كتاب الإمارة  6

كتاب الإمارة 6

الدرس في كتاب الإمارة 6، تابع باب تحريم هدايا العمال - باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وجوب طاعة ولاة الأمور وضوابطها

يشرح المقطع الأول وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية مستندًا إلى الأحاديث النبوية والآيات القرآنية. يُفصّل ذلك في المقطع الثاني الذي يؤكد على طاعة ولاة الأمور في طاعة الله ورسوله والمباحات.

حدود طاعة ولاة الأمور

يُبيّن المقطع الثاني وجوب طاعة ولاة الأمور حتى لو كرهت النفس، ويشرح قاعدة الضرورات تبيح المحظورات بشروطها الشرعية، مؤكدًا على عدم طاعتهم في المعصية.

حكم قراءة القرآن بالأحرف الأعجمية

يناقش المقطع الثالث حكم قراءة القرآن الكريم بالأحرف الأعجمية، ويخلص إلى المنع من ذلك لما يترتب عليه من مفاسد، ويشدد على أهمية تعلم اللغة العربية لقراءة القرآن وفهم الدين.

ختام الدرس والدعوة للاستمرار

ينتهي الدرس بسبب انتهاء الوقت مع الإشارة إلى استمرار الدروس في المستقبل ودعوة لاشتراك المشاهدين في القناة.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله في باب غلظ تحريم الغلول، وما مر من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقد أشار على قاعدته إلى تخريجه في صحيح البخاري. واللفظ لفظ البخاري. وقد أخرجه من طريق شيخ مسدد، فقال رحمه الله: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن أبي حيان، قال: حدثني أبو زرعة، قال: حدثني أبو هريرة رضي الله عنه. ومما يناسب ذكره في معنى هذا الباب ما جاء في صحيح مسلم، وانفرد به من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في الرجلين ماتا، فقال بعض الصحابة: شهيد، شهيد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلا، إني رأيته في النار في بردة أو عباءة غلها». في بردة أو عباءة غلها. ففيه تحريم الغلول، وكذلك شدة العذاب به، حتى إن الشهيد قد يحرم الشهادة، والمقاتل في سبيل الله قد يحرم فضل القتال في سبيل الله بسبب هذه المعصية. وهكذا كذلك انفرد الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر بمعنى حديث عمر بن الخطاب. وقد رواه الإمام البخاري معلقا، وفيه القصة المتقدمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو في النار»، فنظروا، فإذا هو قد غل بردة أو عباءة. ففيه ما تقدم من غلظ تحريم الغلول، وكذلك أنه ربما أحبط الجهاد في سبيل الله. وفي هذا الباب كذلك من الأحاديث من فرد به الإمام مسلم، كذلك من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول». وهذا ممن فرد به الإمام مسلم. وفيه كذلك غلظ تحريم الغلول، وأن من غل، لا تقبل الصدقة من غلول. وهكذا مما في معنى هذا الباب كذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فيما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أن نبيا من الأنبياء غزى، فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة، ولم يدخل بها، وهو يريد أن يبني بها، أو رجل بنى بنيانا، ولم يرفع سقفها - إلى آخر ما ذكر - وفيه أنه وقع الغلول، فأمره الله عز وجل أن يصافح كل طائفة، حتى قبضت يده يد رجل منهم، فقال: فيكم الغلول. فالرجال، فقال: فعرفه أنه هو الذي غل. فأنزل الله عز وجل