الدرس في شرح الأصول الثلاثة 8، الدرس الثامن : (15ذو القعدة 1431هـ) (فإذا قيل لك:ما الأصول الثلاثة ... الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بشرح الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها وهي معرفة العبد ربه ودينه ونبيه، ويبين أهمية هذه المعرفة. يشمل ذلك معرفة الرب في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ومعرفة الدين الإسلامي.
يشرح كيفية معرفة الله تعالى من خلال آياته الكونية ومخلوقاته، ويبين أهمية الدليل في إثبات العقيدة الصحيحة. يستشهد بالآيات القرآنية التي تدل على معرفة الله بآياته ومخلوقاته.
يؤكد على أهمية الجمع بين معاني الربوبية والألوهية في معرفة الله، مستشهدا بالآيات التي تربط بين خلق الله للكون ووجوب عبادته. يبين أن العقل والشرع يتفقان على أن الله هو الخالق والمستحق للعبادة.
يستدل على وحدانية الله في ألوهيته بوحدانيته في ربوبيته، ويبين أهمية هذا الدليل في إثبات وحدانية الله في العبادة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟ فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمدا صلى الله عليه وسلم. شرع المؤلف رحمه الله تعالى الدخول في المقصود من هذه الرسالة المسماة بالأصول الثلاثة. وبعد أن وطأ بتلك المباحث والمسائل التي مرت بنا، اتضح أهمية معرفة هذه الأصول التي يجب على كل إنسان أن يعرفها، ولا يسع أحدا أن يجهلها. وقوله رحمه الله: فإذا قيل لك، إرادوا هذا المعلوم على هيئة وطريقة السؤال، فيه تشويق للطالب في أخذ هذا العلم ومعرفته. وكذلك حث على تعلم هذا العلم، لأن الإنسان إذا علم أنه سيسأل مثل هذا السؤال وهو يجهله، دعاه ذلك إلى الاعتناء به. فالإنسان لا يحب أن يسأل، وهذا هو الغالب، عن شيء وهو لا يعلم له جوابا. بل إذا سئل اجتهد أن يعرف جواب ما لم يستطع الإجابة عنه. فكان في هذا حث منه رحمه الله تعالى لمعرفة هذه الأصول الثلاثة وتعلمها. وقوله رحمه الله: ما الأصول الثلاثة؟ الأصول جمع أصل، ويذكر أنه في اللغة ما يبنى عليه غيره. والمراد به هاهنا أصول هذا الدين، فجميع واجبات هذا الدين مبنية على هذه الأصول التي سيأتي الإشارة إليها. وقوله: الثلاثة، هذا الحصر أولا لأنه جاء به الدليل، كما سيأتي إن شاء الله، أن معناه قد جاء في الصحيح في حديث أسماء وغيرها. وكذلك لأن هذا الحصر يزيد في تثبيت العلم والتشوق لمعرفته. ومن تأمل سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، وجد فيها هذا المعنى من تقديم الإجمال على التفصيل، لما في تقديم الإجمال على التفصيل من تهيئة النفس لمعرفة تفصيل ذلك المجمل، وتشوقها لتعلم ذاك المعلوم. وقوله رحمه الله: يجب على الإنسان معرفتها، في هذا إشارة منه رحمه الله إلى أن هذا من الواجبات على كل البشر، بل على الإنس والجن، وكل مكلف خلقه الله جل وعلا، وهو يعقل معنى خلق الله سبحانه وتعالى له، فإنه يقتضي أن يعبد ربه سبحانه وتعالى على بصيرة. وهكذا كذلك في قوله رحمه الله: يجب، بيان أن هذا الذي سيذكر ليس مما يسعى الإنسان جهله، ولا مما يمكن كذلك التفريط فيه. فإن الفطرة والعقل، فضلا عن الشرع، يدل كل ذلك على وجوب هذا المعنى. فبالفطرة والعقل، إذا توصل الإنسان بفطرته وعقله، فضلا عن الشرع، أن له ربا وخالقا ورازقا ومدبرا، اقتضى ذلك أن يعلم ما يجب عليه في حق هذا الرب سبحانه وتعالى. وهذا معنى الأصل الأول. فإذا انضاف إلى ذلك أنه قد بلغه أن الرب سبحانه وتعالى الخالق والرازق والمدبر أرسل رسلا وبعث معهم دينا، وختم برسالة نبينا عليه الصلاة والسلام، والدين الذي بعثه الله به، استلزم ذلك معرفة كذلك ما يتعلق بهذا الرسول الذي ختم الله عز وجل به الرسالات، وكذلك هذا الدين الذي ختم الله عز وجل به الأديان. الإنسان بفطرته وعقله السليم يجد أن ذلك مما لا بد منه، ومما يستلزم عليه. فكيف وقد جاء الشرع بالدعوة إلى ذلك والإلزام به؟ وقوله رحمه الله: فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم، هذا على وجه الإجمال. وسيأتي أن هذه المعرفة تكون بما دل عليه الشرع، وتقر به الفطر الصحيحة والعقول السليمة. وما تعبدنا الله عز وجل في هذه الأصول من معرفة الرب سبحانه وتعالى في ربوبيته والوهيته وأسمائه وصفاته، وما يتعلق من حقوقه جل وعلا. وهكذا بمعناه ما يتعلق بحق النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل ذلك في أمر هذا الدين. وبهذا أصلا تحت تحقق العبادة لله عز وجل. إذا علمنا، كما تقدم، أهمية العبادة، وكذلك أنها من أعظم ما أمر الله عز وجل به، علمنا أن الوصول إلى تلك العبادة لا يكون إلا بمعرفة هذه الأصول الثلاثة. ثم قال رحمه الله تعالى: فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني ورب جميع العالمين بنعمه، وهو معبودي، ليس لي معبود سواه. وهذا شروع في التفصيل الذي سبقت الإشارة إليه مما ذكر مجملا. فكأنه قال رحمه الله: أصول الدين الثلاثة هي كالتالي: الأول معرفة ربك، وهكذا يثني ويثلث. وهذه المعرفة لا تنحصر بما ذكره رحمه الله تعالى، ولكن ذكر ما يتوصل به إلى غيره. ولهذا قال: فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني ورب جميع العالمين بنعمه، وهو معبودي، ليس لي معبود سواه. والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وكل ما سوى الله عالم، وأنا واحد من ذلك العالم. فتناول ذلك أن هذه المعرفة معرفة لا تنحصر بمعاني الربوبية كما يفعله بعض من ضل في عقيدته من المتصوفة والرافضة والفلاسفة وأهل الكلام وغيرهم. بل معرفة الرب جل وعلا تكون في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. فإن معرفته جل وعلا في معاني ربوبيته تستلزم معرفته في معاني عبوديته. ولهذا قال رحمه الله تعالى بعد أن قال: ورب جميع العالمين بنعمه، وهو معبودي، ليس لي معبود سواه، أي: فإذا قررنا بمعاني الربوبية لله عز وجل أنه الخالق والمالك، وصلنا إلى ما يستلزمه، ما تستلزمه هذه المعرفة من أنه وحده سبحانه وتعالى المعبود الذي يجب أن يعبد، ولا يعبد معه غيره جل وعلا. وفي قوله: والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، الآية فيها الجمع بين هذين المعنيين: معنى الربوبية والألوهية. كما قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى: قدم مقام الألوهية على مقام الربوبية، لأنه المقصود. أي: الربوبية تستدل بها على الألوهية، والربوبية توصل بها إلى معنى الألوهية. هذا معنى كلامه رحمه الله في كلامه على آية الفاتحة. فالحمد هو الثناء على الله عز وجل، الأصل الثناء على المحمود مع المحبة والتعظيم. وهنا الثناء على الله عز وجل مع المحبة والتعظيم. وهذه المحبة حصلت بتحقق معاني الربوبية. لما أفرد هذا العبد ربه جل وعلا في معاني ربوبيته، أخلص له في معاني حبه وتعظيمه، لعلمه أنه المتفرد بالجلال والكمال سبحانه وتعالى. فلذلك فهو يعبده وحده، ولا يشرك