الدرس في شرح اللآلئ البهية 2، الدرس الثاني : يحتوي على( ولما كان هذا العلم أهم ... وردهم إلى الصواب المعلوم عن النبي صلى الله عليه وسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ أهمية العلم العقائدي وينتقد تقسيم المؤلف للعلم إلى عقيدة وعملية، موضحًا مخالفته لمنهج السلف الصالح. كما ينتقد فكرة أن الأدلة العملية غالبًا ما تكون ظنية.
يشرح المقطع مسميات علم العقيدة والتوحيد، مبينًا أن هذا العلم يسمى بأسماء متعددة مثل علم السنة وعلم التوحيد. يوضح أن هذه المسميات تعبر عن نفس العلم الذي يهتم بإثبات العقيدة الصحيحة.
يتناول المقطع مسميات مختلفة لعلم العقيدة، منها الصحيح ومنها الباطل، ويشرح أن مصطلحات مثل 'الفقه الأكبر' تعبر عن فقه العقيدة، بينما مصطلحات مثل 'علم الأصول' و'علم الكلام' هي مصطلحات باطلة.
يتم ختام الدرس بالإكتفاء بما تم شرحه والإعلان عن تأجيل باقي الموضوع إلى درس لاحق مع توجيه الشكر لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله تعالى: ولما كان هذا العلم أهم لابتناء العمليات عليه، ويريد بالعمليات يعني العبادات والمعاملات وما يتعلق به من الأمور الفقهية العملية، قال: أوردوا البراهين والحجج عليه، واكتفوا بالعمليات للظن المستفاد من الأدلة السمعية. يريد رحمه الله تعالى أن يبين أهمية هذا العلم، ومن أهمية هذا العلم أن الأمور العملية تقوم عليها، تنبني عليها. فوجه الابتناء عليها أنه إذا ثبتت العقيدة، وآمن بالله عز وجل وبكتابه الذي أنزل، وبرسوله الذي أرسل، واعتقد ما يجب اعتقاده، فعند ذلك يكون التسليم بالأشياء العملية. فمعناه أن الأشياء العملية لا تأتي إلا بعد أن يأتي الأصل. هذا مراده رحمه الله. لكن هذا التعبير من المؤلف رحمه الله ليس بدقيق ولا سليم، ففيه وقفتان. الوقفة الأولى مع قوله رحمه الله: وأوردوا البراهين والحجج عليه. فظاهروا بالكلام الذي بعده أن الأشياء العقادية أو المباحث العقادية، البراهين والحجج فيها ليست كالبراهين والحجج في المسائل العملية. وهذا التفريق كما مر معنا تفريق محدث، ليس مما عمل به السلف الصالح ولا أئمة أهل السنة، بل هو من تقسيم أهل البدع والأهواء. فهم الذين يقسمون هذا التقسيم، فيجعلون الحجج والبراهين في الأشياء اليقينية، ويقسمون الأشياء اليقينية إلى قسمين: من الأدلة السمعية، يعني الكتاب والسنة المتواتر، وقاصة بل ينازعون حتى في المتواتر، فيقولون: المتواتر قبعي الثبوت، لكنه ظني الدلالة. والكلام الثاني: وهو ما سوى الأدلة السمعية، يعني أدلة الكتاب والسنة التي تنقل بالسمع، ويريدون بها الأدلة العقلية النظرية، الأدلة العقلية النظرية. وهذه هي الأدلة القوية اليقينية عندهم. هذه عندهم هي الأدلة اليقينية، فانتهى منتهى الأدلة اليقينية في المسائل العقيدة إلى الأدلة العقلية، وهو في الحقيقة الباطل، مخالف لأدلة الكتاب والسنة، كما سيأتي من كلامه هو رحمه الله ما يدل على ذلك. وقد مر معنا الإشارة إلى ذلك في أول الكلام على تقسيمه إلى أصول وفروع. والوقفة الثانية مع قوله رحمه الله: واكتفوا بالعمليات بالظن المستفاد من الأدلة السمعية. وفي هذا تنبيهات. التنبيه الأول: كونه جعل متابعا بذلك قول الكثير من المتفقهة، جعل رحمه الله أن الأدلة العملية أكثرها يؤخذ بالظن، هذا ليس