي إنسان ويأتي بوظيفة لولدك أو يأتي كذلك بخدمة لأبيك أو لأخيك أو لغير ذلك من قراباتك. وأنت تعلم أنه فعل هذا لأنه له غرض عندك. فإن كان لك سلطة على قريبك هذا فارفض وامتنع عن هذا العطاء، لأنه يدخل في هذا العموم: «هدايا العمال غلول». هدايا العمال غلول. فإن لم يكن لك سلطة، فأدي النصيحة. قل له: «يا ولدي، يا أبي، يا أخي، أنت ما أعطيت هذا إلا لأجلي. هذا الرجل له طلب عندي، وأعطاك لأجلي أن يضريني بهذا ويضعفني في العدل فيما يطلب». فإن وافقك وأعانك ورد ذلك، فذلك المطلوب. وإن لم يفعل، فلا تضعف أنت، أديت النصيحة، وهو أخذ المال بغير حق. ولكنك لا تضعف، واثبت على ما أنت عليه، ولا تحاب ولا تجامل في دين الله. وهكذا كذلك تفاصيل كثيرة يصعب حصرها وذكرها في مثل هذا المقام. لكن على وجه الاختصار، يجمل الغلول في هذين القسمين المذكورين. ومن القسم الأول ليس فقط كما قلنا ينحصر في مال الغنيمة، بل في كل مال عام ووليت عليه وأخذته بغير حق. حتى المال الخاص إذا وليت عليه وأخذت منه بغير حق، فهو من الغلول. مثل بعض الناس إذا صار مسؤولا في بعض الدوائر الحكومية، يحتال فيأخذ منها ما ليس بحق. قد بعضهم ربما يحتال حيلة واضحة: يعطى سيارة فيها كفرات جديدة، يذهب إلى البنشري صاحب الكفرات، ويقول له: «خذ هذه الكفرات الجديدة وبعها لي، وأنا إنسان محتاج، الراتب ما يكفيني». ويركب كفرات ويركب كفرات ضعيفة مستعملة. ربما ترى سيارة ألفين وعشرة وهي مرمية وسط الشارع مبنشر بكفرين، أين الكفرات الجديدة لهذه السيارة؟ قد باعها قد باعها صاحبها، هل يحل له ذلك؟ لا يحل. يعطي السيارة لخدمة العمل. بل نص العلماء أنه لا يجوز له أن يستعمل سيارة العمل في مشاويره الخاصة، إذا لم يؤذن له في ذلك. كان شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يعطى سيارة في عمله الذي يعمل به في الحج، في خدمة الحجاج وفتاوى الحجيج، أو كذلك في الجامعة أو غير ذلك في الإفتاء. فإذا انتهت مدة دوامه، أبى أن يركب عليها. حتى ربما يأتيه السائق فيقول: «يا شيخ، السيارة معي وأنا في خدمتك». فيقول: «الجامعة لم تأذن لك بهذا، وأنت في غير وقت الدوام، فلا يجوز لك ولا لي أن ننتفع بهذا». تورع عن الأموال العامة، لأن التوسع في هذا من الغلول. حتى القلم إذا أتي به للمكتب، أخذك إياه إلى البيت، حتى تشتري أقلاما جديدة، هذا كذلك من الغلول. حتى القلم لا يقول قائل: هذا يتسامح فيه. يتسامح فيه إذا علمت التسامح، إذا ما علمت التسامح، فالأصل ماذا؟ الأصل المنع والحرمة. الأصل في الأموال الحرمة، لا يجوز أخذ شيء من ذلك. وفي مقابل هذا كذلك الحذر من التهمة بالغلول بغير حق. والله جل وعلا قد قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:161]. فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام اتهموا بالغلول. ربما يقول قائل للمنصف: إذا فتح الله عز وجل عليه وصار متوليا بعض المسؤوليات، من أين له هذا؟ هذا أكيد أخذه من كذا وكذا، هذا ليس له، وهذا ليس له. فمثل هذا لا يجوز، بل هذا من سوء الظن المحرم، ومن تهمة الناس بالظلم الذي لا يجوز. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من سوء الظن، فضلا عما فوقه. قال عليه الصلاة والسلام -كما في حديث أبي هريرة-: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». فلا يجوز كما لا يجوز أن يحصل الغلول، لا يجوز سوء الظن بالناس. فيساء الظن بالأمراء، ويساء الظن بالولاة، ويساء الظن بأهل الخير والصلاح. فيقال: «هذا عالم مداهن، ما جاءته هذه السيارة إلا أنه أفتى الفتوى الفلانية». و«هذا أمير سارق»، و«هذا نصاب»، و«هذا كذا»، و«هذا كذا». كل هذا حرام، لا يجوز. فإن الظلم ظلمات يوم القيامة. أنت لست موكل بهذا، هذا اتركه لله سبحانه وتعالى، هم أمورون ومسؤولون، وأنت كف لسانك، ويطهر قلبك من الظنون السيئة، فضلا عن الغيبة والنميمة والطعن فيما لا يجوز لك. فننتبه لهذا. وفي قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فيه تأكيد لما في الحديثين. فمن غل شيئا قليلا وكثيرا، فإنه يأتي به يوم القيامة. وفي هذه الأحاديث كذلك جواز محاسبة الإمام للعمال. جواز محاسبة الإمام للعمال. فإن ذلك ليس من قصه، بل هو كرامة وإكرام. فلا ينبغي لأحد أن يغضب إذا حاسبه أمير أو مسؤول، بل هذا حق وسنة حسنة، يقصد منها تنزيه المجتمع مما لا ينبغي أن يكون فيه من الغش والخيانة. فينبغي أن يفرح بذلك. بل ينبغي أن تحرص أنت أن تكون ورقتك بيضاء. ولهذا نص العلماء بأحاديث أخرى أنه ينبغي لمن وكل في عمل أن يجعل عمله على الصفاء. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر السيد إذا كال عبده، إذا أعطى عبده أن يكيله، وإذا قبض منه أن يكتال منه. يعني: إذا أعطيت عبدك شيئا، لا تعطيه جزافا هكذا بدون ما تحسبه، حتى ما تسيء به الظن، حتى لا تسيء به الظن. فإذا أعطيته مالا احسبه ثم أعطيه، هذه ألف، اشتري كذا وكذا، ورد الباقي. وإذا رد لك المال، لا تأخذه بدون حساب، احسبه حتى لا يسيء الظن، ولا يدخل الشيطان. وكذلك في كل معاملة ينبغي أن تضبط بالحسابات الدقيقة. المسلم ينبغي أن يحرص على هذا، من قبل أن يحاسبه أحد، هو يحاسب نفسه، وهو يظهر الصفاء. أعطاك إنسان مالا، قال لك: «اصرف لي هذا». ذهبت فصرفت، خذ من الصراف ما يثبت أنك صرفت بكذا، وأن قيمته كذا، واعطيه. وكلت بدائرة معينة، أو حتى من شخص، أو حتى من قريب، أن تشتري له أشياء من السوق، اشتريت هذا فواتير، اعطيه المال مع الفواتير. كل هذا طلبا لسلامة القلوب، وعدم سوء الظن، وعدم دخول الشيطان في مثل هذا. فالإسلام يدعو إلى هذا. طيب، نكتفي هذا اليوم بهذا القدر، وقد انتهى الوقت. نعم. الرشوة المحرمة ما كانت لإحقاق باطل أو إبطال حق. فإذا كانت لإحقاق حق، فليست برشوة. إنسان ما يستطيع أن يأخذ حقه إلا بمال، لك مثلا حق، فأردت أن تأخذه، ما طلوك، قالوا لك: «ادفع وستعطى». أنت تدفع، والإثم عليه، ليس عليك. إلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.