الدرس في مختصر سيرة الرسول 9، فصل في أخلاقه صلى الله عليه وسلم. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم مثل الشجاعة والكرم والحلم والحياء، ويوضح تعامله مع الناس بمساواة وعدل. كما يبين محبته للمساكين والضعفاء وتعامله معهم.
يصف بساطة النبي صلى الله عليه وسلم في مأكله وملبسه ومعاملته للناس، حيث كان يأكل ما يتيسر ويتواضع مع الناس ويخدم نفسه وأهله. كما يذكر قبوله للهدية ومكافأته عليها.
يتناول تواضع النبي صلى الله عليه وسلم في ركوبه ولباسه، حيث كان يركب ما يتيسر من الدواب ويلبس ما يتوفر من الثياب. كما يشير إلى لبسه للخاتم وعصابه على بطنه من شدة الجوع.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى بكتاب مختصر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: أصحابه العشرة، قال: فصل في أخلاقه صلى الله عليه وسلم. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، وقد جاء في هذا المعنى أحاديث كثيرة، ومن أشهرها حديث أنس في الصحيحين حين فزع أهل المدينة من صوت ذات ليلة، فأقبلوا جهة الصوت، وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم قد عاد من جهة الصوت، وهو على فرس عري لأبي طلحة، وسيفه معلق على عنقه، فقال: «لم تراعوا، لم تراعوا، إنا وجدناه بحرا»، أي: إنا وجدناه كالبحر في السرعة والقوة. قال رحمه الله تعالى: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «كنا إذا حمي البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم». وهذا حديث آخر رواه البيهقي وغيره بمعنى عن علي رضي الله عنه، وهو حسن. وجاء معناه في الصحيحين من حديث البراء، قال رضي الله عنه: «وإن الشجاع منا لالذي يدنو من النبي صلى الله عليه وسلم». ومعناه أنه عليه الصلاة والسلام كان أشجع الناس، فيدخل في موضع الشدة والبأس، ولهذا كان الشجاع من يقترب منه؛ لأنه في أشد المواضع. ويدل عليه ما وقع في غزوة أحد، فمن كان حول النبي صلى الله عليه وسلم بلي بلاء حسنا، وقد كسرت رباعيته، وشج رأسه، وانغرزت حلقات المغفر في وجنتيه عليه الصلاة والسلام. قال: وكان أسخى الناس، ما سئل شيئا قط فقال: «لا». وقد جاء معناه من حديث أنس، رواه الطبراني بإسناد صحيح. وجاء في الصحيحين من حديث ابن عباس في الحديث المشهور: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان» الحديث المشهور. قال: وكان أحلم الناس، يعني النبي عليه الصلاة والسلام. ومعنى الحلم: من فعله كثير. ومنه ما وقع في قصة الأعرابي الذي جر ثوبه حتى أثر في عنقه عليه الصلاة والسلام، واجتماع الأعراب عليه حتى اختطف شوك شجر السمر رداء النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا ذاك الرجل الذي رفع السيف على النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك كثير من حلم النبي صلى الله عليه وسلم. وأما بهذا اللفظ، فقد روي مرسلا، ولم يصح بهذا اللفظ متصلا مرفوعا، ومعنى صحيح. قال: وكان أشد حياء من العذراء في خدرها، لا يثبت بصره في وجه أحد. وهذا اللفظ معناه صحيح، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها، من حديث أبي سعيد في الصحيحين. وزاد فيه: «وإذا كره شيئا عرف في وجهه». وأما قوله: «ولا يثبت بصره في وجه أحد»، نسبه غير واحد إلى الإمام البخاري في صحيحه، ولكن لم أجد ذلك. قال رحمه الله: وكان لا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها، إلا أن تنتهك حرمات الله، فيكون لله