شرح الأصول الثلاثة  6

شرح الأصول الثلاثة 6

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 6، الدرس السادس : (7رجب 1431هـ) (الثالثة أن من أطاع الرسول ووحد الله ... أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

المسألة الثالثة من الأصول الثلاثة وعدم جواز موالاة من حاد الله ورسوله

تناول الدرس المسألة الثالثة من الأصول الثلاثة وهي عدم جواز موالاة من حاد الله ورسوله، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. هذه المسألة مهمة لأنها تنافي حقيقة الإيمان والتوحيد وطاعة الرسول.

ضوابط التعامل مع الكفار وتحريم موالاتهم

ناقش الدرس تحريم موالاة الكفار مع ضرورة التفريق بين الكفار الحربي وغير الحربي، حيث يعامل كل صنف حسب أحكام الشريعة. كما شدد على عدم جواز خيانة العهود مع الكفار غير الحربيين مثل المستأمن والمعاهد والذمي.

تحذير من موالاة الكافرين وعواقبها

حذر الدرس من موالاة الكافرين، مشيراً إلى وجوب محبة المؤمنين وبغض الكافرين. بين أن موالاة الكافرين قد تكون كفرًا أكبر أو أصغر، بينما الاستعانة بهم في بعض الحالات مباحة إذا لم تكن لهم سلطة على المسلمين.

ختام الدرس والدعاء

اختتم الدرس بنهاية مناسبة مع الدعاء والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشيراً إلى أن الله تعالى أعلم. يظهر أن الدرس قد انتهى دون تفصيل إضافي.