بالصحيح. فقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هذا القول، وبيّن أن مبنى هذا القول يعتمد على قول أهل الكلام من أن أكثر الأدلة السمعية هي عبارة عن أدلة ظنية. ويريدون بالظنية: الآحاد من جهة الثبوت، وكذلك ظنية الدلالة، من نسبة للمتواتر الذي هو قطعي الثبوت، لكنه ظني الدلالة. وهذا ليس بالصحيح، بل أولا: الأدلة القطعية التي يسمونها متواتر، هي إذا ثبتت وتلقاها المسلمون بالقبول والعمل، فإنها تصير ليست من الظن المردود، بل من الظن الممدوح الراجح الذي هو نوع من العلم. ومن الخطأ أن يسمى ظنا، لأنهم أرادوا بذلك الغمز بالأدلة السمعية. وهذه مباحث دقيقة لا يعرفها إلا من عرف ضلال القوم. ولهذا نبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن تعبير بعض المتفقهة بأن أدلة العمليات أدلة ظنية، مرادهم ومبناهم في ذلك على هذا المفهوم الخاطئ والتقسيم المحدث. فالتنبيه الأول: أنه ليس بالصحيح أن نقول: أن الأدلة العملية مبتناها على الأدلة الظنية، هذا خطأ. بل مبتناها على الأدلة التي أفادت العلم، سواء كانت آحادا أو كانت متواترة. فكل دليل تلقاه أهل العلم بالعمل والقبول، فإنه بالعمل والقبول، فإنه صار ماذا؟ صار من العلم. تلقته الأمة بالقبول والعمل، صار من العلم الذي لو صح أن يسمى ظنا، هو من الظن الراجح، لا من الظن المرجوح، وهو في الحقيقة أرفع من الظن الراجح، لأنه تلقى بالقبول والعمل. وهو كما مر معنا قريبا: لأنه بمنزلة المتواترة، كما عبر بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. والتنبيه الثاني: أنه قال رحمه الله: من الأدلة السمعية. فهذا يدل أن المؤلف رحمه الله يؤكد ذلك المعنى الفاسد من أن الأدلة السمعية تفيد الظن ولا تفيد العلم. وهذا خطأ، ليس بالصحيح. بل الصحيح: أن الأدلة السمعية تفيد العلم المتوافر، والأحاد منها يفيد العلم، حتى الأحاد، بل حتى الفرد على اصطلاح أهل مصطلح الحديث الذي يرويه واحد عن واحد، لو صح وتلقته الأمة بالقبول والعمل، فإنه يكون مما يفيد العلم ويوجب العمل. فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، كما مر معنا قريبا في أي كتاب وأي درس. قال رحمه الله تعالى: وأيضا فإنه لما كان عصر الصحابة خاليا من البدع الكلامية والشبه الخيالية وخصوم المعتزلة. ويريد البدع الكلامية: أي بدع أهل الكلام. وسيأتي من هم أهل الكلام. والشبه الخيالية: يعني التي تنسج من الخيال، لأنهم ابتدعوا عقائد فاسدة أولا، ثم بعد ذلك ظنوا أن إثبات الأدلة الشرعية يقتضي تلك المعاني والمعاني والخيالات الفاسدة التي في نفوسهم. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ما من معطل إلا وقد مثل أولا في الخيال، وقع في التمثيل، ثم باللسان وقع في التعطيل. وما من ممثل إلا وعطل أولا، عطل في الخيال، ثم وقع في التمثيل في نطقه ولسانه. قال: ويريد الخصوم المعتزلة، ويريد الخصوم المعتزلة: المعتزلة، يعني مذهب المعتزلة، ومن لحق بهم بعد ذلك ممن سلك مسلك المعتزلة في التحريف في أبواب الأسماء والصفات والإيمان والقدر. قال: لم يكن علم أصول الدين مدونا هذا التدوين. وإن أراد به هذا التدوين إشارة على التفاصيل التي ذكرها العلماء في كتبهم في رد بدع أهل البدع، فقد أطاب. وإن أراد به أنهم لم يدونوا في هذا شيئا قبل هذه البدع، فهذا ليس بصحيح. فكتب السنة كلها فيها