الدرس في كتاب الإمارة 17، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح حديث جرير بن عبد الله البجلي في فضل الخيل وعلاقتها بالخير، ويشرح الأوصاف المحمودة في الخيل. يربط بين هذه الأوصاف وبين قوة الخيل وتحملها.
ذكر أحاديث في فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، وبين أن الله تكفل لمن جاهد في سبيله بالجنة أو الرجوع إلى مسكنه مع الأجر أو الغنيمة. كل عمل صالح في سبيل الله له أجر عظيم.
يتناول شرح أحاديث نبوية تتعلق بفضل الجهاد وأحكامه، ويبين أن الجهاد ليس واجبًا عينيًا دائمًا بل قد يكون واجبًا كفائيًا. يشير إلى فضل الشهادة والأجر المترتب عليها وبعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالجهاد.
يشرح حديثا نبويا ضعيف السند لكن معناه صحيح، ويبرز دقة الإمام البخاري في فقهه. يبين أهمية فهم معاني الأحاديث بشكل صحيح، خاصة ما يتعلق بوصف دم الشهيد.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الباب السابق باب المسابقة من الخيل وتضميرها، وباب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة أحاديث. ومما يناسب إلحاقه في باب الخيل في نواصيها الخير مما انفرد به الإمام مسلم حديث جرير بن عبد الله البجلي، رضي الله عنه وأرضاه. وقد انفرد به الإمام مسلم، وهو بمعنى حديث أو بلفظ حديث عروة البارقي «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر»، ولكن قال جرير «الغنيمة»، وقال عروة البارقي «والمغنم». ومما يذكر هنا إتماما للفائدة، وانفرد به الإمام مسلم كذلك، وهو يناسب هذا الباب ما رواه من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره الشكال في الخيل. والشكال في الخيل كما في الصحيح في الحديث: أن يكون في رجله اليمنى بياض، وفي يده اليسرى يعني غير ذلك، فهو التخالف في البياض والسواد بين الرجل واليد. والغالب أن الخيل إما أن تكون المقدمة سواء والمؤخرة سواء، وإما أن يكون الجميع سواء، وهذا ليس بمذموم. وإما أن يكون ثلاث سواء وواحد يختلف عنها، خصوصا إذا كان في الأمام يكون فيه بياض، فهذا مما جاء مدحه. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة، رواه أحمد والحاكم والترمذي وابن ماجة بإسناد صحيح، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم المحجل الثلاث مطلق المحجل الثلاث مطلق اليمين، فإن لم يكن أدهم فكميت هذه الشية». ومعنى «خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم»: الأدهم الأسود الذي يشتد سواده، والأقرح الذي في جبهته بياض كالقرحة، وهو دون الغرة. الغرة تكون في الرأس بياض، لكن تستوعب الرأس كاملا في الغالب أو أكثر الرأس. وأما الأقرح يكون في الجبهة، والأرثم الذي في أنفه بياض أحيانا في شفته العليا، والمحجل الثلاث يعني في ثلاث منه بياض، ومطلق اليمين يعني الأمامية ليس فيها تحجيل. «فإن لم يكن أدهم فكميت» والكميت هو الذي بين السواد والحمرة، أو يختلط بين السواد وفيه شيء من الحمرة. وقال «على هذه الشية» يعني على هذا الوصف، والمراد به ما فيه لون يخالف غالب لون الفرس، يعني يكون فيه بقع أو بقعة. وهذان الحديثان جعلهما بعض أهل العلم من أعلام نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، لأن الغالب أن الخيل الذي فيه شكال خيل يتعثر، ولا كما يقول العامة «يجمل»، لا يجمل يكون فيه قصور ونقص. وغالب الخيل المحجلة أو ما فيه ما اجتمعت فيه هذه الصفات: الأدهم أو الأقرح أو الأرثم إلى آخره، تكون لها أثرها في قوة الخيل وتحمله وصبره. واستدل بعض المعاصرين بهذه الأحاديث على علم الجينات، وأن له أثر، فاللون في الظاهر له أثر على الخلق والجسد في الباطن. فإن التخالف في لون الرجل واليد هو كما يقولون يدل على اختلال في الصفات التي يحملها الخيل، يظهر هذا على ظاهره فيؤثر ذلك على كذلك أخلاقه وتحمله وصبره وغير ذلك. ومثل هذا كثير عند العرب، والنبي صلى الله عليه وسلم أقر من ذلك ما أوحي إليه فيه. ففيه كذلك هذا المعنى مما يحرص على الخيل، فالخيل في نواصيها الخير، ويحرص على ما علم بالتجربة والخبرة أنها أنفع، ويجتنب ما علم بالخبرة والتجربة أنها لا تنفع. فكراهة النبي صلى الله عليه وسلم للشكال من الخيل لا ينافي قوله «الخيل في نواصيها الخير»، يعني الخيل تامة الصفات التي ليس فيها عيب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله. قال: حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة». ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيى ثم أقتل ثم أحيى ثم أقتل. قال: أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب الجهاد من الإيمان. قال: حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تكفل الله لمن جاهد في سبيلي لا يخرج إلا الجهاد في سبيلي وتصديق كلماته بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه من أجر أو غنيمة». قال: أخرجه البخاري بكتاب فرض الخمس، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم «حلت لكم الغنائم». قال: حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله، ثم تكون يوم القيامة كهيئتها إذ طعنت، تفجر دما اللون لون الدم والعرف عرف المسك». أخرجه البخاري بكتاب الوضوء، باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الأحاديث في سياق ذكره لأحكام الإمارة، فقال: باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، أي من أحكام الإمارة وما يلحق بها فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، فهو الباب ما يدخل منه ويخرج. والمراد الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة حكم فضل الجهاد والخروج في سبيل الله. وذكر حديث أبي هريرة، وهو فيما أشار لفظ البخاري على قاعدته في الباب المشار إليه. قال البخاري رحمه الله: حدثنا حرمي قال حدثنا عبد الواحد قال حدثنا عمارة قال حدثنا أبو زرعة بن عمر بن جرير قال سمعت أبا هريرة فذكره بلفظه. والحديث الثاني كذلك أخرجه البخاري في الموضع المشار إليه، قال: حدثني إسماعيل قال حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ذكره بلفظه، غير أنه في البخاري بزيادة لفظه «الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة»، زيادة «مع ما نال من أجر أو غنيمة» فسقط هذا من المؤلف في المتن كما ترون. وفي هذا الباب وهذه الأحاديث مسائل من أهمها ما ذكر من فضل الجهاد والخروج في سبيل الله. والجهاد أخص من الخروج في سبيل الله، فالجهاد من سبيل الله وليس سبيل الله هو الجهاد فقط. ولهذا قال: باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله. فالجهاد فيه فضل خاص وهو أعلى خروج في سبيل الله، لأنه فيه بذل النفس والمال لله جل وعلا. والذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والخروج في سبيل الله يشمل كما تقدم ما يكون من خروج لأجل الجهاد، لكن ليس فيه قتال كسرية وما كان بمعناها مما قد ترسل لغير القتال. ويشمل كذلك الدعوة إلى الله وطلب العلم على ما تقدم على الصحيح، ويشمل الحج فهو من سبيل الله. وحديث أبي هريرة الأول فيه هذا المعنى كذلك هذه المسائل الثلاث. وقول «انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرج إلا إيمان» معناه أن الله عز وجل تكفل بتسليم هذا المجاهد، يعني إما أن يرجعه سالما غانما وإما أن يدخله الجنة، فهو كالوعد، فهو وعد من الله جل وعلا. «انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان به وتصديق برسلي»، وفي قوله «لا يخرج إلا إيمان به وتصديق برسلي» أن هذا الوعد هو لمن أخلص لله عز وجل فعمله إيمانا وتصديقا، فإن لم يكن كذلك فهو ليس له هذا الوعد. وفيه كذلك فضل هذا الاحتساب في هذه الأعمال خاصة من الجهاد والخروج في سبيل الله، وهكذا كذلك مما يلحق به من سائر الأعمال الصالحة. وفيه كذلك هذا الوعد والجزاء لمن خرج في سبيل الله وجاهد في سبيله، فالمجاهد في سبيل الله بالسيف والسنان إما أن ينال الأجر والغنيمة أو الغنيمة والأجر أو الأجر والغنيمة، الأجر بما كان من عمله الصالح وبذل نفسه وماله، والغنيمة إن غنمهم ونصرهم، أو أدخله الجنة يعني إن استشهد وقتل في سبيله على هذا الصدق وهذا الإيمان، تكفل الله عز وجل له بالجنة. «لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله». وهكذا كذلك يقال مثله فيما كان في سبيل الله ولو لم يكن قتال بالسيف السنان، فإنه يرجع بأجر. وهكذا كذلك إن مات فهو إن شاء الله في الجنة، يعني من مات في عمله الصالح إن كان يحرس أو كان يدعو أو كان يحج، فيرجى له إن شاء الله بالجنة، لكن جنة ليست كجنة المقاتلين في سبيله. ولهذا هنا جاء الذكر الجنة عام. «ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية»، ومعنى أنه ترك ذلك خشية الإشقاق على الأمة. وفيه دليل كذلك على أن الجهاد في سبيل الله ليس كله واجب عيني، بل منه ما هو واجب كفائي ومنه ما هو واجب عيني. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قعد حتى لا يشق على الأمة، فيظن أنه واجب عيني. وكذلك فيه هذا العمل من السياسة الشرعية، فإن الإنسان قد يترك الأفضل لدفع مفسدة، فالانتقال إلى المفضول ليس نقصا دائما، بل قد يكون هو الأكمل بحسب ما تحتف به من قرائن تقتضي ذلك مثل هذا المقام. فإن النبي عليه الصلاة والسلام ترك ذلك خشية أن يشق على هذه الأمة. وكذلك يقال لمن كان له منزلة قد يكون بفعله يشق على الناس، فيخفف يخفف حتى لا يظن الناس أنه واجب أو يشق على أنفسهم. وقوله «ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيى ثم أقتل ثم أحيى ثم أقتل» يعني لفضل القتل في سبيل الله وعظيم وعظيم ثوابه. وفيه كذلك التخفيف على المسلمين ما قد يقع في نفوسهم من خوف القتل. وهكذا كذلك يكون مثله في الأعمال الشاقة تذكر فيها الأجور وما عده الله عز وجل لعباده تهييجا لهم على الأعمال الصالحة. وفي الحديث الثاني فيه بعض ما تقدم، وكذلك ما وعد الله عز وجل به عباده المجاهدين في سبيله من إرجاعهم إلى مساكنهم مع ما ينالون من أجر أو غنيمة، يعني إذا لم يقتلوا في سبيله. فإن قتلوا في سبيله فهم إن شاء الله في الجنة، وهذا بذلك الشرط المتقدم. فهنا قال: إيمان وتصديق، وهنا قال: «لمن جاهد في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد في سبيله». والجهاد في سبيله كما تقدم هو ما كان لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى. وتصديق كلماته بمعنى تصديق رسله، فالمراد حصول التصديق لما جاءت به الرسل وما نزلت به الكتب. وفي الحديث الأخير فيه ما تقدم، وكذلك فيه التخفيف على المجاهد في سبيل الله بأن ما يصاب به لا ينبغي أن يجزع به، لأنه يخفف عنه، فإنه لا يكاد يجد أثر الجرح، بل ربما يجرح وهو لا يدري أنه جرح، وهذا من لطف الله عز وجل وتأييده. وفيه كذلك فضل الكلم حتى الجرح يكون للمسلم فيه أجر. وإذا قتل بجرحه فإنه يأتي به كما هو يوم القيامة، الريح ريح الدم واللون لون الدم والريح ريح المسك. وهذا يوم القيامة، أما في الدنيا فما ذكر أن ذلك يكون. فما يفعله بعض الناس من الكذب لمصلحة الدعوة كما يزعمون، فيجعلون من الكذب تلفيق القصص الكاذبة وربما حكاية مثل ذلك، هذا لا يجوز مع ما فيه من الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فيزعمون أن هذا من دين الله وأن هذا مقتبس من كلام الله ورسوله، وليس الأمر كذلك. وفي هذه الأحاديث من المسائل كذلك مشروعية أخذ الغنيمة على التفصيل المذكور في بابه. فالغنائم تخمس خمسة أخماس، خمس لله ورسوله وأربعة للمقاتلين، يأخذ الراجل سهما والفارس ثلاثة أسهم، سهما له كالراجل وسهمان لفرسه. وهكذا كذلك فيه من المسائل ما أشار إليه بتبويب الإمام البخاري باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء. ووجه الاستدلال به بهذه المسألة في باب الطهارة هو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اللون لون الدم والعرف عرف المسك»، فبقاء مسمى الماء لا يخرجه عن طهوريته. فإذا ذهب مسمى الماء بمخالطة الطاهر فهو لا يزال طاهرا ما دام ماء يجوز التطهر به. وأما إذا ذهب مسمى الماء خالطه طاهر أذهب عنه مسمى الماء مثل الشاي ماء الورد ونحوه، فهو لا يتطهر به. وإذا خالطته النجاسة فغيرته فهو نجس قليل كان أو كثير، أي الماء. وإذا لم يتغير فهو طاهر قليل كان أو كثير، فالماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو لونه أو طعمه. حديث معناه صحيح وإن كان هو ضعيف في سنده. فهذا هو الشاهد قول النبي عليه الصلاة والسلام «اللون لون الدم والعرف عرف المسك». وهذا من دقة فقه الإمام البخاري رحمه الله تعالى. طيب، والله تعالى أعلم.