  • 21 جمادى الآخرة 1432هـ - 24/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لدرسنا في ثلاثة الأصول، مر معنا في الدرس السابق المسألة الثانية من المسائل الثلاث التي يجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلمها. فأخذنا في المسألة الأولى تقرير معنا وحدانية الرب سبحانه وتعالى بأنه الخالق الرازق جل وعلا وحده، وأنه لم يترك عباده هملًا بل أرسل إليهم رسلًا وأنزل إليهم كتبًا، فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه توعد بالنار. وأخذنا في الثانية، أي المسألة الثانية، ما تستلزمه المسألة الأولى، فمن أقر بربوبية الرب جل وعلا لزمه أن يعبده سبحانه وتعالى ولا يعبد معه أحدًا، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، فضلًا عن من هو دون ذلك. وأخذنا ما يتعلق بهذه المسألة. ثم ذكر رحمه الله المسألة الثالثة، فقال رحمه الله: «الثالثة: أن من أطاع الرسول وحد الله لا يجوز له موالات من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب». والدليل قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أورد رحمه الله هذه المسألة الثالثة التي هي من المسائل الواجبة، أي التي يجب أن يعرفها ويعتقدها ويتعلمها ويعمل بمقتضاها كل مسلم ومسلمة. وذلك أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالات من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب. ومناسبة التنبيه لهذه المسألة وذكرها أن مما ينافي المسألة الأولى والثانية عدم تحقق هذه المسألة الثالثة، فإن الكثير من الناس ربما يحصل لهم الخلل في عملهم وعقيدتهم وعبادتهم وسائر أمور حياتهم ومواقفهم بسبب الخلل في هذا الباب. ولهذا نبه عليها المؤلف رحمه الله. كما أن معنى هذه المسألة متضمن لمعنى التخلية الذي هو أحد ركني كلمة التوحيد. وكلمة التوحيد تخلية وتحلية، وإن شئت فقل نفي وإثبات. فالنفي هو نفي الشرك والبدعة والمعصية وأهلها، ومن ذلك موالات من حاد الله ورسوله، فإنه من النفي الذي يجب على كل من طلب التوحيد وأراد عبادة الله سبحانه وتعالى أن يعمل به. ولهذا جاءت الآيات الكثيرة والأحاديث الأكثر التي تدل على معنى هذا الأصل الثالث وهذه المسألة من المسائل التي هي من أصول هذا الدين وثوابته ومهماته. فقوله رحمه الله: «أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالات من حاد الله ورسوله»؛ ذلك لأنه ينافي حقيقة الطاعة والانقياد والمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، ولأنه ينافي حقيقة التوحيد لله عز وجل. والدليل كما ذكر رحمه الله: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ﴾. وذلك لأن موالاة من حاد الله ورسوله ينافي الإيمان، ولهذا قال في أول الآية: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي حق الإيمان وصدقه وكامله. تحصل منهم المودة لمن حاد الله ورسوله. فمواداة من حاد الله ورسوله علامة من علامات ضعف الإيمان، فهو شيء منافي للشرع، بل وكذلك منافي حتى للعقل. فمن أنصف نفسه علم بعقله، فضلًا عما دل عليه الشرع، أنه لا يمكن لإنسان يدعي حب محبوب يوالي أعداء هذا المحبوب. فإن الموالاة تكون بالمناصرة والمعاونة وغير ذلك من أسباب وأقوال وأفعال توصل إلى معنى الإيمان بالله عز وجل. ولهذا قال الله عز وجل في هذه الآية: ﴿لا تَجِدُوا قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْآيَةَ﴾. وهكذا كذلك الآيات في هذا كثيرة، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. فلا يجوز لمسلم صدق في إيمانه أن يوالي ويواد من كان عدوًا لله من الكافرين والمشركين والمنافقين؛ لأن هذا ينافي الإيمان والصدق مع الله عز وجل. ونبه العلماء هاهنا أن الكفار ينقسمون إلى قسمين: كافر حربي، وكافر غير حربي. فأما الكافر الحربي، فهذا لأجل ما كان منه من شدة العداوة بعد قيام الحجة، وكذلك إعطائه الفرصة وأبى إلا القتال والاعتداء على المسلمين. فأمثال هؤلاء يقاتلون، فلا يقف الأمر عند عدم مودتهم وموالاتهم فقط، بل كذلك يجاهدون بما ينكف شرهم وينقمع باطلهم، ولا تكون لهم الراية العليا كما أمر الله عز وجل أن يقاتل الكفار حتى يكون الدين كله لله. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله. وفي الآية الأخرى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام في الجهاد في سبيل الله هو الذي يكون لتكون كلمة الله هي العليا. والنوع الثاني من الكفار من كان ليس بحربي، ويدخل في هذا ثلاثة أصناف: المستأمن، وهكذا كذلك المعاهد، والذمي. والمستأمن من يكون بينه وبين المسلمين أمان، ولو كان الأمان بأحد المسلمين، فذمة المسلمين لا تخفر، ويأخذ لجميعهم بأدنى واحد منهم، كما صح معناه عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، منها ما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث علي رضي الله عنه. بل جاء في الصحيح قول النبي عليه الصلاة والسلام لأم هانئ: «قد أجرنا من أجرتي يا أم هانئ». وهكذا كذلك الذمي الذي يبقى في بلاد المسلمين أو تحت حكم المسلمين ويدفع الجزية، فإن مكتبه عقد الذمة المحافظة عليه فيؤمن في ماله ونفسه وعرضه. ومثله المستأمن، وهكذا كذلك الثالث وهو المعاهد من بينه وبين المسلمين عهد وميثاق، فيجب وفاء العهد له، سواء معه مباشرة أو مع دولته الكافرة. فكل هؤلاء الثلاثة لهم حقوق في دين الإسلام لا تنافي هذه الحقوق ما مر معنا من عدم موالاتهم ومودتهم. فإن تلك الحقوق تعطى لهم بنص الكتاب والسنة وبما أوجبته الكثير من الأدلة. فالصحة عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من قتل معاهدًا، وفي رواية ذميًا، في غير كنه لم يجد رائحة الجنة. وهذه الحقوق التي هي لهم لا ينافيها أمر عدم موالاتهم ومودتهم. قد يقول قائل: كيف تكون خلطة أمثال هؤلاء الكفار ومعاملتهم وهم في بلاد المسلمين وفي أوساط المسلمين؟ الجواب: يعاملون بآداب الإسلام مما يكون فيه تأليفهم ودعوتهم لهذا الدين، ومما فيه كذلك إعطاءهم حقوقهم التي أمر بها هذا الدين، وذلك بوفق ضوابط لا يكون فيه خضوع وذل المسلم، كما لا يكون فيه تنفير هذا الكافر. ومن تتبع الأدلة الشرعية التي ذكرها العلماء بهذا الباب وجد الشيء الكثير. فالأمر في هذا وسط لا إفراط ولا تفريط، وهذا هو ديننا الذي أمرنا الله عز وجل به. ثم إن الآية فيها تأكيد عدم المودة والموالاة لمن حاد الله ورسوله ولو كان هذا المحاد أبًا أو ابنًا أو أخًا أو حتى عشيرة. وهنا قد يقول قائل: هل معنى ذلك عدم بر الأب وعدم الإحسان إلى الابن والرحمة به، فيعامل كما يعامل الأجنبي، بل ليس الأجنبي في حسب يعامل كما يعامل سائر الكفار؟ الجواب: لا، ليس هذا هو المقصود من الآية، ولكن المقصود من الآية المودة التي تنافي الإيمان، وهكذا كذلك الموالاة التي تنافي الإيمان. أما الحب الفطري بين الابن وأبيه والأب وابنه والأخ وأخيه والرجل وعشيرته، فهذا لا ينهى عنه الشرع، بل الشرع يأمر به ويطلب من المسلم أن يستعين به في جلب الخير لقريبه. وقد حرص النبي عليه الصلاة والسلام على هداية عمه أبي طالب، وقد كان كافرًا إلى آخر لحظة من لحظات حياته، وكان يحسن إليه. فعلم بهذا أن مثل ذلك لا ينافي المودة المنهية عنها، ولكن المقصود مودة منافية للإيمان. كما قال جل وعلا: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فالمقصود هاهنا هو أن المسلم ينبغي أن يراعي محادة هذا الكافر ولو كان قريبًا، ومن ذلك أن لا يوالي لأجل قرابته، ولا يحب الحب الذي يزاحم حب الله ورسوله وحب المؤمنين. فأنت تحب المؤمن ولو كان بعيدًا أكثر من حبك لقريبك إذا كان هذا القريب من الكافرين؛ لأنه عدو لله ولرسوله. ولا يمنع ذلك أن تبدأ أسباب الإحسان التي يكون بها ترغيبه في هذا الدين، ولا يمنع كذلك أن تحسن إليه بما تعطيه حقه من أبوه أو بنوه، فهذا شيء فطري. وأما شيء يكون مزاحمًا لمعنى الإيمان وحق المؤمنين، فهذا هو المنهي عنه والمقصود في هذا الموضع. والمراد بالعشيرة هاهنا هم القريبة، وكل من له الأقارب والقبيلة، وكل من لهم صلة بالمسلم. والمراد بالمحادة هاهنا هم الذين كفروا بالله، فصار كفرهم عداوة لله ولرسوله ولكل من آمن بالله ورسوله، فهو الذي خرج عن الحد. فأوجب ذلك بغضًا وعداوة ومخالفة لا يمكن للمؤمن معها أن يقع في قلبه ود لمثله. ثم نرى في هذه الآية أن من حقق ذلك فهؤلاء الذين كتب الله عز وجل في قلوبهم الإيمان؛ لأنهم أخلصوا في قلوبهم وأعمالهم بما يبرهن حقيقة الإيمان من الله عز وجل. وهكذا كذلك: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ أي قواهم سبحانه وتعالى بنور القلوب في إيمان قلوبهم، وكذلك بما يكون به نصرة هذا الدين؛ لأنه بذلك لا يضعف الحق بل يقوى، ويضعف الباطل. وأما إذا والى المسلم أهل الشرك والنفاق والكفر، تقوى أهل الشرك والنفاق والكفر، وضعف أهل التوحيد. وكثيرًا ما يقع مثل هذا عند من يضعف إيمانه، ربما يقوى ويوالي الكفار لأنهم من قرابته، ويعادي ويبغض المؤمنين لأنهم ليسوا من قرابته، خصوصًا إذا كان أهل الإيمان من الضعفة. فعند ذلك يكون الأمر في المجتمع على خلاف المقصود، فيحصل بذلك الشر. فالواجب هاهنا الالتزام بهذه الضوابط الشرعية والأوامر الربانية. فإذا تحقق ذلك جاء هذا الوعد الحسن الذي وعد الله عز وجل به المخلصين من أهل الإيمان والصادقون في توحيدهم، قال جل وعلا: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وفي هذا دليل أن من لم يحقق ذلك ففي انتسابه لهذا الدين وأهله غبش وضعف. وفيه دليل كذلك أن من لم يحقق هذا الأصل يخشى عليه أن لا يدخل جنة الله ولا ينال رضاه سبحانه وتعالى. قال العلماء: ومعنى أنه لا يدخلها دخولًا أوليًا، فيعذب بقدر معصيته. بل قد تكون موالاته -والعياذ بالله- موصلة له إلى الكفر. ولهذا قسم العلماء هذه الموالاة والموادة إلى قسمين: منهما يكون كفرًا أكبر، ومنهما يكون كفرًا أصغر. والكفر الأكبر ما كان منافيًا لأصل الإيمان قولًا وفعلًا وعقيدة، فإنه يفضي به إلى الكفر الأكبر. وأما الأصغر، فهذا هو الأصل، فإن الإنسان قد يكون لأجل الدنيا يحصل منه ضعف في إيمانه، فيوالي أعداء الله. فمثل هذه الموالاة تكون كفرًا أصغر، لكن ليس على إطلاقه. فليس كل من والى لأجل الدنيا يكون كفره كفرًا أصغر، بل قد يكون كفرًا أكبر، وذلك إذا كان فيه إعلاء لكلمة الذين كفروا على كلمة المؤفمين. فقد نص العلماء أن بعض الموالاة قد تكون كفرًا أكبر. والموالاة لا ينافيها الاستعانة. فنريد أن ننبه هنا أن الاستعانة معنى أخص من الموالاة. فالاستعانة قد تكون من الموالاة، وقد لا تكون من الموالاة. فالموالاة المذمومة هي ما سمعتم. وأما الاستعانة المذمومة هي ما سمعنا مما يدخل في معنى الموالاة المنهي عنها. وأما الاستعانة التي لا تنافي الموالاة، هي الاستعانة التي أذن الشرع بها، مثل استعانة المسلم بالكافر عند حاجته إليه، بما لا يكون للكافر سلطة ومكنة على أهل الإسلام. وقد استعان النبي صلى الله عليه وسلم بمشرك في الهجرة. ولهذا مواضع في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وسنته والصحيح في هذا التفصيل. وننبه بهذا؛ لأن بعض الناس أثار هذه القضية وجعل كل استعانة موجبة لمعنى الموالاة، وأعظم من ذلك جعلها كفرًا أكبر. وليس هذا بصحيح. أولًا: لأنه ليس كل استعانة مذمومة، بل فيها تفصيل. وثانيًا: ليس كل موالاة لازمها الكفر الأكبر، بل منهما هو كفر أكبر، ومنهما كفر ما هو كفر أصغر. وهذه إشارات في مثل هذا الكتاب المختصر، وهناك بحوث وكذلك كتب مطولة فيها تفصيل مثل هذه المسائل. فينبغي لطالب العلم أن ينتبه لها وأن لا يلتبس عليه أمرها بشبه بعض أهل الضلال والجهل مما يثيره بعض الناس في المجتمع. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.