معه وغيره. وهكذا في قوله رحمه الله: والدليل قوله تعالى، تعليم من المؤلف رحمه الله لأهمية الاعتناء بالدليل في كل مسألة. فإن من أعظم ما ظلت به طوائف الضلال، ومنها عباد القبور، والتي كانت هذه الرسالة في دفع شبهها وبيان فساد حالها، مع تحقيق ما يجب أن يكون عليه الموحد من الناحية العلمية والعملية. فإن أكثر ما ظلت به الطوائف هو الجهل والتقليد. فإذا علموا أن المسلم ينبغي عليه أن يأخذ دينه بالعلم، كل شيء بدليله مما جاء في دين الله جل وعلا وشرعه في كتاب الله وصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان في هذا تعليم لأمثال هؤلاء، وتثبيت لأهل الحق للحق الذي هم فيه. وقوله: وكل ما سوى الله عالم، تفسير للآية. فالعالم كل ما سوى الله، أي: من المخلوقات. وقيل: أن العالم سمي عالما لأنه علم على خالقه، فهو يدل عليه جل وعلا. كما قال ذلك العرابي حين قيل له: بما عرفت ربك؟ قال: سماء ذات أبراج، وجبال ذات أوتاد، وذكر غير ذلك. ثم قال: ألا تدل ذلك على الله سبحانه وتعالى؟ فأعلم أنه يتوصل إلى معرفة الله عز وجل بآثاره في خلقه، ووجود ووجود خلقه جل وعلا، فهو المتفرد بخلقهم. ولهذا قال رحمه الله بعد ذلك: فإذا قيل لك: بما عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السماوات السبع والأراضون السبع، وما فيهن وما بينهما. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فأشار بهذا رحمه الله تعالى إلى أن معرفة الله عز وجل كانت بهذا العالم الذي هو علم عليه جل وعلا. وهكذا كذلك أن معرفة الله سبحانه وتعالى لا تكون بالشرع فقط، بل بالشرع والعقل. ويخطئ في هذا طوائف حصرت معرفة الله عز وجل بالعقل، أو كذلك حصرت ذلك بالشرع. والصواب أن الله جل وعلا يعرف بما علم عباده بشرعه، وبما كان من آثاره في خلقه سبحانه وتعالى. والأدلة التي أشار إليها تدل على هذا المعنى. وهذا هو الحق بين ظلال أهل الظلال فيما ظلت به بين هذين المعنيين. وفي قوله رحمه الله: فإذا قيل لك: بما عرفت ربك؟ فيه ما تقدم من معاني تعليم العلم بصيغة السؤال، وما فيه من فوائد. وفي قوله رحمه الله: فقل: بآياته ومخلوقاته، ومن آياته إلى آخره، إشارة منه رحمه الله تعالى إلى أولا ما دلت عليه أدلة الشرع، كما ذكر في الآية، وهو كذلك ما يؤيده الحس والمشاهدة. فإن من أعظم ما يرى في هذا الوجود، وهو علم على الله سبحانه وتعالى، هذا الزمان باختلاف أوقاته من ليل ونهار، وما يجري بهما من الشمس والقمر، والسماوات والأرض، وغير ذلك مما أشار إليه رحمه الله. وفي هذا إشارة كذلك أخرى إلى أن هذه المعرفة كما تمت بالشرع، وتمت بالعقل، فإنه ينبغي أن يعلم أن العقل الصحيح لا يخالف الشرع الصريح، بل العكس، بل العكس يؤكده ويثبته، ويتحقق به ما يطلبه الشرع. ولكن الكثير من الناس فسدت عقولهم بالأهواء، فصاروا لا يرون الحق حقا، ولا يبصرون الباطل باطلا، كالمريض يطعم الماء العذب كأنه هو السم الزعاف. وما سبب ذلك إلا ما في جسده من علة ومرض. وهكذا كذلك يقال لأهل الباطل في من أعرض أو جهل هذه المعرفة جملة أو تفصيلا من المشركين والكافرين والمنافقين، أو غيرهم ممن نقصت عندهم المعرفة من الفجار. وفي قوله رحمه الله تعالى: والدليل قوله تعالى، كذلك فيه تأكيد لما سبق من تأكيد الحجج بالأدلة الشرعية مع الأدلة العقلية. وقد ذكر بعض أهل العلم تنبيها في هذا المقام أن المؤلف رحمه الله تعالى حين ذكر الآيات الكونية لم يحصر بها كما