ينتقم. وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد. وهذا جاء في معنى أحاديث كثيرة، من شريحة حديث عائشة في البخاري وغيره، وهكذا كذلك معناه في حديث أبي سعيد الخدري عند الترمذي بإسناد حسن. وقد جاء بمعنى أحاديث كثيرة صحيحة. قال: والقريب والبعيد، والقوي والضعيف عنده في الحق واحد. ويدل عليه أحاديث كثيرة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». وقام في الناس في مكة فضلا عما وقع بعد ذلك في المدينة، وهو ينادي غرابته بيتا بيتا، وواحدا واحدا، ويقول: «لا أغني عنكم من الله شيئا»، يدعوهم لدين الله سبحانه وتعالى. وهكذا لما سرقت المرأة المخزومية، وجاء أسامة يشفع، فقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟». فالقريب والبعيد، والقوي والضعيف عنده في الحق واحد. ولهذا شواهد ومعاني كثيرة من سيرته عليه الصلاة والسلام. بل على العكس، كان يحب المساكين، ويقرب من الضعفاء، فقد كان أسامة بن زيد حبه وحب حبه، وهو من الموالي عبدا أسودا، ومع ذلك كان من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وما عاب طعاما قط، إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهي تركه. قد صحت بهذا أحاديث كثيرة مشهورة. وكان لا يأكل متكئا، ولا يأكل على خوان. وهكذا جاء من قوله وفعله: «إنما نحن آكلون كما يأكل العبد». وهكذا من قوله ومن فعله أنه لم يأكل متكئا عليه الصلاة والسلام. وقد مر معنا في دروس سابقة في شرح الدرر لإمام الشوكان رحمه الله ما ذكره العلماء في معنى الاتكاء الذي نهى عنه، وكان لا يفعله، ففسر بثلاثة تفاسير، من أشهرها: اتكاء كاتكاء أهل الترف والكبر والملوك. وهكذا الثاني: اتكاء ينافي الصحة. واتكاء كاتكاء الكفار. قال: ولا يمتنع من مباح. ومعنى «اخوان» يعني ما كبر من الأوعية. وكان معنى من معاني الترف، بل كان أكله أكل بسيط يسير. قال: ولا يمتنع من مباح، إن وجد تمرا أكله، وإن وجد خبزا أكله، وإن وجد شواء أكله، وإن وجد خبز بر أو شعير أكله، وإن وجد لبنا اكتفى به. ومعنى يأكل اليسير، ويأكل غيره إن تيسر، من غير تكلف، فهو وصف عليه الصلاة والسلام لا يحرم ما أحل الله له، ولا يمتنع من شيء يسره الله له من طيب الطعام، ولا كذلك يستنكف عن يسيره. ولهذا كان يقول: «ولو دعيت إلى كراع لأجبت»، وهي أطراف أيدي الشاة العظام. قال: وأكل البطيخ بالرطب، يعني كذلك جمع بين هذا وهذا. وهذا يدل أولا على مشروعية وحسن ذلك، وعلى بساطة طعامه وعيشه عليه الصلاة والسلام. قد جاء معنا من حديث عائشة عند النسائي بإسناد حسن، قال: «وكان يحب الحلوى والعسل»، كذلك صح معناه. قال أبو هريرة: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير؛ لأن خبز الشعير ما كان يتيسر لهم، ومع ذلك إن تيسر لم يمتنع من الأكل منه عليه الصلاة والسلام. قال: وكان يأتي على آل محمد الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيته نار. وكان قوتهم التمر والماء، كما جاء معناه الصحيح من حديث عائشة: «إن كان ليمر الهلال والهلال والهلال -يعني ثلاثة أشهر- وما يوقد في بيوت نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم نار». فسألها الراوي: ما كان طعامكم يومئذ؟ قالت: «الأسودان»، أي: التمر والماء. سمي أسودان لأنهما سائدان يكثر وجودهما في أكثر البيوت، وقيل: من باب التغليب؛ لأن التمر أسود. قال: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، ويكافئ على الهدية، كما جاء في حديث سلمان وغيره. وكان سببا في إسلام سلمان ومعرفته بهذه الصفة وغيرها من خاتم النبوة ونحوها من صفات نبوته عليه الصلاة والسلام. قال: لا يتأنف في مأكل ولا ملبس، يعني لا يتكلف تأنق المأكل والملبس، أي التزيين، وكذلك الانتقاء، وإنما يأكل ما يتيسر، ويلبس ما يتيسر. قال: يأكل ما يجد، ويلبس ما يجد، بل إذا لم يجد شيئا طوى صائما عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين في حديث عائشة: «ربما أتى على بعض أهله، وقال: هل عندكم من طعام؟ فإن قالوا: لا، قال: إني صائم» عليه الصلاة والسلام. وهكذا لبسه، إن تيسر له شيء لبس، وإذا لم يتيسر لبس ما وجد، وربما أهدى بعض ما كان على جسده إذا طلب منه، لا يقول لأحد: «لا»، كما في قصة الرجل الذي سأله الثوب الذي أهدي له، وكان أحوج ما يكون إليه، فلام الصحابة الرجل، فقال: «إنما أردته كفنا لي». قال: وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله، ويعود المرضى، كما جاء عن عائشة وغيرها. فإنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم بشؤون نفسه وشؤون أهله. ومعنى «يخصف النعل» يعني يصلحها إذا حصل فيها شيء، ويرقع الثوب يعني إذا انخرق أو نحوه، ويخدم في مهنة أهله يعني فيما يحتاجون إليه. وما كان يحب أن يتخذ خادما لا هو ولا أهله، ولما سألته فاطمة وعلي رضي الله عنهما خادما يعينهم في أمرهم، دلهم على ما هو خير من خادم، بأنهما إذا أويا إلى الفراش يسبحان ويكبران ويهللان، يسبحان ويحمدان الله ويكبرانه، وهذا خير لهم -يعني ثلاثا وثلاثين- خير لهم من خادم. قال: وكان يعود المرضى، كذلك كثير من قوله وفعله عليه الصلاة والسلام، بل جعله من حق المسلم على المسلم. وكان يعود المريض ولو كان كافرا، كما ثبت أنه عاد يهوديا غلاما يهوديا، فكان سببا في إسلامه، جار للنبي صلى الله عليه وسلم. بل ربما إذا اقتضت العيادة الخروج والتعجيل، خرج على أي حال كان عليها، كما جاء في عيادة سعد بن معاذ حين اشتد به جرحه. قال الراوي أبو هريرة: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة معه حسرا، ليس على رؤوسهم العمائم ولا القلانس، يعني ليس على رؤوسهم شيء، حفاة غير منتعلين. قال: وكان أشد الناس تواضعا، يجيب من دعا من غني أو فقير أو دنيء أو شريف. وهذا كثير منه عليه الصلاة والسلام، حتى قبل طعاما تصدق به على بريرة، فقالوا له: يا رسول الله، إنه تصدق به على بريرة. فقال: «هو لها صدقة ولنا هدية»، من تواضع عليه الصلاة والسلام. قال: ولو دعيت إلى كراع لأجبت. قال: وكان يحب المساكين، ويشهد جنائزهم، ويعود مرضاهم، لا يحقر فقيرا، ولا يهاب ملكا لملكه. وهذا كثير في سيرة عليه الصلاة والسلام، ومنه في الصحيحين أن امرأة كانت تقم المسجد -يعني تنظف المسجد- ماتت من الليل، فكرهوا أن يؤذنوه، فصلوا عليها ليلا، فلما أصبح سأل عنها، قالوا له: خبرها. فقال: «هل لا آذنتموني؟» فسأل عن قبرها، فقام على قبرها فصلى عليها. وفي رواية أنه رجل. قال: وكان يركب الفرس والبعير والحمار والبغلة، ويردف خلفه عبده أو غيره، لا يدعو أحدا يمشي خلفه، ويقول: «خلوا ظهري للملائكة». وهذا كثير من قوله وفعله عليه الصلاة والسلام، أنه كان يردف خلفه، ويدعو من يرتدف خلفه. كما وقع في حديث ابن عباس، وأسامة، ومعاذ، وجابر، وجماعة من الصحابة أردفهم النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا كان يكره أن يمشي أحد خلفه. وكونه ركب الفرس والبعير والحمار والبغلة، معنا يركب ما يتيسر، لا يستنكف من ركوب شيء. وهذا كما يقال في هذه الحيوانات المركوبات، فكذلك