إثبات العقيدة، بل القرآن كله عقيدة. لكن لا شك أن مراده الثاني، مراده الأول، أي أنه أراد هذا التدوين المعهود الذي فيه رد شبهات قول أهل البدع. قال: وَلَمَّا كَثُرَتِ الْبِدَعُ وَالشُبَهُ وَانْتَشَرَ الْخِلَافُ دُوِّنَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ قواعده المعلومة لدفع شبههم وبدعهم. وهذا كذلك سبق سنبيه عليه. أنه يقال: علماء التوحيد، علماء العقيدة، علماء السنة. على التعبير الصحيح: بتثنية هذا العلم. فإنك بتثنية هذا العلم على مذاهب، ولهم في هذا الصلاحات. يسمى هذا العلم: علم العقيدة والتوحيد، بعلم السنة. علم السنة. ويريدون به: علم التوحيد والعقيدة. وهذا هو تعبير أيضا. المتقدمين، ومنه كتاب السنة لابن أبي عاصم، هو يتكلم على متون العقيدة والتوحيد. ومنه السنة لعبد الله بن أحمد، ومنه السنة للخلال، ونحوها. وهي كتب السنة المؤلفة في هذا الباب كثيرة. وكما قال ابن رجب رحمه الله تعالى: أن لفظ السنة يطلق على فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقوله، وتقريره، وطريقته. هذا هو الأصل. قال: ولكنه صار في الاصطلاح بعض أئمة، خاص بالمسائل العقيدية، المسائل العقيدة والتوحيد التي خالف فيها أهل البدع السنة. وهذا تعبير الإمام أحمد. ثم ذكر مجموعة من الأئمة الذين عبروا بهذا التعبير، ذكره رحمه الله في كتابه كشف الكربة. وهذا ذكر نحوا منه الآلوسي رحمه الله تعالى. فالسنة هو تعبير صحيح، ومسمى صحيح من مسميات هذا العلم. وهذا كذلك من المسميات الصحيحة: التوحيد، علم التوحيد. مثل كتاب التوحيد لابن خزيمة، والتوحيد كذلك لابن منده، والتوحيد لإمام البخاري، كآخر صحيح، وغيرها من كتب أهل العلم وأئمة الحديث الذين سموا هذا العلم، وسموا أدلته، مباحثه بالتوحيد. وهذا من تسمية العلم لبعض مباحثه ومعض أجزائه، لأن من مباحثه: توحيد الله، أي إفراد الله، توحيده في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فلأجل هذا سمي هذا العلم بعلم التوحيد. ومن مسمياته الصحيحة كذلك: علم العقيدة. من مسمياته الصحيحة: علم العقيدة. وذلك لأن القلب يعقد أمره على ما في هذه المسائل والمباحث. ومعنى يعقد أمره: يعني يوثق ويؤكد، وكذلك يستيقن ما في هذه المباحث. ومنه كتب العقيدة، كالعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والسفارينية، وما قبل وما بعد من الكتب التي ألفها أهل السنة. ومن المسميات كذلك: الفقه الأكبر. وهذا يسميه بعض الفقهاء من الحنفية والشافعية، لما نسب لأبي حنيفة من كتاب يسمى بالفقه الأكبر، وهو لا يصح، لا تصح نسبة هذا الكتاب لأبي حنيفة. ونسب نحوه للإمام الشافعي، ولا تصح نسبة هذا الكتاب للإمام الشافعي. لكن مرادهم بالفقه الأكبر: أي فقه العقيدة. ولعلهم أخذوا من بعض الأدلة من الكتاب والسنة العامة التي تجل على الفقه عموما في الدين، ويشمل الفقه في العقيدة والفقه في العبادة والمعاملة. ولأجل هذا سموا ما يتعلق بالعقيدة لشرطه وفضله بالفقه الأكبر. هذه بعض المسميات الصحيحة التي عبر بها أهل العلم. وهناك مسميات غير صحيحة. من هذه المسميات المسميات الغير صحيحة: الأصول، مثل ما عبر المؤلف هنا: علم الأصول. ولهذا لا نجد أحدا يعبر به إلا بعض المتأخرين، سواء بحسن نية أو بسوء نية، لأن هذا التقسيم كما مر معنا تقسيم محدث. ولهذا حذر العلماء