كتاب الإمارة  1

كتاب الإمارة 1

الدرس في كتاب الإمارة 1، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية قريش وتقديمهم في الإمارة

يتناول المقطع أهمية قريش في الإمارة والخلافة مستندًا إلى أحاديث نبوية تشير إلى أن الإمارة تكون في قريش. يُفسر ذلك بكونهم أهل حرم الله، مما يقتضي تقديرًا واحترامًا لهم.

تفسير حديث الناس تبع لقريش وأسبابه

يفسر المقطع حديث الناس تبع لقريش ويبين أسبابه، حيث يذكر ثلاثة أسباب لتقديم قريش في الإمارة. كما يبين أن الحديث يحث القرشي على الإحسان ويخبر بأن الناس يتأثرون بقريش.

أولوية قريش في الإمارة والخلافة حتى آخر الزمان

استدل أبو بكر رضي الله عنه بحديث لا يزال هذا الأمر في قريش على أولوية قريش في الإمارة والخلافة، وأكد ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن الإمارة تبقى في قريش إلى آخر الزمان.

ضرورة إقامة الدين في النفس أولاً

من لم يقم الدين في نفسه لن يستطيع إقامته في غيره، إقامة الدين في النفس شرط لإقامته في الآخرين.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش. قال حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم». قال: أخرجه البخاري بكتاب المناقب، باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. قال حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان». أخرجه البخاري بكتاب المناقب، باب مناقب قريش. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الكتاب والباب وما فيه من أحاديث لذكر أحكام الإمارة. فقال: كتاب الإمارة، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الإمارة. فالكتاب لغة: ما يُخط على القرطاس لحفظه. ويأتي كتاب بمعنى مفعول، كثيرًا ما يُقال: لباس ملبوس، كساء مكسوب، طعام مطعوم، أو فراش مفروش. وهكذا. قوله: الإمارة، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الإمارة. والمراد بالإمارة ها هنا: الإمارة الشرعية، والتي سيأتي معنا إن شاء الله الكثير من أحكامها. فمن هو الأمير الأهل الذي يصلح لها؟ وهكذا. كيف يكون تدبير أمورها؟ وتفاصيل كثيرة ستأتي معنا إن شاء الله في الأبواب الآتية. قوله: باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش، أي هذا مدخل. فالباب لغة: ما يُدخل منه ويُخرج. والمراد ها هنا: الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة حكم أن الناس تبع لقريش والخلافة في قريش. ثم أورد أحاديث، ومنها ما مر معنا: حديث أبي هريرة، وحديث بن عمر. وعلى قاعدته: فالتبويب بما بوب له في صحيح مسلم، ولفظ الحديث، ولفظ الإمام البخاري في الأول والثاني في البابين المشار إليهما. وفي هذين الحديثين مسائل من أهمها ما يتعلق بالباب. فقد أشار في الباب إلى معنيين اثنين: الناس تبع لقريش، والخلافة في قريش. وهذا هو لفظ الأول، لفظ حديث أبي هريرة. ومعنى حديث بن عمر وهو كذلك، أي الجزء الثاني من التبويب. ومعنى الحديثين وما بعده مما سيأتي معنا إن شاء الله. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الناس تبع لقريش»، فُسر بأن الإمارة تكون في قريش، ولا إمام يكون إلا من قريش. وقد جاء معنى هذا التفسير في أحاديث أخرى صحيحة. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس وغيره أنه قال: «ألا إمام من قريش، ألا إمام من قريش»، يعني الأمراء الأولوية أن تكون لأهل قريش، أو الإمارة الأولوية أن تكون لأهل قريش. وجاء كذلك من حديث الزهري مرسلًا، وجاء مرفوعًا عن أنس وعلي وجبير بن مطعم وجماعة، يرتقي الحديث بمجموعه إلى الحسن، وصححه العلامة الألباني في الإرواء. قال عليه الصلاة والسلام: «قدموا قريشًا، قدموا قريشًا»، فأمر بتقديم قريش أي في الإمارة. ويفسر ذلك كذلك ما سيأتي معنا من أحاديث. فقوله عليه الصلاة والسلام: «الناس تبع لقريش في هذا الشأن»، يعني