يقال في هذا الزمان اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لا يستنكف المسلم أن يركب شيئا فيستصغره ويستنقصه، ما دام أنه جرى به العرف، وليس فيه ما يعاب شرعا. قال: ويلبس الصوف، وينتعل المخصوف. وهذا معناه صحيح من جهة العموم. أما تخصيص لبس الصوف، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يخص لبس الصوف كما يظن الصوفية، ولا يخص لبس المخصوف كما يظن المتصوفة كذلك. ومعنى «المخصوف» يعني النعل المقطوع الذي قد أصلح. وهذا معناه صحيح؛ لأن قول عائشة: «ويخصف نعله» يدل أنه يلبس المخصوف، قال: «لكن ليس يخصه باللبس». ننتبه لهذا؛ فالمتصوفة لا يلبسون الجديد، وإنما يخصون اللبس بماذا؟ بالمخصوف، ويلبسون الصوف، وهذا خطأ وتكلف نهينا عنه. قال: وكان أحب اللباس إليه الحبرة، وهي من برود اليمن فيها الحمرة وبياض؛ لأنه توفي عليه الصلاة والسلام وعليه بردان يمانيان، وهما الحبرة اليمنية التي يؤت بها من جهة اليمن، وبالأخص في منطقة مشهورة يقال لها: سحول، وهي مشهورة إلى يومنا هذا، تأتي ثياب مخططة مثل ما نسميه اليوم بالمعوز، تعرفون المعوز المخطط. قال: وخاتمه في خلقه، فصه منه. يلبسه في خنصره الأيمن، وربما لبسه في الأيسر. وقد اختلف العلماء في الأحاديث المروية في صفة الخاتم ولبسه. والمشهور: وجاءت فيها أحاديث أنس وجماعة من الصحابة في الصحيحين. والمشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتخذ خاتما، فلما أخبر أن الملوك لا يقبلون كتابا إلا أن يكون مختوما، اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتما، كما جاء في حديث أنس في الصحيحين في سبب اتخاذ الخاتم، وأنه في أول الأمر اتخذ خاتما من فضة، ثم أخبر أنه محرم على هذه الأمة، فخلعه. وأخبر الناس أنه كان قد اتخذ خاتما من ذهب، ولم يخف عليه ما صنع الناس، وأنه يتركه ولا يلبسه، وأن ذلك مما حرم على رجال هذه الأمة، فخلع الناس خواتيمهم، واتخذ عليه الصلاة والسلام خاتما من فضة. قال أنس: فاتخذ الناس خواتيم من فضة. وجاء في بعض الروايات أنه كان في آخر أمره يختم به ولا يلبسه. وكونه جاء في بعض الروايات أنه رؤي قبل موته، ووبيص الخاتم يلمع، قالوا: لعله لبسه لحاجة عارضة. وجاء في بعض الروايات أن فصه منه -يعني من الفضة- وجاء في بعض الروايات أن فصه حبشي. ولض حبشي مشهور عند العرب أنه يطلق على اللون الأسود. وجمع بينه وبين ما جاء في غيره بأحد جمعين: فقال من أهل العلم: أن فصه من فضة، لكن نحته نحت حبشي. وقال بعضهم: بل فصه من فضة، وفيه شيء يسير من اللون الأسود. والظاهر والله أعلم أنه كان كله من فضة، ولكن منحوت بنحت فيه ما يدل أنه نحت أهل الحبشة. ويؤكده أنه كان مخدوم عليه: «محمد رسول الله». ومثل هذا ينحت على الفضة لا على الحجر، وبه يختم. قال: وكان محمد في سطر، وفي الأسفل: رسول، فوقه: الله. هكذا كان خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما صحت به الأحاديث. وكما ذكر: جاء في بعض الروايات أنه لبسه في الأيمن، وبعضها: لبسه في الأيسر. وآخر العهد أنه لم يلبسه، يختم به ولا يلبسه. قال: وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض كلها، فأبان يأخذه، واختار الآخرة عليها. بل قد صح أنه ربط حجرين، كما في غزوة الخندق؛ فإنه من شدة الجوع ربط الصحابة حجرا حجرا، وربط هو عليه الصلاة والسلام على بطنه حجرين. وكل أحاديث كثيرة رويت بهذا صحة عنه عليه الصلاة والسلام. نكتفي بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.