الدرس في القواعد والأصول الجامعة 102، الدرس مائة واثنين : من : (القاعدة السابعة والخمسون ... إنما أقضي بنحو ما أسمع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ شرح القاعدة السابعة والخمسين التي تنص على وجوب حمل كلام الناطقين على مرادهم، مستندًا إلى حديث عمر "إنما الأعمال بالنيات". يُقسم كلام الناطقين إلى ثلاثة أقسام.
يناقش المقطع أقسام الألفاظ وتأثير النية في وقوع الأحكام، مشيرًا إلى أن العبرة بما نواه الشخص لا بما تلفظ به. النية هي الأساس في الأعمال.
يتناول حكم الطلاق عندما ينطق به الشخص دون قصد، حيث يوضح أن القاضي يحكم بناءً على ما يسمع. الشخص الذي يطلق دون قصد يظل ملزمًا بالطلاق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ أبي عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: القاعدة السابعة والخمسون، قال: يجب حمل كلام الناطقين على مرادهم مهما أمكن في العقود والفسوخ والإقرارات وغيرها. هذه القاعدة هي قاعدة جزئية فرعية من القاعدة الكلية: الأمور بمقاصدها. وبعضهم يجعله ضابطًا من الضوابط. ودليل هذه القاعدة حديث عمر المشهور العظيم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وهكذا كل ما ورد بهذا المعنى من الأدلة، كما مر معنا في الكلام على هذه القاعدة. ومعنى هذه القاعدة: يجب حمل كلام الناطقين على مرادهم. ومعنى الناطقين: أي المتكلمين الذين ينطقون بالألفاظ؛ لأن هذا النطق ينبني عليه أحكام. وقوله: على مرادهم، أي على مقصدهم. قال: مهما أمكن. ومعنى مهما أمكن: أن هناك موضع يمكن وموضع لا يمكن. ولهذا قسم العلماء كلام الناطقين إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول: ما كان صريحًا في المقصود. ما كان صريحًا في المقصود، وهو ينقسم إلى قسمين: منهما هو يقين، ومنهما هو غلب الظن. وكلاهما صريح في الدلالة على المقصود، فهو مراد هذا الناطق فيما ظهر من كلامه صريحًا. وهذا الصريح قد يكون بيقين، وقد يكون بغلب الظن. فمثاله في العقود: أن يقول: «بيعتك هذا الكتاب». هذا صريح في إرادة البيع. أو: «ليس صريح: بيعتك هذا الكتاب»، فهو صريح في إرادة البيع، وأن نيته البيع. بخلاف لو قال: «خذ هذا الكتاب»، فهنا ليس صريحًا. ونقول: يقين وغلب الظن؛ لأن بعض العبارات بما احتف بها من قرائن أو بما تعارف عليه يكون بغلبة الظن أنه بيع، مثل الأخذ والعطاء. الأخذ والعطاء: رجل جاء إلى رجل آخر عند رجل آخر يبيع، فقال: «بكم الكتاب؟» قال: «بعشرة»، فأعطاه عشرة من دون أن يقول: هات الكتاب لأشتريه. أعطاه عشرة وأخذ الكتاب ومشى، أو رمى بالعشرة وأخذ الكتاب ومشى. هذا بغلبة الظن بيع، أو ليس ببيع؟ بيع بغلبة الظن بيع، وإن كان ليس صريحًا، يعني ليس يقينًا، لكنه صريح، وإن كان ليس يقينًا. القسم الثاني من كلام الناطقين: ما هو صريح، لكن في الدلالة على غير المقصود، يعني صريح في نفي ذلك. كان يقول: «اشتريت هذا الكتاب بعشرة»، فيقول: «لا»، هذا صريح أو ليس بصريح؟ صريح في نفي ذلك. وهذا ليس مما يذكر في أقسام الناطقين؛ لأن المراد أقسام الناطقين التي بها تثبت الأحكام. ولهذا ذكروا في هذا القسم شيء على خلاف ظاهره، فقالوا: الصريح غير المقصود، يعني يقينًا أو صريحًا، مثل خطاب السكران. خطاب السكران صريح، لكنه غير مقصود. السكران فقد عقله، قال له: «اشتريت هذا الكتاب؟» قال: «نعم». ماذا يكون هذا؟ بيع؟ لا، ما يكون بيع؛ لأن هذا رفع عنه القلم، ما يتم بيع من مثل هذا. وهكذا كذلك السكران لو طلق، في الفسوخ؛ لأنه قال: في العقود والفسوخ والإقرارات. لو أن السكران طلق، ما ثبت هذا الطلاق. وهذا هو الصحيح. وهكذا كذلك في الإقرار، قيل لهذا السكران: «أنت قتلت فلانًا؟» قال: «نعم». هل يثبت الجواب؟ لا، ما يثبت؛ لأنه بفقدان عقله يرفع هذا الحكم. وهكذا كذلك من هذا المعنى المكره، فالمكره كذلك لا يثبت به حكم، لا في العقود، ولا في الفسوخ، ولا في الإقرارات، لا يثبت به حكم، وإن كان تكلم كلامًا صريحًا، لكن حاله يدل أن هذا الصريح غير مقصود وغير مراد. وقد يكون هو مقصود ومراد، لكن بالإكراه. نقول: الأصل أنه غير مراد؛ لأنه أكره. وهكذا كذلك منه أن يقصد خلاف ذلك على وجه التورية أو الإلغاز، على وجه التورية أو الإلغاز، يعني على وجه اللغز أو التورية، مثل إنسان يوري بالطلاق بلغز، ظاهره الطلاق وليس هو الطلاق. فهذا لا يقع به الطلاق، أو كذلك يتلفظ بلغز ظاهره البيع وليس هو البيع. فمثل هذا: «إنما الأعمال بالنيات». وهذا إذا كان اللغز يساعده على هذا الذي فعله. القسم الثالث: وهو محل الخلاف بين أهل العلم، وهو المقصود من إيراد هذه القاعدة، هو ما كان محتملًا. ما كان فيه احتمال يحتمل أن المقصود هذا اللغز، واحتمل أن لا يكون ذلك مقصودًا، أو العكس. اللغز لا يدل على المقصود، لكن القرينة والحال تدلان على المقصود. مثال الأول: طلاق الغضبان. طلاق الغضبان: إنسان غضبان غضب يذهب معه عقله. بعض الناس إذا غضب عنده حالة يفقد العقل، فيتلفظ بلفظ الطلاق. لكن قرينة الحال لا تدل أنه أراد الطلاق، كأن مثلًا يغضب، ومن غضبه يشتم ويسب ويضرب ويتلفظ بلفظ الطلاق، ما عدم وجود مبرر للطلاق، وإذا ذكر لم يذكر. فهنا لا يثبت على الصحيح الطلاق على هذه القاعدة. لماذا؟ لأننا ينبغي أن نحمل كلام الناطقين على مرادهم مهما أمكن. هل أردت الطلاق؟ قال: «والله ما أردت الطلاق». أنت تلفظت بالطلاق، قال: «ما أدري، ما أدري أني تلفظت بالطلاق، ولو تلفظت فإني لم أرد الطلاق». فهل يثبت الطلاق؟ الجواب: لا، ما يثبت الطلاق. «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وهكذا كذلك قلنا في هذا، وفي العكس: أن يتلفظ بالألفاظ ليس ظاهره الطلاق، لكن بالعرف وبقرينة الحال يفهم منه أنه طلاق، مثل: «اذهبي إلى بيت أهلك، أنت اليوم مخلية، ارجعي من حيث أتيت، اليوم لا تبيتي في هذا البيت»، ونحو ذلك من العبارات. ظاهره ليس طلاق، لكن إن كان العرف يستعمل للطلاق، وكان كذلك الحال يدل على الطلاق، فإنه يكون طلاقًا. «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فلو سئل: هل أردت بهذا الطلاق؟ فقال: «نعم، أردت الطلاق، لكن هل تجدون لي مخرجًا؟ فأنا لم أتلفظ بلفظ الطلاق». فيقال له: «لا، ليس لك مخرج». «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». أنت نويت الطلاق بهذا اللفظ، فوقع الطلاق، ولو لم تتلفظ بلفظ الطلاق. وهكذا كذلك في العقود، وهكذا كذلك في الإقرارات. قال رحمه الله تعالى: وذلك أن الأقوال داخلة في الأعمال، فتدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». والقول عمل. وما هو الدليل على أن القول عمل؟ هذا ما هو الدليل أن القول عمل؟ أي شاء، ليس حديث: «حمار قل بيديك هكذا»، فسمى الفعل ماذا؟ قولًا. واستدل العلماء بهذا على ما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: وذلك أن الأقوال داخلة في الأعمال، فتدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». أما ما يتعلق به بنفسه، فهذا ليس فيه استثناء. أن العبرة بما نواه لا بما لفظ به. أما ما يتعلق بنفسه، يعني نفس العمل أو نفس المتكلم، قال: أن العبرة بما نواه لا بما لفظ به، هذا هو الحق. فلو أن إنسان - وهذا به يعرف خطأ بعض المتمذهبة فيما وقعوا فيه من بعض البدع - لو أن رجلًا وقف ليصلي، فقال: «نويت أن أصلي العصر»، وهو واقف ليصلي الظهر. «نويت أن أصلي العصر أربع ركعات» إلى آخره من التجديد الذي يفعله بعض المتمذهبة، فكبر، ولما كان بنصف الصلاة قال: «نحن في الظهر». كيف أنا تلفظت بماذا؟ بالعصر، ونحن في الظهر. على قاعدتي ماذا سيفعل؟ سينفض النية. سينفض اللفظ من بين أصابعه، ها تنتفض اللفظ هكذا يفعلون، يرخون أصابعهم وينفضون ما تلفظوا به. وهذا من الخطأ، أولًا لأن التلفظ بالنية بدعة وليس من السنة. وثانيًا أن العبرة بما في نيته لا بما تلفظ به. العبرة بما في نيته لا بما تلفظ به. فلو تلفظ ما تلفظ، فالعبرة بما في نيته. ولهذا قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: لو قيل لأحد: صلي بغير نية، ما استطاع أن يصلي بغير نية. هل يستطيع إنسان يصلي بغير نية؟ يأتي إلى صلاة الظهر ويريد أن يكبر، هل أثناء تكبيره في قلبه نية أم ليس في قلبه نية؟ ها في قلبه نية، هو يعرف أنه سيصلي ماذا؟ الظهر. فلو تلفظ بمليون لفظ يخالف هذا الذي في قلبه، ما تغير الذي في قلبه. بقي الذي في قلبه. ولهذا قال رحمه الله: ولو أن أحدًا كلف أن ينقل جبلًا من محله لكان أهون عليه من أن يأتي العمل بغير نية. يصلي بغير نية. تنقل جبلًا من محله تصل إلى نهاية، إذا مدد الله في عمرك ستستطيع أن تنقل الجبل من محله إلى محل آخر، إذا مدك الله بالقوة وطول العمر تستطيع. لكن لو عشت الدهر كله ما تستطيع أن تصلي بغير نية. فالعبرة بالنية. «إنما الأعمال بالنيات». قال رحمه الله تعالى: وأما إذا تعلق بكلامه حق للغير، فكذلك نعتبر ما نوى، إلا أن الغير إذا طالبوا بمقتضى لفظه لم يكن لنا أن يحكم إلا بالظاهر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما أقضي بنحو ما أسمع»، متفق عليه. فأخرج الآن من المسألة وجهان. الوجه الأول: أخرج الوجهين. الوجه الأول هو ما كان في نفس الإنسان، أو ما كان في نفس العمل. العبر فيه بما نواه لا بما لفظ به، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها». فحديث النفس هو الذي به يعني النية، هو الذي به الحكم ما لم تعمل أو تتكلم. وهكذا فالعبرة بالنية. «إنما الأعمال بالنيات». فلو لم يعمل شيئًا وتكلم بما تكلم، لا عبرة بذلك. العبرة بنفس الأمر وهو ما نواه. والاستثناء الثاني: إذا كانت المسألة فيها حقوق ومنازع وخصومات، فالعبرة بما ظهر من لفظه لا بما نواه. فلو قال إنسان وخاصمته امرأته، قالت: «طلقني زوجي الليلة». فقال: «أمزح». قالت: «أنت قلت أنت طالق». فقال الزوج: «أبدًا، أنا أمزح. قلت طالق، ما أردت الطلاق، إنما أنا أمزح». فاختلفوا إلى القاضي. القاضي ماذا يصنع؟ ها هل يقبل أن يقول: «أمزح»؟ لا، يسأل الرجل. الرجل يقول: «أنا أمزح»، والمرأة تقول: «تلفظ». قال الرجل: «تلفظ». قال: «نعم، تلفظ، لكني أمزح». فهنا يقال بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما أقضي بنحو ما أسمع». «إنما أقضي بنحو ما أسمع». فسمع هذا اللفظ، إذن يقضي بنحو ما يسمع، وأمره إلى الله سبحانه وتعالى. لماذا؟ لأنه لو فتح هذا الباب، لو فتح هذا الباب فتح على الناس باب عظيم من الشر. فكل إنسان سيغير صريح لفظه إلى شيء آخر، وعند ذلك لا يثبت حق أبدًا. لا تثبت الحقوق. يضرب يقول: «ما قصدت أخطأت». وهكذا يتلفظ بالطلاق يقول: «ما قصدت». إذن سيطلق مئة طلقة وهو ما يزال يقول: «أنا ما قصدت، أنا أمزح، أنا أريد كذا». ولهذا فإنه يقضى بنحو ما جاء بالحديث: «إنما أقضي بنحو ما أسمع». طيب نقف عند هذا الحد، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.