الإمارة. فيفهم منه هذا المعنى الأول. وفسر معنى: «تبع لقريش»، أي الناس يتابعون قريشًا في هذا الأمر، وذلك لأمور. أولها: كونهم أهل حرم الله، فذلك يقتضي تقديرًا واحترامًا وإجلالًا وتعظيمًا من غيرهم لهم. وهذه معاني مقصودة مطلوبة في الشرع. لأن الأمير كونه مطاع ومجل ومتابع هذا مطلب مقصود حتى يحصل به مقصود الإمارة ومصالحها. لأن المقصود من الإمارة: اجتماع المسلمين، وكذلك بقاء ألفتهم، وتعاونهم على الخير. ولهذا كما سيأتي معنا: أمر الناس بالطاعة والاجتماع حتى ولو حصل من الأمير شيء من المعصية أو الظلم، لأن مفسدة الفرقة والاختلاف أعظم من تلك المعصية. ولا يعني ذلك ألا يناصح، ولا كذلك يذكر بما هو عليه، بل هذا يجري في مقامه، وذاك يبقى في مقامه. وثانيًا: كذلك الناس تبع لقريش، فالناس يطيعون بما يرون من الإجلال والإعظام بحرمة المكان الذي فيه قريش. وكذلك بما يكون غالبًا من وجود صفات الخير في أهل قريش، وذلك لوجودهم في الحرم. فوجودهم في الحرم، وورود الناس عليهم في عبادة الله عز وجل وأداء مناسك الحج والعمرة، أورث قريش دينا حتى في الجاهلية. فكان أهل الجاهلية يعترفون لقريش بالدين، أنهم أديا للناس. ممكن تجد فاجر فاسق في غير قريش، لكن كونك تجده من قريش قليل. قليل أن تجد فاجر في قريش. كما نقول اليوم مثلًا: كونك تجد شاب فاسق زائغ من عوام الناس كثير، لكن في أبناء طلبة العلم ماذا؟ قليل. في أبناء طلبة العلم قليل. ما هو السبب؟ السبب العلم. العلم عصم أهله من الزيغ. وهكذا كذلك الدين في مكة ولقريش عصمهم من أن يكون فيهم زيغ. والمعنى الثالث من المعاني التي استوجبت هذه الأولوية: أن قريشًا كانوا محل وفود الناس من الدنيا، فاستجمعوا ما لم يجمع غيرهم من اللغة والفصاحة والبيان والخلق والأدب والمعرفة بأحوال الناس وأديانهم وثقافاتهم، ما لم يكن عند غيرهم. وهذا إلى يومنا هذا. تأتي إلى مكة فتجد الذي يسكن في مكة ربما يقعد سنة وإذا به يتكلم لغات الدنيا. صحيح أم لا؟ وجدنا الباعة في مكة يكلم الإندونيسي بالإندونيسية، ويكلم الهندي بالهندية، ويكلم الإنجليزي بالإنجليزية، والفرنسي بالفرنسية، والعربي بالعربية، وهو إنما بائع في السوق. بائع في السوق جمع لغات، ليس لغة واحدة، بسبب ماذا؟ بسبب كثرة خلطته بالغرباء. فكذلك كانت قريش، وهم أحرص على الخير، يجمعون ثقافات الناس وعلومهم ومعارفهم، وكذلك أدبهم وأخلاقهم، بما استوجب لهم كذلك التقديم والإجلال عند سائر العرب. وهذا واقع كذلك إلى يومنا هذا. وهذا معنى مقصود كذلك في الإمارة، كون الأمير يستجمع صفات الخير ويجمع أنواع المعارف بما يمكنه من معرفة أحوال الناس، هذا مقصد آخر مطلوب شرعًا. ولهذا كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إمام من قريش، قدموا قريشًا، الناس تبع لقريش». وهذا هو التفسير الأول لمعنى الحديث، أو هذه الجملة من الحديث. والمعنى الثاني: «الناس تبع لقريش»، حث للقرشي أن يحرص على أن لا يحدث حدثًا، لأن الناس يتأثرون به، فإن فسد فسدوا، وإن صلح صلحوا. ولهذا كان فتح مكة فتحًا لسائر بلاد العرب، وسماه الله عز وجل فتحًا، يعني بما كان من صلح الحديبية وحصول دخول الإسلام إلى مكة، لأنه بذلك يسيطرون على سائر الناس. فالناس تبع لقريش، ولهذا لما أسلمت قريش أسلم سائر العرب. فهذا كذلك معنى آخر فيه خبر، وفيه كذلك حث لكل قرشي بالإحسان. وقوله صلى الله عليه وسلم: «مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم»، يعني كما كانوا في الجاهلية الناس تبع لقريش، فكذلك ينبغي أن يكون في الإسلام الناس تبع لقريش. فيكون بهذا معنى الحديث خبرًا أريد به الإنشاء، خبرًا أريد به الإنشاء، فكأنه قال: «الناس تبع لقريش»، فإذن أمروا قريشًا واجعلوا الإمارة في قريش. وقد أورده البخاري رحمه الله تعالى في كتاب المناقب ليستدل به على منقبة قريش كما أشار إليه. ففي هذا كذلك هذه الفائدة. وفي حديث عبد الله بن عمر: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان»، كذلك الحث على تقديم قريش في الإمارة. فهذا الحديث مع غيره من الأحاديث الأخرى يدل على هذا المقصود. فالمقصود بالأمر والشأن هو الإمارة والخلافة. وقد استدل أبو بكر رضي الله عنه يوم السقيفة بمعنى هذه الأحاديث على الأنصار في كون الإمارة والخلافة تكون في قريش. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان»، تأكيد لأولوية قريش في الإمارة، وفي كذلك الخلافة حتى ولو لم يكن إلا اثنان. واستدل به جماعة من أهل العلم أن هذا على الصحيح ليس خاص بالإمارة الكبرى ولا الولاية الكبرى، بل حتى الولايات الصغرى إذا وجد الكفء من قريش فهو أولى من غيره. وسيأتي معنا إن شاء الله زيادة بيان في هذا المعنى. وجاء في البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه سمع من يقول ويحدث بأن أحدًا من قحطان أو أن الملك يكون في قحطان، وقحطان ليس من قريش. فلما بلغه ذلك قام في الناس خطيبًا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال رضي الله عنه وأرضاه: بلغني أن رجالًا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأولئك جهالكم. فإياكم والأماني التي تضل أهلها، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين». وهذا تأكيد أن الإمارة في قريش إلى آخر الزمان ينبغي أن تكون كذلك. وأن من نزعها منهم استحق عذابًا وغضبًا من الله سبحانه وتعالى. «لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه»، ولكن بهذا القيد: «ما أقاموا الدين». فإن كانوا قد أقاموا الدين فالأولوية لهم. والصحيح أنه ليس خاص بالإمارة الكبرى، بل حتى في الإمارات الصغرى، وفي المسؤوليات الصغرى إذا وجد قرشي فينبغي أن يقدم لها ما دام أنه صاحب دين وأهل لهذه المسؤولية، فهو أولى بها من غيره، طاعة لله ورسوله، وكذلك في هذا مصلحة للناس. لما سمعنا من معاني تقتضي الأولوية لقريش. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «ما بقي منهم اثنان»، فيه أن الإمارة تبقى ولو بقي فيها اثنان، يعني لو خرج الناس ونازع الناس فعصوا وخرجوا عن طاعة الأمير، لا يعني أن الإمارة تسقط بالكثرة. فالإمارة لا تسقط بالكثرة، بل تبقى على أصلها حتى ولو بقيت هذه الإمارة في اثنين. وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله في الصحيح بابًا فقال: باب الأمراء من قريش، ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر. وهكذا حديث عبد الله بن عمر بمعناه، وهو ممن روى بهذا اللفظ الذي سمعتموه قبل قليل. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. يقول: هل يجوز طلب الدين من شخص مع العلم أن ما له مكتسب من الحرام؟ إذا علمت أنه سيعطيك من الحرام وتيقنت من ذلك، فالورع والأحوط لك أن تطلب من غيره. فإن اضطررت وعلمت أنه لا أحد يسلفك وأنت في ضرورة، فتأخذ منه وترد له ماله. والصحيح أن الحرمة لا تتعلق بعين المال وإنما بوصفه. سؤال: يا أسامة، إذا بقي ثلاثة فكان أحد هؤلاء الثلاثة غير قرشي وهو أفضل الثلاثة، فلمن تكون الإمارة؟ نعم، يقدم صاحب الدين على الإطلاق، أو فيه تفصيل؟ أيش التفصيل؟ الأولى القرشي. نعم، فإذا تقارب الدين فالأولى القرشي، لأن فضل الدين قد يكون في المستحبات، وليس هذا المقصود. أما إذا كان في الواجبات سواء، ولو كان غير القرشي أفضل في المستحبات، فالقرشي مقدم. القرشي مقدم. ثم إذا كان القرشي صاحب معاصي وفسوق، وغيره رجل صالح صاحب علم، هل يقدم غيره؟ في هذا خلاف. والصحيح ما تقدم: «ما أقام الدين»، «ما أقام الدين». فبعضهم فهم من هذا: «ما أقام الدين» في غيرهم، ولو نقص الدين فيهم. وبعضهم فهم: «ما أقام الدين» في أنفسهم وفي غيرهم، وهذا هو الغالب. فمن لم يقم الدين في نفسه لا يقيمه في غيره، من لم يقم الدين في نفسه لا يقيمه في غيره.