المحاضرة بعنوان الناس في التطير ثلاثة أقسام، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ينقسم الناس في التطير إلى ثلاثة أقسام، وقد يفضي تطير البعض إلى الشرك الأكبر. التطير الشركي يتنافى مع عقيدة أهل الإيمان.
الشرك الأصغر يضر بعقيدة المسلم وإيمانه بالله، مثل الاعتقاد بأن حركة الطيور تسبب الخير أو الشر. هذا النوع من الشرك يتنافى مع التوحيد.
الذهاب إلى الكهان والعرافين محرم وقد يصل إلى الشرك الأصغر أو الأكبر. من أتى كاهنًا أو عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة.
القسم الثالث من الناس وفقهم الله للعلم النافع والعمل الصالح، فكانوا على عقيدة سليمة وإيمان صحيح. هؤلاء الناس لديهم توكل وثقة بالله تعالى.
الناس في التطير ثلاثة أقسام، منهم من كان تطيره يفضي به إلى الشرك الأكبر والعياذ بالله، فيخرجه من دين الإسلام؛ لأن الشرك يحبط الأعمال مهما كثرت، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فالشرك يحبط الأعمال، فمن الناس من يفضي به تطيره إلى الشرك الأكبر والعياذ بالله، وذلك كما أشار الإمام ابن القيم رحمه الله بأحد معنيين اثنين. الأول: أن يعتقد أن شيئًا ينفع ويضر بذاته، وهذا من الشرك الأكبر الذي ينافي عقيدة أهل الإيمان؛ فليس شيء يضر وينفع إلا الله سبحانه وتعالى وحده، فمن اعتقد أن شيئًا يضر وينفع بذاته فقد وقع في الشرك الأكبر، وقد قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾. والمعنى الثاني: أن يعتقد أن أحدًا يعلم الغيب مع الله، فيستطيع أن يكشف الخير والشر، كحال بعض الجهال الذين يذهبون إلى الكهنة والمشعوذين والسحرة والعرافين وأهل العيافة، وهذا بعض ما كان عليه أهل الجاهلية؛ فقد كان أهل الجاهلية يذهبون إلى العائف -وهو الذي يثير الطيور- فيزعمون أنه يعلم الغيب بها، وهذا من الشرك الأكبر؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فلا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى، أو من أعلمه الله من رسله، فالرسول لا يعلم الغيب إلا ما أعلمه الله، وما لم يعلمه الله فليس له به علم، كما قال سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾، يعني فيما أعلمه، فالرسول يعلم ما أعلمه الله، ولا يعلم كل الغيب، ولكن ما أعلمه الله فقط. وقسم ثانٍ كانت طيَرتهم تهوي بهم إلى الشرك الأصغر، والشرك الأصغر أكبر من الكبائر؛ الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، أعظم من الزنا وأعظم من السرقة وأعظم من الميسر ومن شرب الخمر؛ إذا كانت هذه جرائم عظيمة ومحرمات كبيرة، فالشرك الأصغر أعظم منها في دين الله عز وجل؛ لأن الشرك ظلم عظيم كما سماه الله عز وجل: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وذلك يكون كذلك بأحد أمرين اثنين. أولهما: أن يجعل ما لم يجعله الله سببًا للخير أو الشر سببًا للخير أو الشر، فهذا من الشرك الأصغر، كحال بعض الجهال الذين قد يظنون أن الله جعل حركة بعض الطيور أسبابًا للخير أو للشر، وهذا من الشرك الأصغر الذي قد يقع عند بعض الناس، مثله قول ذلكم الرجل لعبد الله بن عباس، والآخر لطاووس، وهكذا قول مزاحم لعمر بن عبد العزيز -رحمهم الله تعالى جميعًا-، وهذا قد يقع من قلة العلم ومن الجهل ومن التأثر بما يسمعه الإنسان، ومن ذلك ما يقع عند بعض الناس إذا جاءته حكة في كفه ويده اليسرى قال: هذا مال سيخرج علي، وإذا جاءته حكة في كفه ويده اليمنى قال: هذا مال سيدخل علي، أو قول بعضهم إذا طنت أذنه اليمنى قال: هذا خبر سار سأسمعه، أو طنت أذنه اليسرى قال: هذا خبر مشؤوم سأسمعه، ونعوذ بالله من سوء الأخبار، وهكذا بعضهم إذا ارتعشت رموش عينه اليمنى قال: هذا خير سأراه، أو عينه اليسرى قال: هذا شر سأراه، وكل هذا مبني على الخيال وعلى الوهم، لا وجود له في الحقيقة، لا وجود له في الحقيقة. فينبغي أن ننتبه لهذا -عباد الله-؛ فإن الله لم يجعل هذه الأفعال ولا الحركات ولا غير ذلك من إقبال بعض الطيور أو الدواب أو الحمام أو غير ذلك أسبابًا للخير والشر؛ فهي مخلوقات من مخلوقات الله، لم يجعلها الله عز وجل أسبابًا للخير، ولم يجعلها سبحانه وتعالى أسبابًا للشر، بل ينبغي أن نعلم أن الذي بيده الخير والشر هو الله وحده سبحانه وتعالى، فلا نعلق قلوبنا بأوهام وبخيالات لا وجود لها في الحقيقة، فضلًا عن أن تضر بعقيدتنا وإيماننا بالله سبحانه وتعالى. والمعنى الثاني مما يدخل في معنى الشرك الأصغر في هذا الباب: ما قد يقع عند بعض الناس من ذهابهم إلى بعض هؤلاء الكهان والحرافين ومن كان بمعنى هؤلاء، حين يظنون أنهم قد يعلمون أن بعض هذه الحركات أو هذه الأحوال تدل على خير أو تدل على شر، وهي ليست كذلك، والذهاب لأمثال هؤلاء هو معنى من المعاني المحرم المنهي عنها، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم عن بعض أزواجه أنه قال: «من أتى كاهنًا أو عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»، وهذا عام يشمل من أتاه ليطلب منه أو لا يطلب منه؛ فبمجرد الذهاب لا تقبل صلاة أربعين ليلة، قال العلماء: وهذا سدا لذرائع الشرك وحماية لحم التوحيد، ولهذا كان على قول بعض أهل العلم: الذهاب لأمثال هؤلاء من الشرك الأصغر؛ لأن الشرك الأصغر في قول بعض أهل العلم وجماعة كبيرة منهم: كل ما يفضي ويوصل إلى الشرك الأكبر، وهذا منه. وأما إذا وقع معه اعتقاد فهو أعظم من ذلك، كما ثبت في مسند الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة، ومعناه من حديث عائشة رضي الله عنهما بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»، فمن ذهب إلى هؤلاء الكهان والعرافين والمشعوذين ومن كان بمعنى هؤلاء ممن يسمون بمسميات كثيرة، ربما يقال: قارئة الفنجان، أو صاحبة الكف، أو قارئة الرمل، أو كذلك معارف الصدف، أو غير ذلك من المعاني الأخرى، فالذهاب إلى هؤلاء لا يخلو من أن يكون مفضيًا وموقعًا في الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر، فإذا كان كذلك فلنحذر -عباد الله- لنحذر من الكثير من التصرفات والكثير من الأحوال التي يقع فيها بعض الناس، فتضيع بهم إلى ما يضر بدينهم. وأما القسم الثالث من الناس: هم من وفقهم الله بالعلم النافع والعمل الصالح لإكمال عقيدتهم وصحة إيمانهم، فنظروا إلى كل ما هو بهذا المعنى فلم يلتفتوا إليه؛ لعظيم توكلهم بخالقهم وثقتهم بربهم، ولعلمهم الذي علموه في هذا الدين العظيم، سلمت لهم عقائدهم وسلمت لهم أحوالهم من هذه الخرافات وهذه الجهالات التي يقع فيها الكثير من الناس، نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يلهمنا رشدنا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول ويتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.