من هذا التقسيم، كما مر معنا لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية. ولهذا لا تجد هذا التعبير إلا عند المتأخرين، ولو كان بعضهم بالجملة على طريقة أهل السنة، مثل أبو عمر الطلمنكي الذي ينقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كثيرا في كتبه، كالتدمرية والحموية وغيرها من الكتب الأخرى، مما يدين بالجملة مما يوافق عقيدة السلف. فألف كتابا سماها: الوصول إلى معرفة الأصول. الوصول إلى معرفة الأصول. وهذا كذلك كما قلنا من الاصطلاحات المحدثة. ومن الاصطلاحات المحدثة لهذا العلم: علم الكلام. وهو الاصطلاح الذي يشتهر عند المتكلمين، والذين قاضوا في هذا العلم بالعقل، الذين قاضوا في هذا العلم بالعقل. وهي تسمية خاطئة ضالة. قال ابن خلدون في تعريف هذا العلم: قال: هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، يعني المجادلة في العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية. ونحو الرسل الجرجاني رحمه الله في كتاب التعريفات. فهو علم على هذا المعنى ليس بالصحيح، لأنه ليس هذا العلم يقابل فيه بالدليل العقلية، كما تأتي إن شاء الله. وأخيرا من المسميات الباطلة لهذا العلم: ما انتشر في بعض مدارس المسلمين، ضلالا عن غيرهم، لتسميته علم الفلسفة. وهذه نزعة علمانية إلحادية طغت، وللأسف في المناهج الدراسية في أوساط المسلمين، فيسمون علم العقيدة بعلم الفلسفة. وهذا إنما أخذ من أعداء هذا الدين. قال صاحب كتاب المعجم الفلسفي: وأطلق أخيرا لفظ الفلسفة على دراسة ما يتصل بمشكلة المعرفة والوجود والألوهية، وهي مادة من مواد العلوم في الجامعات الغربية. وشاع هذا الاستعمال أخيرا، وكثيرا ما حل محل الميتافيزيقية. ويريدون بهذا اللفظ الأخير: يعني دراسة ما وراء الطبيعة، أو متشابهات الغيب، أو متشابهات الغيب. فإذا وجدنا هذه الألفاظ والمصطلحات الثلاثة: فلنعلم أنها من المصطلحات الباطلة: الأصول، أو علم الكلام، أو الفلسفة. قال رحمه الله تعالى: وأيضا فإنه لما كان عصر الصحابة خاليا من البدع الكلامية والشبهة الخيالية والخصوم المعتزلة، لم يكن علم أصول الدين مدونا هذا التدوين. فلما كثرت البدع والشبهة وانتشر الخلاف، دون علماء الأصول قواعده المعلومة، لدفع شبههم وبدعهم، مردهم إلى الصواب المعقوم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولكن سيأتي معنا أن مرد هؤلاء إلى الصواب كان بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، لا بالعقول. فإن مصادر العقيدة عند أهل السنة والجماعة: الكتاب والسنة والإجماع. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع، فهو من أهل السنة والجماعة. وربما عوض عن الإجماع بفهم السلف الصالح، لأنه يدخل ضمنا في معنى الإجماع. ومن هذا المعنى ما قاله البيهقي رحمه الله في كتاب مناقب الشافعي، قال: فأما أهل السنة، فمعولهم فيما يعتقدون: الكتاب والسنة. ويقول الإمام أحمد رحمه الله في شرح أصول اعتقاد أهل السنة: كتاب الأصول، أصول السنة المشهور، والمنسوب له، يقول: أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وترك البدع. فبهذا نعرف أن رد شبه وبدع أهل الباطل تكون بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، لا بالعقول. وبهذا القدر نكتفي، ونثبت ما تبقى بدرس لاحق. والحمد لله.