شرح خمسون حديثا في العقيدة 34

شرح خمسون حديثا في العقيدة 34

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 34، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل العلم وأهمية العلماء

يتناول أهمية العلم وأهل العلم في المجتمع، ويشير إلى أن العلماء ورثة الأنبياء. موتهم يسبب فساد الأمم.

وجوب طاعة ولاة الأمر وحدودها

يوجب الإسلام طاعة ولاة الأمر المسلمين بالمعروف، ويحذر من الخروج عليهم إلا في حالة الكفر البواح مع مراعاة المصلحة والمفسدة.

الجمع بين العلم والعمل الصالح

يؤكد على أهمية الجمع بين العلم والزهد في الخير، ويبين أن العلم يحافظ على أداء العبادات بشكل صحيح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث الرابع والثلاثون. قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم، قال: حدثنا عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثنا عمر بن الحارث، قال: حدثني بكير، عن بسر بن سعيد، عن جناد بن أبي أمية، قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، فقلنا: حدثنا أصلحك الله بحديث ينفع الله به سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان. هذا الحديث كذلك من الأحاديث التي يهتم بها أهل السنة والجماعة ويعتمون به؛ لما فيه من إشارة إلى أصل من أصولهم، وهو عدم الخروج على ولاة الأمر المسلمين. ولهذا يكثرون ذكره في كتب الاعتقاد وفي كتب السنة للتنبيه على ذلك والتحذير من فتنة وبدعة الخوارج الذين خالفوا مثل هذا الحديث وما كان بمعناه. وفي هذا الحديث مجموعة كبيرة من الفوائد، من أهمها أولا: فضل أهل العلم وأهمية وجودهم في المجتمع؛ فهم دواء الأمراض وعافية الأجساد. وكما أن الأجساد تتعافى مما يصيبها من أدواء بالعقاقير والأعشاب، فكذلك الأرواح -أرواح هذه الأجساد- تداوى بما عند أهل العلم من الوحي الذي أنزله الله جل وعلا من السماء. فالعلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر. ولهذا كان فساد الأمم ودخول الشر عليها وذهاب الخير منها بموت العلماء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». هؤلاء الجماعة من التابعين دخلوا يعودون عبادة بن الصامت رضي الله عنه في وقت الفتنة، وهو في مرضه رضي الله عنه وأرضاه، قالوا: حدثنا بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ يعني تكون لنا فيه نصيحة. فانظروا ماذا اختار لهم رضي الله عنه وأرضاه؟ اختار لهم الدواء للداء الذي هم فيه. وهكذا ينبغي للعالم أن يحدث الناس بما يحتاجون، ويكون في ذلك نفع في حديثه. وها نحن ننتفع بهذا الحديث إلى يومنا هذا. حديث عظيم عن النبي عليه الصلاة والسلام، وفيه كذلك أهمية سؤال أهل العلم والرجوع إليهم عند الفتن؛ فالرجوع إلى أهل العلم عند الفتن هو المأمور به شرعا، الذي أمرنا به كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وفيه كذلك من الفوائد ما يتعلق بالحديث: وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر المسلمين، ولكن كما سبق ومر معنا قريبا: بالمعروف، فإن أمروا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة بالمعروف، لا طاعة في