نارا، فحرقت ذاك الغلول مع الصدقة مع الغنيمة. فالغلول محرم، ليس في هذه الملة فقط، والدين، بل في سائر الملل، وعند كل الأنبياء وشرائعهم، فهو كبيرة عظيمة من الكبائر. والحديث الذي بعده، والباب الذي بعده باب تحريم هدايا العمال. كذلك مر معنا الحديث، وعلى قاعدة المؤلف، لفظ الحديث لفظ الإمام البخاري. وقد أخرجه في الباب المشار إليه، فقال رحمه الله: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عروة، عن أبي حميد - فذكر الحديث بلفظه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية. قال: حديث بن عباس رضي الله عنهما: «أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم». قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية. قال: أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: وحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال... أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة». أخرجه البخاري بكتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية. أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب، وهذه الأحاديث الثلاثة، وما سيأتي إن شاء الله من أحاديث، ومناسبة ذلك لهذا الكتاب، كتاب الإمارة، ظاهرة. فمن أحكام الإمارة وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها - أي الطاعة - في المعصية. ثم أورد هذه الأحاديث، أولها حديث ابن عباس، وعلى قاعدته، فالتبويب على ما بويب على صحيح مسلم، ولفظ الحديث لفظ الإمام البخاري. وقد أخرجه في الباب المشار إليه، فقال رحمه الله: حدثنا صدق بن الفضل، قال: أخبرنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - فذكره. وأخرجه البخاري في باب قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال البخاري في أولي الأمر: قال: ذوي الأمر. والحديث الثاني أخرجه كذلك البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا عبدان، قال: أخبرنا عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه - فذكر الحديث بلفظه. والحديث الثالث كذلك أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: حدثني نافع، عن عبد الله - فذكر الحديث بلفظه. وهذه الأحاديث الثلاثة، كما نرى، تدل على هذا المقصود من الأمر بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله، وعدم طاعتهم في معصية الله. فإنما الطاعة بالمعروف، فأما الحديث الأول، حديث بن عباس، أنها نزلت - أي الآية - ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، وفيه قصة. والشاهد أن الآية فيها أن الطاعة إنما بالمعروف، ولا طاعة في المعصية. وهذه الآية، كما تقدم في دروس سابقة، فيها الأمر بطاعة الله، وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، على وجه الاستقلال، وطاعة أولي الأمر على وجه التبعية. وذلك لأن طاعة أولي الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله. فإذا كانت طاعتهم في غير طاعة الله ورسوله، أي في معصية الله، فلا طاعة لهم. وتقدم معنا أن ما يأمر به ولاة الأمور من العلماء والأمراء ينقسم إلى ثلاثة أقسام. فأولي الأمر هم العلماء والأمراء، والأمراء تبع للعلماء، فهو ثلاثة أقسام: ما كان من طاعة الله ورسوله، فيطاعون. وما كان في معصية الله ورسوله، فلا يطاعون. وما لم يعلم أنه من طاعة الله ورسوله أم لا، فالأصل في هذا طاعتهم، ما لم يتبين خلافه. وتقدم معنا الإشارة إلى هذا المعنى في دروس سابقة. وهكذا كذلك الحديث فيه سبب نزول الآية، وهو يدل على هذا المقصود. والحديث الثاني، حديث أبي هريرة رضي الله عنه، كذلك فيه معنى هذا التبويب. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني، فقد أطاع الله. ومن عصاني، فقد عصى الله». فطاعة النبي صلى الله عليه وسلم من طاعة الله، لأنه لا ينظر عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، كما أخبر الله عنه سبحانه. ولأن طاعته من الهدى الذي أمر الله به: ﴿إِنْ تَطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. ومن عصاني، فقد عصى الله كذلك. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾. فطاعة رسوله من طاعة الله، ومعصيته من معصية الله. وقوله: «ومن أطاع أميري، فقد أطاعني. ومن عصى أميري، فقد عصاني». يعني ما دام أمر الأمير بطاعة، فيعلم بذلك أن ما أمر به الأمير من طاعة الله، فهو تأكيد لطاعة الله. وما أمر به مما لا ينافي معصية الله، وإن كان ليس مما أمر الله، فهو كذلك من طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو طاعة لله. فدخل الأول والثاني في طاعة الله ورسوله، وخرج الثالث، وهو ما إذا أمر الأمير بمعصية، فإنه لا يطاع في ذلك. لأن الطاعة إنما هي بالمعروف، كما سيأتي إن شاء الله. والحديث الثالث يدل كذلك على هذا المعنى، من الأمر بطاعة الله ورسوله، وطاعة الأمير في طاعة الله ورسوله، وعدم طاعته في معصية الله. ففيه الأمر بالقسم الأول والثاني، وكذلك أنه عن القسم الثالث - أي إذا أمر بمعصية - قال عليه الصلاة والسلام: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يأمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة». وفي هذه الجملة: «فيما أحب وكره»، فيه أنه يطيع، ولو خالفت الطاعة هوى نفسه، وكرهت نفسه ذلك. لأن العبرة بعدم الوقوع في المعصية. فإذا لم تقع المعصية، فتجب الطاعة. فإذا كان هذا فيما ليس بطاعة لله ورسوله، فمن باب أولى إذا كان طاعة لله ورسوله. ففيه تأكيد وجوب الطاعة، حتى فيما لم يأتي الشرع بالأمر به، فتجب طاعتهم فيه، ما دام ليس بمعصية. ولهذا قال: «ما لم يؤمر بمعصية». فعلم أن المستثنى هو المعصية. فالمباح إذا أمر به ولي الأمر، صار واجبا. المباح إذا أمر به ولي الأمر، صار واجبا، وطاعته من طاعة الله ورسوله. ولا شك أنه لن يأمر بالمباح، إلا أن تقتضيه مصلحة. فالمستثنى هو المعصية فقط. فأكده عليه الصلاة والسلام بقوله: «فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة». ففي هذه الأحاديث الثلاثة الأمر بطاعة ولاة الأمور في القسمين الأولين: فيما إذا كان من طاعة الله ورسوله، وكذلك إذا لم يكن في معصية الله، من المباح والمستحب، وما كان بمعناه، فتيب كذلك فيه الطاعة. قد يكون هو في نفسه ليس بواجب، لكن بأمر الأمير يصير واجبا، فيطاع في ذلك. بل قد يكون مباحا، ليس فقط مستحب، قد يكون مباحا، بأمر الأمير يصير واجبا. بل قد يكون دون المباح، مما لم يتعلق به أمر، ولا حتى إباحة، فهو عفو. ومع ذلك إذا أمر به الأمير، فهو كذلك يصير أمرا، وطاعة. مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريضة». صلاة العصر في بني قريضة، ليست من المستحبات، ولا يعني في ذاتها، ولا كذلك مما نص الشرع عليه من المباحات. بل لو فعل ذلك الإنسان لكان تكلفا. يعني لو قال إنسان: أنا سأصلي هناك، سأحرص. قلت: هذا تكلف، وحرصك على هذا يحتاج إلى دليل. لكن ما دام أمر به الأمير، فتجب الطاعة. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، فبادروا إلى ذلك، حتى إن بعضهم لم يصل إلا هناك، بعد فوات الوقت، مبالغة في طاعة الأمر، وامتثاله. وهكذا كذلك يقال في كل طاعة أمر بها ولي الأمر. وفي هذه الأحاديث كذلك ما تقدم من عدم الطاعة في معصية. قال: بغير معصية، وتحريمها في المعصية. يعني تحريم الطاعة في المعصية. والأحاديث الثلاثة تدل على هذا المعنى. وكذلك في هذه الأحاديث الأمر بالطاعة، ولو كرهت النفس، لقوله: «فيما أحب وكره». أما فيما أحب، فلا إشكال. ولكن الإشكال فيما كره. فإن من الناس من يظن أن كراهته معذر له، خصوصا إذا أمر بالمباح. وليس الأمر كذلك، بل ينبغي أن يطيع. بل ربما قد يأمر بما هو - كما قلنا - فوق المباح، قد يكون الأمر مكروها للأنفس، بل وربما في أحوال أخرى مكروهة شرعا، لكن لمصلحة ما، قد يأمر الأمير به، لما تقتضيه الشريعة، ما دام ليس بمعصية. ما دام ليس بمعصية، كالأحوال التي تقتضيها أوقات الشدة. فإن الأحوال التي تقتضيها أوقات الشدة، يطاع الأمير في ذلك، ولو على حساب كراهة النفس. وكذلك ومن ذلك الطاعة فيما قد تقتضيه المقام عند الضرورة، أو يقتضيه المقام عند الضرورة. فالضرورات تبيح المحظورات، الضرورات تبيح المحظورات، لكن بالقيد المعروف: بشرط عدم نقصانها عنها. وهذا الباب، الناس فيه طرفان ووسط. منهم من لم يعمله، ومنهم من يتوسع في إعماله، وكلاهما على خطأ. والصواب من يعمله بقيوده الشرعية. الضرورات تبيح المحظورات، بشرط عدم نقصانها عنها. فإذا كانت الضرورة حقيقية، فهي تجيز المحظورة، لكن بشرط عدم نقصانها عنها. فمثلا إذا أمرك الأمير أن تقتل المسلم، فهنا هل هذه ضرورة؟ إذا كانت ليست بضرورة، فلا يجوز. وإن كانت ضرورة، فينظر: هل هي ضرورة أعظم من هذا الأمر الذي سيقترف، وهو هذا القيد: بشرط عدم نقصانها عنها؟ فإن كان كذلك، فنعم. كالمسلم يتترس به الكافر، فليس هو المقصود لذاته، المقصود الكافر. فهنا إذا لا يمكن إلا ذلك، فالضرورات تبيح المحظورات، بشرط عدم نقصانها عنها. وليس منه نزاع الأمراء على الكراسي فيما بينهم، على حساب ذلك، يكون قتل المسلمين بعضهم بعضا. فهذا ليس من الضرورات تبيح المحظورات. فليست نفسك أعز من نفسه. فلذلك لا يجوز، لا يجوز ذلك، حتى ولو بغى. فالبغي يدفع بغير القتل، كما نص عليه العلماء: أن البغاة يقاتلون بما يندفع شرهم، بغير القتل، ما أمكن ذلك. فإن لم يندفع إلا بالقتل، فهو قتل لدفع صولة الصائل، لا قتل مقصود لذاته، ولكن قتل مقصود منه دفع الشر. فإذا لم يندفع إلا بذلك، فنعم. كالرجل يقتل دون ماله، ونفسه، وعرضه، فهو شهيد. لا يريد القتل، فإذا لم يندفع إلا بالقتل، فإنه يدفعه، ويرده، ولو كان بالقتل. وهكذا هناك تفاصيل كثيرة، إذا لم تضبط بالضوابط الشرعية، فالناس قد يقعون في المحظور الشرعي. فمثلا لو أمرك الأمير أن تقتل نفسك، فهل هذا من طاعة الأمير في طاعة الله، أو معصية الله؟ الجواب: الثاني. فلا يجوز لك أن تقتل نفسك. وأما قول من يقول: أن قتال الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وما نزل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وأنها معناها بترك القتال، لا بالإقدام، ورمي النفس في أوسط العدو. فليس معناه قتل النفس المحقق. فرق بين أن يدخل المسلم مقاتلا، شجاعة في صفوف العدو، فهو لا يقتل نفسه، وإن قتل، يقتل بسيف العدو. وبين أن يلغم نفسه، ويفجرها، ويزعم أنه ممن فعل كما فعل الصحابة. وهذا فهم خاطئ. ولهذا كان هذا الصنيع في الحقيقة من قتل النفس، والانتحار المحرم الذي لا يجوز. هذا السائل يسأل، يقول: هل يجوز حفظ القرآن، وقراءته قراءة اللفظية، بما يقابلها من الأحرف الأعجمية؟ وهل هذا من البدع؟ جزاكم الله خيرا. بعض العلماء أفتى، أمثال هؤلاء، بجواز ذلك عند عدم معرفة القراءة باللغة العربية، تسهيلا لهم، وتيسيرا. ومنع من ذلك جماعة من أهل العلم. والواقع يصوب فتوى قول من منع من ذلك، لأمور. أولا: تصورتم السؤال، أم لا؟ يعني مثلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، إذا كانت باللغة الإنجليزية مثلا، فسيكتبونها: حرف الألف A، واللام L، والحاء H - الذي هو ها - الهمد لله. فإذا سيحفظ الأعجمي: الهمد لله رب العالمين. رب العالمين. العين سينطق ماذا؟ A. سينطق A. الهمد لله رب العالمين. فهل هذا يؤدي المقصود من اللغة العربية؟ لا. وكيف إذا علم أن بعض اللغات تفتقر إلى حروف تؤدي المقصود؟ وما أكثر الحروف التي لا يوجد لها نظائر في اللغة الأعجمية من لغة العرب؟ فلا يوجد في لغة العجم حرف الحاء، ولا حرف الخاء. فالخاء ينطق ك: خالد، خالدين. سيقولون ماذا؟ كالدين، كالدين. ولا يوجد حرف الغين، ولا حرف العين، ولا حرف كذلك الثاء، وأشياء كثيرة. فالمهم لأمور كان قول من قال بالمنع هو الأحوط، من هذه الأمور: أولا، أن هذا يعجز هؤلاء من تعلم اللغة العربية، فيتقاعص الكثير عن تعلم اللغة العربية، اكتفاء بهذه الفتوى في قراءة القرآن. أكثرهم لا يهمه تعلم اللغة العربية، إلا لقراءة القرآن فقط. مع أن هذا الفهم خطأ. فالمسلم يحتاج لتعلم اللغة العربية لقراءة القرآن، ولفهم دينه. إذ أن هذا الدين نزل باللسان العربي المبين. فهو يحتاج أن يتعلم اللغة العربية. والمسلم الذي لا يتعلم اللغة العربية، في الغالب لا يرتقي في مراتب الإيمان، وكذلك منازل الإسلام، فيبقى على ما هو عليه، إلا من رحم الله. حلاوة الإيمان لا يجدها، لأنه لا يقرأ إلا بلسان قومه. ولا شك أن الترجمة، مهما أحسن فيها المترجم، لن يكون مثل الأصل. هذا إذا سلمت من الخطأ. والأمر الثاني، وهو أعظم: أن الله تعبدنا بألفاظ القرآن الكريم، فألفاظ القرآن متعبد بها، فهي كلمات وأحرف، تكلم بها الله رب العالمين. ولهذا لا يجوز أن يروى القرآن بالمعنى. وهذا المتعبد به، هل بالأحرف الأعجمية، أم بالأحرف العربية؟ بالأحرف العربية. ولهذا ينبغي على المسلم، بل نص العلماء أنه يجب، خصوصا فيما يتعلق بفرائض دينه، كالصلاة، أن يتعلم القرآن باللغة العربية. فلا يجوز له أن يقرأ سورة الفاتحة بما يقابلها من الأحرف الأعجمية، أبدا. لا يجوز. بل يجب أن يقرأها بأحرفها العربية. يجب. لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث، حتى يتوضأ. لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. صار من شروط الصلاة، مثل الطهارة. الطهارة تبطل الصلاة، والفاتحة - الصحيح - أنها تبطل الصلاة. الفاتحة إذا لم تقرأ، تبطل الصلاة. والأمر الثالث، كذلك في هذه الطريقة مفسدة، بل مفاسد تترتب من جهة النطق الخاطئ، والتفسير الخاطئ، وكذلك الفهم الخاطئ لهذا الدين. فالكثير من هؤلاء الذين يكتفون بهذه الترجمة اللفظية، يعرضون تمام الإعراض عن أصل القرآن، وكذلك مثله في تعلم هذا الدين. حتى أخبرت أن بعضهم صار يترجم التسبيح، والتكبير، والتشهد، وكل شيء، بهذه الكتابة الحرفية، باللغة الأعجمية. فصار عند بعضهم صفة الصلاة بهذه الطريقة. ولا شك أنه إذا دار على الناس زمان، سيحصل تحريف كبير. اليوم في النطق، وغدا في تغيير الكلمات القرآن، وهو محفوظ. قد يحصل في بعض الطبعات خطأ، فمن الذي يميز هذا الخطأ؟ الحفاظ والعلماء يقولون: هذه الطبعة فيها خطأ. فتحجر، وتحجر. لكن إذا فتح مثل هذا الكتاب في قوم لا يعرفون العربية، وليس فيهم حافظ للقرآن، وهكذا كذلك ليس عندهم أصل القرآن، حتى أصل القرآن غير موجود، حتى يعرف عليه، فيتجر الناس على مثل هذا، فتحصل أخطاء تتتابع عليها أمم من الناس. فلذلك، ولغيره، كان الأحوط سد هذا الباب، وإغلاقه. ويعلم الناس أن الواجب عليهم أن يتعلموا دين الإسلام باللغة العربية، وأن يقرأوا القرآن باللغة العربية. ومن لم يعرف، ولم يتعلم، يعلم. وأما كونه أنه يعين، فيقال: هذه لعانة، في الحقيقة تفسد، ولا تصلح. ومفاسدها أكثر من مصالحها. ولو قدر أن فيها مصلحة، فهي مؤقتة، وقليلة، أمام المفاسد المترتبة على ذلك. والقاعدة الشرعية المعروفة، المعلومة، تقضي بأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. والله تعالى أعلم. ما رأيكم؟ عندكم شيء زائد في هذا؟ نمكن يوضع رابط للمسلمين عموما في المواقع كلها، سورة الفاتحة ينزلها في أي مبثري صغير، يسمعها، ويكررها مئة مرة، سيحفظها. يوجد إذا حرص المسلم، يوجد مواقع لتعلم اللغة العربية، من غير معلم. ذكر لي الإخوان في هولندا عن رجل بولندي، تعلم الإسلام، واللغة العربية، وهو في بولندا، ما أحد علمه. كيف ذلك؟ ذلك أنه أتى بحث في الإنترنت عن الإسلام، أولا، فتعرف على الإسلام بلغته، ثم باللغة الإنجليزية، ثم عرف أن الإسلام باللغة العربية، فاحتاج أن يتعلمها. فبحث، فوجد موقع يعلم اللغة العربية، تبع الجامعة الإسلامية، بالصوت والصورة، فتعلم اللغة العربية من هذا الموقع. فجاء إلى إخوانه السلفيين، وهو عرف الإسلام، عرف اللغة العربية، عرف المنهج السلفي. توفيق من الله. يعني كل شيء ما شاء الله. إذا حرص عليه الإنسان، سيجده. فلا شك أن بعض الناس قد تواجههم صعوبات، وهذه الصعوبات تذلل باجتهاد الإنسان، تذلل باجتهاد الإنسان. لكن إذا قيل للناس: يجوز أن تقرأوا القرآن بهذه الطريقة، تقاعصوا، وعجزوا. تقاعصوا، وعجزوا. والله ما تعبدنا بقراءة القرآن إلا باللغة العربية، باللغة العربية. أما تقرأه بالأحرف الإنجليزية، تقرأ القرآن بالأحرف الإنجليزية، تقرأ خطأ. نعم. الله أعلم. نكتفي هذا اليوم بهذا. والله تعالى أعلم. نعم. نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، ونترك الباق إن شاء الله إلى دروسنا اللاحقة. نعم. لانتهاء الوقت. اشتركوا في القناة.