شرح مقدمة اصول التفسير 29

شرح مقدمة اصول التفسير 29

الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 29، الدرس التاسع والعشرين : فيه من قوله ( تفسير القرآن بالقرآن وتفسيره بالشنة وأقوال الصحابة ... وهذا الحديث في المسانيد والسنن بإسناد جيد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في طرق التفسير الصحيحة

طرق التفسير الصحيحة للقرآن تشمل تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة ثم أقوال الصحابة، مستندة إلى آيات القرآن وأقوال السلف. يجب الرجوع إلى القرآن والسنة في التفسير.

مكانة السنة وعلاقتها بالقرآن

السنة النبوية لها نفس مكانة القرآن كوحي من الله، والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، وكل ما يصدر عنه وحي من الله.

وجوب الرجوع إلى القرآن والسنة

يجب الرجوع إلى القرآن والسنة في تفسير القرآن، حيث يفسر القرآن بعضه بعضًا والسنة تفسر القرآن وتخصصه وتقيد أحكامه، والسنة وحي من الله مثل القرآن.

ختام الدرس وتأكيد الاستمرارية

يتم ختام الدرس مع الإعلان عن استمرار الدروس في المستقبل وتقديم الشكر لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «مقدمة في أصول التفسير»: قال تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسنة، وقول الصحابة. قال: فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان، فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان، وقد بسط في موضع آخر، وهذا كثير في القرآن. فتجد مثلًا قصة بني إسرائيل مجملة في مكان، وبسطت في مكان، فأبسط ما بسطت فيه في سورة البقرة، والعمران. وهكذا تجد قصة موسى، في قصة موسى وهارون مع فرعون، أجملت في مكان، وبسطت في مكان. وهكذا كذلك، حتى بعض ما قد يظن أنه من المجمل، يبين في موضع آخر. ومر معنا قريبًا في سورة المطففين أن فيها ذكر الرؤية، وإن كان ظاهرها ليس بالصريح، لكن القرآن يفسر بعضه بعضًا. فإذا نظرت إلى ما في سورة المطففين، في قوله جل وعلا: ﴿يَنظُرُونَ﴾ مع قوله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أيقنت واستيقنت بأنه النظر إلى وجه الله جل وعلا. وهكذا فالقرآن يفسر بعضه بعضًا. قال: فإن عياك ذلك، فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن، وموضحة له. بل قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو مما فهمه من القرآن. وهذا فيما لم يعلم إياه بالوحي، وإلا فمنه ما علم بالوحي. ومن حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يدارسه جبريل القرآن في كل رمضان مرة، فلما كان رمضان الذي توفي به، دارسه القرآن مرتين. وهذه المدارسة من الوحي الذي يوحي ربنا جل وعلا به على نبيه عليه الصلاة والسلام، بواسطة جبريل، ما يفسر ويفهم. وكذلك يعرف به معاني القرآن. قال: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يعني أن هذه الآيات تدل على أن السنة تفسر القرآن. ولكن هل السنة تفسر القرآن بعد القرآن، أم تفسر القرآن مع القرآن؟ الصواب أن القرآن والسنة سواء، وإن كانوا ليسوا سواء في الفضل، وكذلك القدر. فالقرآن كلام الله، والسنة معنى وحي الله. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا ينطق عن الهوى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾. لكن مع ذلك القرآن والسنة شيء واحد، كله مما أراده الله، وكله وحي الله. فإذن ليس بصواب أن نقول: ننظر أولًا في القرآن، فإن وجدنا، وإلا نظرنا بعده إلى السنة. فهذا خطأ. لماذا؟ لأنه قد يكون في السنة ما هو ناسخ للقرآن. فإذا نظرنا إلى القرآن فقط، فإن ذلك يعني إهمال السنة. ولكن الذي صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه قال: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه». ومعنى «مثله معه»: أنه مثله في الحجة. مثله في الحجة، فكما أن القرآن حجة، ويجب الأخذ بما فيه، فكذلك السنة حجة، ويجب الأخذ بما فيها. ولهذا صح عنه كذلك عليه الصلاة والسلام: أنه يأتي ناس في آخر الزمان، يكون أحدهم على أريكته، فيقول: ما وجدنا في كتاب الله أخذناه، وما كان غير ذلك تركناه. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه». يعني أن ما في القرآن وما في السنة في الحجة سواء، كله من الله، والله عز وجل أراده على التفصيل المعروف في السنة، أي في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»، يعني السنة. والحديث بمسند الإمام أحمد، من حديث المقداد بن معد يكرب، وجاء عن غيره من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وهو صحيح. قال: والسنة أيضًا تنزل عليه بالوحي، كما ينزل القرآن. لأنها تتلى كما يتلى، والأمر كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ فما ينطق به النبي عليه الصلاة والسلام، كله مما أوحاه الله. ولكن هذا الذي أوحاه الله، منه ما يوحى بلفظه، كالحديث القدسي، ومنه ما يوحى بمعناه، كالحديث النبوي. وهذا الذي يوحى بمعناه، منه ما يعلمه النبي عليه الصلاة والسلام بالوحي، ومنه ما يفهمه بالفهم من النصوص الشرعية. فالنبي عليه الصلاة والسلام يجتهد رأيه بما علم من النصوص الشرعية، ولكنه إذ يجتهد، لا يعني أنه يقع في الخطأ، ويقر عليه. قد يخطئ عليه الصلاة والسلام، ولكنه لا يقر على خطأ. فهذا هو القول الصحيح من أقوال المحققين من أهل العلم. قال: وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة، ليس هذا موضعها. ويرجع بذلك إلى كتاب «الرسالة» للإمام الشافعي، فهو كتاب عظيم نافع، بيّن هذه القواعد والأصول والضوابط في هذا الباب. وهكذا غيره من الأئمة. قال: والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده، فمن السنة. والصواب كما قلنا: يطلب من القرآن ومن السنة سواء. يطلب من القرآن ومن السنة سواء. قال: كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «بما تحكم؟» قال: «بكتاب الله». قال: «فإن لم تجد؟» قال: «بسنة رسول الله». قال: «فإن لم تجد؟» قال: «أجتهد رأيي». قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله». قال: وهذا الحديث بالمسانيد والسنن بإسناد جيد. والصواب أن الحديث ضعيف، ففيه علل في سنده، وفي متنه. ولهذا نبّه العباد على ضعفه، وطرحه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله تعالى في «الضعيفة»، المجلد الثاني. فهذا الحديث ضعيف لا يصح. أولًا من جهة سنده، وثانيًا من جهة معناه. فإن معناه يناقض ما سبق ذكره من أن القرآن والسنة وحي من الله جل وعلا. إذ مقتضى هذا الكلام أن السنة تنزل بعد القرآن في الحجة، وليس كذلك. بل السنة تنسخ القرآن، والسنة تخصص القرآن، والسنة تقيد كذلك ما في القرآن. فالسنة وحي من الله، كما أن القرآن وحي من الله، والكل جاء عبر النبي عليه الصلاة والسلام. قال سبحانه: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ في رسالة العرب. والقرآن نزل على النبي عليه الصلاة والسلام، والسنة كذلك مما أوحاه الله للنبي عليه الصلاة والسلام، وبلغه كذلك. والنسخ بحجة. ولكن أعلم الله أراد لذلك أن تنظر إلى الخلف، أي باعتبار الدلالة. أي باعتبار الدلالة. ولو كان من جهة الثبوت، هذا متواتر، والسنة منهما هو آحاد. لكن الصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم، وهو قول عامة أهل السنة: أن السنة المتواترة والآحاد في الحجة سواء. فإذا صح، فكله مما يجب الأخذ به. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك: «رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». فجعل حامل الفقه، وهو رجل واحد، يعني حجة بتبليغ هذا العلم. بل الرسل عليهم الصلاة والسلام كانوا آحادًا. كذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يرسل أصحابه ليدعو الناس إلى دين الله، وهم آحاد. فالاستدلال بخبر الآحاد كثير في كتاب الله، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالخلاصة: استفدنا من هذا الفصل أن الواجب على المسلم، وعلى طالب العلم على وجه الخصوص، وكذلك على الناظر في تفسير القرآن على وجه أخص: أن ينظر إلى القرآن، فالقرآن يفسر بعضه بعضًا. وهذا سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإنها تفسر القرآن. فإن ذلك من أحسن ما يفسر به القرآن: أن نفسره بالقرآن، ونفسره بسنة النبي عليه الصلاة والسلام. طيب نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله بدرس اللاحق، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.