يصنع أهل الكلام، يقفون عند الآيات الكونية في معرفة الرب جل وعلا، ولكن قرنها بمعاني الربوبية بمعاني الألوهية. فتأمل الآية التي أوردها رحمه الله تعالى تدلك على المقصود. فإنه قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. وهكذا الآية الثانية ختمت بقوله سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فجمع بين معاني الربوبية ومعاني الألوهية، وهما أمران متلازمان لا بد منهما. وقوله سبحانه: ﴿وَطَبَعَ﴾، الآيات فيها أحكام كثيرة من أهمها معاني الربوبية والألوهية المشار إليهما. وهكذا كذلك إثبات استواء الرب سبحانه وتعالى على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقوله قال رحمه الله: والرب هو المعبود. والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا، رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة. وفي هذا كذلك تأكيد إلى أهمية الجمع بين هذين المعنيين: معاني الربوبية والألوهية. ولهذا قال: والرب هو المعبود. فالرب سبحانه وتعالى رب العالمين بنعمه، وهو جل وعلا تفرد بربوبيته لهم في كل معاني الربوبية التي هي من خصائص صفاته وأفعاله جل وعلا. فإذا كان كذلك، إذن هو وحده الذي يستحق العبادة. ولهذا قال: والرب هو المعبود. والرب هو المعبود، إشارة منه سبحانه وتعالى أن الرب الذي هو الخالق المدبر لكل شيء هو الذي يطلق عليه المعبود وحده. كما يطلق عليه أنه خالق ورازق ومالك، فهو كذلك الله الذي يعبد وحده سبحانه وتعالى، فهو الذي يفرد بمعاني الألوهية. ثم استدل بهذه الآية التي تؤكد تلك العلاقة الوثيقة التي يجب أن تبقى، وأن يستدل بها الإنسان بفطرته وعقله، فضلا عن الشرع، أن معاني الربوبية تستلزم معاني الألوهية. وهي قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ إلى آخر الآية. فالآية فيها أمر الإلزام بالألوهية بالربوبية، أي: كما أنكم تقرون أن الله هو الخالق والرازق لكم ولمن قبلكم، فإن ذلك يستلزم عليكم أن تعبدوه وحده جل وعلا، لا تشركوا معه غيره. والخطاب لجميع الناس. وها هنا معنى ذكره وأشار إليه أهل التفسير وجماعة من أهل العلم: جماعة من أهل التفسير وأهل العلم في قوله سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾. قالوا: أن الذي ههنا لا تشير إلى وجود إله آخر لم يخلق، فليس هو قيد، ولكنه كما ذكروا أنه من الصفة الكاشفة التي يؤت بها للتعليل. فكأنه قال سبحانه وتعالى: يا أيها الناس اعبدوا ربكم، لأنه وحده الذي خلقكم، لأنه وحده الذي خلقكم سبحانه وتعالى. فصارت الصفة الكاشفة فيها إفادة معنى التعليل، وهو كذلك فيه معنى الاستلزام. فيستلزم كونكم تقرون بربوبيته أن تقروا كذلك بألوهيته سبحانه وتعالى. ثم قال رحمه الله: قال ابن كثير رحمه الله تعالى: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة، يعني هذا معنى هذه الآية، وهذا هو تفسيرها. فالآيات دلت على أن الذي خلق هذه الأشياء وأوجدها من العدم على غير مثال سابق، كما أنه تفرد بهذا، فهو سبحانه وتعالى وحده الذي يستحق أن يعبد، لا يشرك معه غيره، لا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، ولا صالحا من الصالحين، ولا غير ذلك. وهذا من أوضح البراهين التي يستدل بها على وحدانية الرب جل وعلا في ألوهيته، بما كان من وحدانيته سبحانه في ربوبيته. ونقف هذه الليلة عند هذا القدر. وإلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه وسلم.