معصية الله. وفيه أن هذه الطاعة في كل الأحوال، ليست موسمية كحال أهل التحزب الذين عندهم نزعة حزبية خارجية، فعندهم طاعة في موضع وخروج عنها في موضع آخر؛ إذا كانت المصلحة الدنيوية معهم فإنهم يظهرون الطاعة نفاقا ورياء. فهذا ليس من طريقة أهل السنة، بل الطاعة في المنشط والمكره -يعني دائما-؛ لأن ذلك دين يدين الله عز وجل به، ليست سياسة مجاملة. يكفرونهم من على المنابر بالعموم، ويعينونهم بالأعيان والأشخاص في المجالس الخاصة، ثم بعد ذلك يدعونهم إلى زواج جماعي، عرس جماعي، افتتاح مدرسة، قص شريط لجمعية، حضور إفطار صائم، وافتتاح مسجد، حفر بئر، ونحو ذلك مما هو نفاق ورياء وسمعة. تناقض عجيب. وهكذا إذا كانت مصلحة وغرض سياسي وهدف يصلون به إلى أغراضهم، وكذلك مثل هذه المهرجانات في المقاطعة، ما من حدث يحدث في الدنيا إلا ويحاولون استغلاله فيما يكون فيه مصلحتهم، ولو على حساب مبادئهم، من مبادئهم تكفير الحكام جملة وتفصيلا. ولكن انظر إلى هذه المبادئ كيف تضيع في تلك الأغراض السياسية والأهداف الخاصة. وأما أهل السنة والجماعة فهم أبعد الناس عن مجاملة الحكام وعن الوصول إلى أبوابهم والتزلف والتملق والتقرب إليهم، ومع ذلك لا ينزعون يدا من طاعة؛ يطيعونهم في طاعة الله، ويعتبرون ذلك ديانة وقربة إلى الله، ليس لسواد عيونهم، ولا كذلك تزلفا وتقربا لمناصبهم، ولا لأموالهم، ولكن دين يدينون الله به؛ لأن الله أمر به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يأمر الناس، بل أمر الله جل وعلا به في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. ولأن ذلك فيه المصلحة الخاصة والعامة كما سبق، فلا يتم ولا يستتب الأمن في بلد إلا بأن تستتب الولاية لولاة الأمر فيها؛ فإن نازع الولاة وهيج الناس ذهب الأمن وضاعت الحقوق وانتُهكت الأعراض وسُفكت الدماء، وحصلت في ذلك المفاسد الكثيرة، فيضيع الدين والدنيا، ليس فقط الدين، بل الدين والدنيا. فلأجل ذلك هم يستجيبون لأمر الله وأمر الرسول عليه الصلاة والسلام، مع ما يرون مما يكرهون من مخالفة الدين، من فسق وفجور ومخالفات شرعية وخروج عن حدود الله، لكن يعرفون أن مصلحة الاجتماع أعظم من التفرق؛ فالتفرق شر، فرق شرع، فهم يدينون الله جل وعلا به. وبهذا جاءت الأحاديث: في منشطنا ومكرهنا، ويسرنا وعسرنا، في كل وقت، وأثرة علينا، حتى لو حصل ظلم. لا يقول القائل كحال هؤلاء التكفيريين: إذا سجنوا أو أوذوا أو ظلموا فأخذ بعض أموالهم أو فعل وفعل اندفعوا إلى التكفير والتفجير، وهذا خطأ. بل لو وقع مثل ذلك: الصبر، الصبر؛ فالله يحكم بين العباد في الدنيا وفي الآخرة. كم من ظالم أخذه الله جل وعلا في الدنيا قبل الآخرة، وآتاه جزاءه في الدنيا قبل الآخرة؟ فإن الله يمهل ولا يهمل سبحانه وتعالى، وقد أرى الناس في ذلك آيات وعبر. وليس ذلك يدفع أحدا إلى الميل إلى مذهب التكفير والتفجير. ومع ذلك فإن أهل السنة يحذرون الراعي والرعية؛ يحذرون الراعي من الظلم، ويحذرونه كذلك من الجنوح عن الصراط المستقيم؛ لأن ذلك من دواعي ومهيجات فكر التكفير. ومع ذلك يحذرون الرعية من الأخذ بهذه الطريقة، بل نصبر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وإن جلد ظهرك وأخذ مالك، تصبر وتعرف أن ذلك لا يدفعك لأن تكفرهم، ولا أن تخرج عليهم؛ لأن مفسدة ذلك أعظم، مفسدة ذلك أعظم، مفسدة العامة الشر يشمل الجميع: الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والدين والدنيا. لكن أن يذهب بعض المال وتبقى أمر المسلمين في أمن وأمان هذا هو المطلوب شرعا». وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، لا ينازع ولاة الأمور فيما هم فيه. ومن المنازعة هذه الانتخابات، وهذه من المنازعة. ومن المنازعة كذلك الانقلابات، كل هذا مما لا يجوز شرعا، والمظاهرات ونحو ذلك مما هو ليس من هدي أهل الإسلام، بل هو من هدي أهل الكفر، كل ذلك لا يكره أهل السنة والجماعة؛ لأنه مناف لعقيدتهم التي دلت عليها الأدلة الشرعية الكثيرة. ثم قال: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان». ومعناه: إذا رأيتم كفرا بواحا فإنه لا يلزمكم الطاعة. إذا رأيتم كفرا بواحا فلا تلزمكم الطاعة، ولا يلزم من رؤية الكفر البواح الخروج، وهذا خطأ. لكن معناه: إذا كانت المصلحة تقتضي الخروج عند رؤية الكفر البواح فذاك، وإلا فلا؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وارتكاب أخف المفسدتين لدفع أشدهما ضررا من أصول هذا الدين. فلا يجوز لأهل المسلمين الخروج على ولي الأمر الكافر -نقول الكافر- إذا كان يترتب على ذلك مفسدة أعظم من هذه المصلحة المرجوة، وهو حصول حكم مسلم، فكيف إذا كان مسلما؟ فإذا كان مسلما فهذا أشد وأشد، بل هذا حكمه بالإسلام أن يقتل كما مرت معنا الأحاديث في ذلك. فالخلاصة: هذا الحديث يفيدنا وجوب الطاعة والاستمرار عليها في كل الأحوال، وأن الطاعة هذه قربة، ليس لتزلف ولا لشيء. بل أهل السنة من أبعد الناس عن التزلف، ومع ذلك فهم يعملون بالطاعة، وأن هذه الطاعة تكون في حدود طاعة الله، وأن هذه الطاعة تجب ما دام وجد الإسلام، إلا أن تروا كفرا بواحا، أي: لا يلزم الطاعة. وبهذا نكتفي، والحمد لله رب العالمين. أيما أعظم: الصدقة عن طلب العلم، والصلاة عن طلب العلم، والصيام عن طلب العلم؟ لماذا؟ لأنه فرض، لو كان بمستحب، لو كان بمستحب: أيما أعظم الصلاة -أعظم- إذا كان صلاة نافلة، وعلم نافلة، علم مستحب، أيما أعظم نافلة الصلاة؟ فما الجواب؟ توافقها أو لا توافقها؟ نافلة طلب العلم أفضل من نافلة الصلاة والصيام والصدقة، وفريضة طلب العلم أفضل من فريضة الصلاة والصيام والصدقة. نعم، ولهذا قال البخاري رحمه الله: «باب العلم قبل القول والعمل»، العلم قبل كل شيء. فإذا كان كذلك، فمن وفق لمجلس العلم فقد وفق لخير كثير، ومن فاته شيء فقد فاته -والله- شيء كثير. فلنعلم أن العلم أعظم القربات التي يتقرب بها إلى الله جل وعلا، هذا من حيث الفضل، ومن حيث السلام من الفتن؛ ليس شيء يسلم من الفتن مثل العلم. ولا يزال الإنسان حريصا على العلم، ولا يزال أبعد عن الفتن. ولا يزال حريصا على العلم، ولا يزال حريصا على الخير؛ بالعلم يحرس على الصلاة، وعلى الصيام، وعلى الصدقة، وعلى سائر أبواب الخير والبر. وبالزهد في العلم تدخل عليه الشرور والآفات من جهة الصلاة، ومن جهة الصيام، ومن جهة الصدقة، ومن سائر الأبواب الأخرى.