المحاضرة بعنوان تمام التسليم يكون بتمام المتابعة والعكس بالعكس، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يجب على المؤمنين اتباع الكتاب والسنة وعدم التقدم بين يدي الله ورسوله، وتحذير من يخالف أمر الله ورسوله من الفتنة والعذاب الأليم. يُشدد على أهمية الرضا بشرع الله وسنة نبيه.
يشرح أهمية توافق العمل مع الشرع والإخلاص لله، ويضرب أمثلة على أعمال تفتقر إلى الإخلاص أو المتابعة، مما يجعلها غير مقبولة عند الله. يُبين أن النبي أمر بهدم مسجد بسبب نية أهله السيئة.
يُحذّر من أن العمل قد يكون سببًا للعذاب إذا لم يكن خالصًا لله وموافقًا لسنة رسول الله. يُشدد على أهمية فحص الأعمال لضمان خلوصها لله وموافقتها للسنة النبوية.
يتضمن دعاء للتوفيق لطاعة الله ومتابعة رسوله، ويطلب الإخلاص في الأعمال. يُشير إلى أهمية متابعة الرسول ويختم بالحمد لله رب العالمين.
يا أيها الذين آمنوا، لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، واتقوا الله. جاء عن ابن عباس، وجاء كذلك معناه عن بعض تلامذته كمجاهد رحمه الله تعالى: أي لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. وجاء: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضي الله على لسان رسوله ما يشاء. فلا ينبغي أن تتقدم بين يدي الله ورسوله، يعني أنت حقك المتابعة، ليس حقك الابتداء. فلا تبتدئ بعاطفة ولا برأي، ولا كذلك بهوى، بل ينبغي عليك أن يكون عندك تمام التسليم والرضا بشرع الله سبحانه وتعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام. فإذا كان كذلك صلح أمرك وحالك في الدنيا وفي الآخرة. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. إن تمام التسليم يكون بتمام المتابعة، والعكس كذلك بالعكس. إن من لم يكن عنده تمام المتابعة لم يكن عنده تمام التسليم، فيخشى على إيمانه، بل يخشى عليه من عذاب الله وسقطه في الدنيا وفي الآخرة. كما قال سبحانه: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. ويقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾. قد يكون المشاقق والمخالف عن الأمر والخارج عن الطاعة عنده نية حسنة، لكنه لم يكن عمله موافقا للشرع، إما باختلال شرط الإخلاص أو باختلال شرط المتابعة. فإن هذا لا ينفعه. انظر إلى أولئك القوم الذين بنوا مسجدا كما سمعتم، مسجد يريدون به -كما زعموا- أنهم يصلون فيه بالليلة الشاتية والباردة، ولكنهم في الحقيقة إنما بنوه عدوانا ونفاقا، وأرادوا به الصد عن سبيل الله والتفريق للمسلمين. فلما علم الله عز وجل بأمرهم أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بهدمه وعدم الصلاة فيه، مع أنه مسجد، وقد بني -كما قيل- أن هذا المسجد يجعل للمسلمين لا مدام بني ولم يرد به وجه الله. أمر ربنا جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم أن يهدمه: «لا تقم فيه أبدا، لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه». وهكذا كذلك أولئك النفر الثلاثة -كما في حديث أنس في الصحيحين وحديث عائشة في الصحيحين- عملوا ما عملوا من أعمال ولهم نيات حسنة، يريدون الأجر. أحدهم قال: سأصوم ولا أفطر. وآخر قال: أصوم ولا أفطر. والآخر قال: لا أتزوج النساء يريد التفرغ للعبادة. والآخر قال: أصلي ولا أنام -يعني في الليل-. فبلغ ذلك إلى نبيه عليه الصلاة والسلام، قال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني». فلا يكفي، يا عبد الله، أن تكون عندك نية حسنة إذا كان عملك ليس خالصا لله ولا موافقا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن العمل قد يكون سببا لعذابك، ليس لثوابك. وقد يكون سببا كذلك لحصول العقاب العاجل قبل الآجل، في الدنيا قبل الآخرة. فالحذر الحذر، عباد الله، الحذر الحذر من أن نبطل أعمالنا ونحن لا نشعر، وأن يكون في شيء مما نتقرب به إلى الله سببا لعذاب الله عز وجل وسخطه وغضبه. وقد سمعتم قصة الثلاثة الذين هم من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. فلنفتش على أعمالنا ولنفتش على أقوالنا أن نجعلها خالصة لله سبحانه وتعالى، موافقة لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن ذلك هو الذي ينفعنا. وكم من إنسان ربما يقول: أنا أحب الله وأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن جهل هذا أو نسي أن حقيقة الحب تقتضي تمام الطاعة وتمام المتابعة. ويروى عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه قال: «ادعى قوم حب الله وحب رسوله عليه الصلاة والسلام، فامتحنهم الله بهذه الآية: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور الرحيم﴾». أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لطاعته ولمتابعة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن يخلص لنا أعمالنا، وأن يجعلنا ممن يتابع رسوله صلى الله عليه وسلم تمام متابعة. والحمد لله رب العالمين.