شرح اللآلئ البهية 34

شرح اللآلئ البهية 34

الدرس في شرح اللآلئ البهية 34، الدرس الرابع والثلاثون : فيه : ( فصل في الكلام على الجنة والنار ... وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش الحديث ,أهـ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

خلق الجنة والنار وبقاؤهما

الجنة والنار مخلوقتان للبقاء وليس للفناء، مستندًا إلى أدلة من القرآن والأحاديث النبوية. يُفصّل الشيخ شرح شيخ الإسلام ابن تيمية حول هذا الموضوع.

طبقات وأبواب النار

النار لها سبع طبقات وسماها الله بأبواب، واختلف العلماء في ترتيبها ومسماها. الإيمان بوجود الجنة والنار واجب واعتقادهما لازم لثبوتهما بالكتاب والسنة.

أدلة وجود الجنة والنار وصفاتهما

اتفاق أهل السنة على خلق الجنة والنار، واستدل بالأحاديث على وجودهما، مثل عرض المقعد على الميت وزيارة النبي للجنة. وصف الجنة وما فيها من نعيم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المردوي رحمه الله تعالى: فصل في الكلام على الجنة والنار وأنهما مخلوقتان للبقاء لا للفناء. فنقول وبالله التوفيق: لما أنهى المصنف الكلام على الميزان والحوض والصراط، أخذ يتكلم على الجنة والنار. إليه الإشارة بقوله: «والنار يصلاها الشقي بحكمة، وكذا التقي إلى الجنان سيدخل». قال: والنار نعوذ بالله منها، وهي دار البوار ومقر الكفار. قال: فالنار تشتمل على سبع طبقات: جهنم، لضى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم الجحيم، ثم الهاوية، ثم سقر. وباب كل واحدة من داخل الأخرى، كما قاله ابن عطية وغيره. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منظومته في الكلام على الجنة والنار، فقال رحمه الله: «والنار يصلاها الشقي بحكمة». فقال رحمه الله الشارح: إن الجنة والنار مخلوقتان للبقاء لا للفناء، يعني أن الجنة والنار مخلوقتان أولًا موجودتان. ودليل ذلك أدلّة كثيرة سيأتي ذكرها إن شاء الله. من هذه الأدلة من القرآن قول الله جل وعلا عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، فدل على أن النار موجودة. وهكذا كذلك أدلّة أخرى كثيرة في الكتاب تدل على وجود النار من ذكر خطابها وعذاب أهلها. وهكذا الأحاديث الكثيرة وسيأتي معنا بعضها، كحديث أنس وابن عباس وعائشة وغيرهم رضي الله تعالى عنهم في ذكر ما رآه النبي عليه الصلاة والسلام من أحوال أهل النار، إما في يوم الكسوف في صلاة الكسوف، أو ما رآه في ليلة الإسراء، كما سيأتي معنا إن شاء الله. وهذا يدل أنها موجودة. وهكذا كذلك الجنة موجودة. وهنا يأتي سؤال يسأل به كثير من الناس، وقد ذكره العلماء في كتبهم وأجابوا عليه: إذا كانت الجنة والنار موجودتين وفيها من يعذب، كيف هذا والساعة لم تقم والحساب لم يقع؟ فكيف هؤلاء الذين يعذبون؟ أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن ذلك بأن هذا الذي رآه النبي عليه الصلاة والسلام والذي أخبر به ربنا عز وجل هو أرواح هؤلاء الكفار والفجار، أرواحهم تعذب في النار. فإنهم يعذبون وهم في البرزخ، في حياة البرزخ ما قبل قيام الساعة وبعد الموت، أرواحهم تنتقل بين القبور وبين النار، تعذب في تلك الفترة على قدر أعمالهم. ثم ذكر رحمه الله تعالى أن النار سبع طبقات، وهذا الذي ذكره اشتهر عند أهل التفسير وشراح الحديث وكثير من أهل العلم. وليس له دليل صريح خاص يدل عليه من الكتاب أو من السنة، ولكن قال به جماعة كبيرة من أهل العلم بما علموه وما رأوه من أدلة الكتاب والسنة في ذكر أصناف أهل النار. فإنهم رأوا بتتبع الأدلة أن أصناف أهل النار تأتي على طبقات سبع. وقد سمى الله جل وعلا هذه السبع بأبواب، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾. واختلفوا في هذه الأبواب: هل هي أبواب سبعة إلى نار واحدة، أو أبواب سبعة إلى سبع طبقات في النار؟ وأكثر أهل العلم على أنها سبع طبقات في النار. ثم اختلفوا بهذه الطبقات في مسماها. وكثير منهم ذكر الذي ذكره المؤلف رحمه الله: هذه السبع جهنم، ولضى، والحطمة، والسعير، والجحيم، والهاوية، وسقر. ثم اختلفوا بترتيب هذه السبع. وهذا كله الاختلاف بسبب عدم وجود دليل صحيح صريح يدل على هذا الترتيب أو على هذا التقسيم بهذا النسق. ولكن من تتبع أدلة الكتاب والسنة وجد أن معنى الطبقات موجود. قال رحمه الله تعالى: «يصلاها أي النار الشقي، وهو الذي كتبت عليه الشقاء وهو في بطن أمه بحكمة أحكم الحاكمين، فيدخلها بعمله السيء عدل من الله سبحانه وتعالى، ما ظلمه وما ظلمناهم ولكن أنفسهم كانوا يظلمون». ثم قال: «وكذا التقي أي الذي جمع معاني التقى أو التقوى، وحقيقة التقوى قال: اتباع الأوامر واجتناب المناهي، وهي طاعة الله ورسوله بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، هذا أحد تفسيرات التقوى وكلها بمعنى متقارب وقريب من هذا، فالتقوى أن تجعل بينك وبين غضب الله وصخته وقايا بفعل أمره واجتناب نهيه». قال: «ومن جمع معاني التقوى فهو بلا شك صائر إلى الجنة لأنه ما فعل ما يوجب له العذاب». قال: «وإليه الإشارة بقوله إلى الجنان أي المعدل المتقين سيدخله، ولكن لا أحد يتأله على الله، فالله يدخل من يدخل برحمته وفضله، ويعذب من يعذب بعدله سبحانه وتعالى». قال: «أي المعدل المتقين سيدخل أي الجنة برحمة أرحم الراحمين، فكل واحدة من الجنة والنار حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وسيأتي أدلة ذلك إن شاء الله». قال: «وكل ما هو كذلك فالإيمان به واجب واعتقاده الحق لازم». والمراد من الجنة دار الثواب، ومن النار دار العقاب، يعني موضع أهل الثواب وموضع أهل العقاب الجنة والنار. قال ابن القيم في كتاب مفتاح دار السعادة ما نصه: «فإنه اتفق أهل السنة والجماعة على أن الجنة والنار مخلوقتان، وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك». كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار يقال: هذا مقعدك من النار حتى يبعثك الله يوم القيامة». وهذا دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان. قالوا: في السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال: اذهب إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها». قال: «فذهب فنظر إليها وإلى ما عد الله لأهلها» الحديث. والحديث كما أشار عندكم أنه حسنه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله بمجموع طرقه. قالوا: في الصحيحين في حديث الإسراء: «ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابد اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك». وأشار بهذا إلى ما في الصحيحين من حديث أنس في قصة الإسراء الطويل كما هو معلق عندكم. وفي هذا دليل على أن الجنة موجودة وفي هذه الصفات المذكورة. وقد صح أن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قالوا: في صحيح البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينما أنا أسير في الجنة إذ أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف». قال: «قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك» الحديث. والحديث في البخاري. قال: وبيه مسلم بحديث صلاة الكسوف أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتقدم ويتأخر في الصلاة، ثم أقبل على أصحابه فقال: «إنه عرضت علي الجنة والنار، فقربت مني حتى لو تناولت منها قطفا لأخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا». والحديث كما علق المعلق. ورأيتم جمع بين حديثين: حديث ابن عباس الذي في الصحيحين، وحديث عائشة الذي في الصحيحين وفي مسلم بمعنى حديث عائشة من حديث جابر. فالمؤلف رحمه الله جمع بين حديثين، فهو رواه بالمعنى، فاجتمعت عليه ألفاظ الحديثين. قال: في الصحيح من حديث ابن عباس: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش» الحديث انتهى. يعني انتهى كلام ابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة. فهذه الأحاديث تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان، وفيه بعض ما ذكر الله عز وجل من صفاتها. نكتفي بهذا القدر، ونكمل الباقي إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم.