الدرس في شرح الأصول الثلاثة 16، الدرس السادس عشر : (28 ربيع ثاني1432هـ) (ودليل شهادة أن محمدا رسول الله ... وأن لا يعبد الله إلا بما شرع). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
المقطع يتناول دليل الشهادة بأن محمدًا رسول الله، حيث ذكر المؤلف رحمه الله تعالى آية التوبة 128 كدليل على ذلك. كما شرح معنى الشهادة ودلالتها على طاعة النبي وتصديقه واجتناب ما نهى عنه.
يتناول المقطع أدلة عقلية وفطرية وحسية تثبت صدق رسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، مثل معجزات حدثت في زمانه، والإخبار بالأمور الغيبية، وانتشار دعوته في فترة قصيرة، وبقاء الآيات الشرعية والكونية.
يتناول المقطع تفسير شهادة أن محمدًا رسول الله، ويشرح معاني الآيات القرآنية التي تدل على رسالته، ويبين أهمية طاعة الرسول وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه. كما يشدد على أن العبادة لا تقبل إلا إذا كانت خالصة لله وموافقة لسنة رسوله.
المقطع يشير إلى انتهاء الحديث في موضوع معين مع التبرك بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الاعتراف بعلو علم الله تعالى.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وصحبه وسلم. مرة معنا في الدرس الماضي تتمات فيما يتعلق بتفسير الشهادة والآيات التي ذكرها المؤلف، رحمه الله تعالى. ثم قال رحمه الله: ودليل الشهادة أن محمدًا رسول الله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. تنى المؤلف رحمه الله بدليل الشهادة وتفسيرها، أي شهادة أن محمدًا رسول الله، فهي أحد قسمي الشهادة. فمن دليل شهادة أن محمدًا رسول الله قوله جل وعلا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، فهذه الآية دليل من القرآن على إثبات أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب على كل من أراد دين الإسلام أن يثبت هذه الشهادة. وكما تقدم معنا، لفظ الشهادة أعظم من أمر الإقرار وإثبات العلم. أمر الشهادة أعظم من الإقرار وإثبات العلم، ففيه إقرار اللسان والقلب والجوارح والعقد على ذلك. ففيه إقرار اللسان والقلب والجوارح، أي على معنى هذه الشهادة كما سيأتي، والعقد على ذلك، أي الجزم، فهو علم وزيادة. ومنه شهادة الشاهد، فشهادة الشاهد هي إثبات العلم على الوجه اليقيني المبرهن. شهادة الشاهد إثبات العلم على الوجه اليقيني المبرهن، فهو علم وليس علم عادي، بل يقيني، وليس يقيني فحسب، بل ولابد أن يكون مبرهنًا واضحًا مبرهنًا. فكذلك لفظ الشهادة بالنسبة لله عز وجل وللنبي صلى الله عليه وسلم. وأدلة ذلك كثيرة، لكن المؤلف رحمه الله تعالى اكتفى بهذه الآية لما فيها من ظهور المعنى والمقصود، هو الاقتصار على ما يؤدي للمقصود. ثم إن أدلة إثبات الرسالة، كما أن كذلك أدلة إثبات ربوبية وألوهية الرب جل وعلا لا تقتصر على أدلة الكتاب. فأدلة الكتاب، وكذلك السنة الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأدلة العقل والفطرة والحس والمشاهدة، كلها تثبت معنى الشهادتين. فإن هذه الأدلة الخمسة قد تضافرت في إثباتي هذا المعلوم بما لا يتردد منصف، مهما بلغ في البعد، إن كان منصفًا، أن هذا المعلوم حق وصدق. فمن الأدلة العقلية تأييده عليه الصلاة والسلام بالآيات والمعجزات. وهكذا كما قال عليه الصلاة والسلام: «ما أرسل الله من نبي إلا وأرسل معه من الآيات ما على مثله يؤمن البشر»، لماذا؟ حتى تقوم الحجة على الخلق. حتى تقوم الحجة على الخلق، فيعضد الدليل العقلي الدليل النقلي. والمراد بالنقلي أي أدلة الوحي، والعقلي أي ما ثبت ما أثبته العقل ولم يحيله. وقد ألف العلماء في دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته كتبًا فيها أدلة كثيرة تدل على صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. فمن ذلك على وجه الاختصار، رسالة القرآن معه عليه الصلاة والسلام، وهو رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك تحداهم الله جل وعلا أن يأتوا بعشر سور، والعرب أفصح الناس في ذاك الزمان، ونزل القرآن بلغتهم، ومع ذلك لم يستطيعوا، فتحداهم أن يأتوا بسورة واحدة، فعجزوا على كثرة فصحائهم أن يأتوا بسورة واحدة مثل ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. ومن تلك الآيات انشقاق القمر في زمانه عليه الصلاة والسلام، كما أخبر الله عز وجل به في كتابه، وصحت به الأحاديث الصحيحة، بل وأثبت العلم الحديث وقوع هذه الحادثة. ومنها نبع الماء بين أصابعه، وحنين الجذع، وإطعام الناس الكثير بالطعام القليل. ومنها الإخبار بالأمور الغيبية مما سبق، ولم يكن يعرف ذلك إلا خواص علماء أهل الكتاب. فلو كذب في واحدة أو أخطأ لكذبوه، ولم يكن ذلك. وهكذا أخبر بأمور مستقبلة، بعضها في المستقبل القريب، وبعضها في المستقبل البعيد، وكلها وقعت كما أخبر عليه الصلاة والسلام، مما يدل بلا شك عند كل منصف أن مثل هذا لا يكون إلا دليلًا واضحًا بينًا وبرهانًا قويا أنه رسول الله حقًا وصدقًا. فمن القريب ما أخبر به في زمانه عن هزيمة الروم، علم أعلمه الله وهو في مكة، ووقعت الحرب في الشام في جهة ما يسمى اليوم بالبحر الميت، ولم يكن هناك وسائل يمكن بها التواصل السريع في مثل هذه الأخبار. وليس هذا فحسب، بل وأخبر أنهم سيغلبون الفرس في بضع سنين، يعني أقل من عشر سنوات، كما قال الله عز وجل: ﴿أَلِفَ لَام مِيم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، فوقع الأمر كما أخبر الله عز وجل به في أوائل سورة الروم. فهو كما تقدم دليل واضح عند كل منصف أن مثل ذلك يدل أنه رسول الله حقًا وصدقًا عليه الصلاة والسلام. وتضمنت الآية كذلك معجزة أخرى، فبقوله: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾، فسره بعض المفسرين بأبعد الأرض، وفسره بعضهم بأخفض الأرض، وأثبت العلم الحديث أن هذا المكان من الأرض هو أخفض مكان في الأرض، ولم يكن مثل هذا يمكن إثباته في ذاك الزمان، فهذا دليل آخر يؤيد هذا المعنى. وأما من الأمور المستقبل البعيدة فكثير جدًا، من هذا الكثير إخباره عليه الصلاة والسلام بفتح بعض البلاد من بلاد الكفر، ومشاركة أناس بأعيانهم في هذا الفتح، بل وكيفية موت أو أحوال موت بعض أصحابه، وكل هذا يدل على ما سبق. فالحاصل، هذا بعض الأدلة العقلية في هذا الباب، أنبه عليه لأجل أن بعض الناس ربما قد يجد من يشكك فيه، فلذلك أعطيت هذه الوقفة. فمن أدلة الفطرة وكذلك الحس. فأما الحس، فالآثار الكثيرة التي تدل على صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. فمن ذلك انتشار دعوته في فترة قصيرة، وبلوغ دعوته إلى البلاد البعيدة. وهكذا كذلك بقاء بعض الآيات الشرعية والكونية التي هي حجة على من بعدها عليه الصلاة والسلام. فهذا القرآن بين أيدينا مليء بالآيات والعبر والمعجزات، كما بيّنه العلماء. وهكذا كذلك تفاصيل سيرته وأحداث كثيرة في حياته عليه الصلاة والسلام، كلها من أدلة الحس التي تدل أنه رسول الله حقًا وصدقًا. ومن أدلة الفطرة ما يجده كل منصف أن اجتماع هذه الأدلة مع وجود براهين الصدق، وكونه لم يوجد دليل واحد ينقض أو يعارض هذه الأدلة الكثيرة، يستوجب هذا عند كل منصف بفطرته السليمة أن هذا هو الحق والصدق، وأنه رسول الله حقًا وصدقًا. فمن تأمل هذه الشريعة من أولها إلى آخرها، بأخبارها الصادقة وأحكامها العادلة، ووجد في فطرته إقبال أنه هو الحق، وأن ما سواه هو الباطل. وبه نعرف أن دعوى من يدعي أنها عبقرية أو ذكاء رجل أن ذلك باطل. فقد كان في الوجود عباقرة وأذكياء، ولكن لم يكن لهم أبدًا ولا جزئية من جزئيات، فضلًا عن يكون هناك شبه بما جاء به عليه الصلاة والسلام. وأما معنى الآية: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، الخطاب للناس جميعًا، نزلت في حق العرب، ولكن المراد بها كل الناس بالأدلة الأخرى. ولهذا فسر بعض مفسرين قوله سبحانه: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، أي من جنسكم، أي إنسي ليس بملك ولا جني ولا شيء تستغربونه. ومعنى قوله: ﴿عَزِيزٌ﴾، أي يعز عليه ما يؤذيكم، ما يؤذيكم، وهذا هو معنى العنت. ما عنتم، أي ما يوقعكم في المشقة والأذية. ومعنى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، أي حريص على إيصال النفع لكم ودفع الضر عنكم. وقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، واضح. والمقصود أن هذه من أعظم العلامات عند كل منصف أنه رسول الله حقًا وصدقًا. فهذه الأخلاق العظيمة والصفات العالية التي لم يوجد مثلها عند أحد من البشر، إلا ما كان بعضها أو قريب منها عن بعض الرسل عليهم الصلاة والسلام، تدل أنه رسول من رسل الله. ثم فسر الشهادة فقال: «ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله طاعته فيما أمر» إلى آخر ما أخبر به. تفسير الشهادة مهم كما سبق، مثله أو قريب منه في أهمية تفسير شهادة أن لا إله إلا الله، لأن من الناس من يتلفظ بالشهادة ولا يعرف ما تقتضيه هذه الشهادة. ولهذا فسرها المؤلف كغيره من أهل العلم. ومر معنا معنى الشهادة. وأما إثبات معنى كونه رسول الله، ففيه إثبات أنه رسول، فليس بإله ولا كذلك بكذاب، بل هو رسول الله، ليس إله يعبد أو يغلى فيه، ولكنه عبد لله عز وجل أرسله الله. فليس هو كسائر الناس، بل عبد مرسل، عبد مرسل. فإذا علمنا ذلك، عند ذلك نعلم أن من لوازم إثبات معنى الرسالة طاعته فيما أمر. وأدلة الكتاب والسنة في الأمر بطاعته كثيرة، كما قال سبحانه: ﴿إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. وتصديقه فيما أخبر، أي من الأخبار التي جاءت في كتاب الله أو في صحيح سنته عليه الصلاة والسلام، لأنه كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، فما ينطق به هو وحي من الله سبحانه وتعالى. وقوله: «واجتناب ما عنه نهى وزجر»، أي الابتعاد عما حرم في كتاب الله، في كتاب الله أو صح في سنة عليه الصلاة والسلام، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه». وقوله: «وأن لا يعبد الله إلا بما شرع»، هذا أصل عظيم في هذا الدين، إذ لا يقبل عمل العامل إلا أن يكون لله خالصًا ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم موافقة. فالأصل في العبادات التوقف والتشريع من الله وبما جاء به رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى. ففيه إغلاق باب الأهواء والبدع. ولهذا كان يكرر النبي عليه الصلاة والسلام قوله في خطبه: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». وقال عليه الصلاة والسلام: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». وسنة الخلفاء هي من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، لأنهم إنما يسنون للناس ما علموه منه عليه الصلاة والسلام. وبهذا نكون قد انتهينا مما ذكره رحمه الله في هذا الموضع. وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.