الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 47، الدرس السابع والأربعون : (وقوله ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ... لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يثبت المقطع صفة الوجه لله تعالى بناءً على الآيات القرآنية، ويناقش تأويلات المعطلة. يشرح أن أهل الحق يثبتون هذه الصفة دون تحريف أو تعطيل.
يتناول الرد على من ينفي صفة الوجه لله مستدلاً بالأحاديث النبوية وثبوت الاستعاذة بوجه الله، ويشرح دلالة استعمال لفظ الوجه على إثباته حقيقة.
يناقش إثبات صفة الوجه لله تعالى بناءً على تفسيرات العلماء ومستدلاً بالقرآن والأحاديث، مع التأكيد على تنزيه الله عن المماثلة مع خلقه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، تضمن هاتان الآيتان إثبات صفة الوجه لله عز وجل، والنصوص في إثبات الوجه من الكتاب والسنة لا تحصى كثرة، أي أنها كثيرة، وكلها تنفي تأويل المعطلة الذين يفسرون الوجه بالجهة أو الثواب أو الذات. فهذه ثلاث تحريفات حرفت بها هذه الصفة، تارة يقولون: المراد بالوجه الجهة، وتارة يقولون: المراد به الثواب، وتارة يقولون: المراد به الذات. قال: والذي على أهل الحق أن الوجه صفة غير الذات، ولا يبقى إثبات كونه تعالى مركبًا من أعضاء، بل هو سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قال: كما يقوله المجسمة، بل هو صفة لله على ما يليق به، فلا يشبه وجهًا، ولا يشبه وجه لله وجه لا كالوجود -يعني من جهة المماثلة- ليس كمثله شيء، ومن جهة إثبات الحقيقة وهو السميع البصير. فلا نحن نعطل هذه الصفة عما علمنا من ظاهرها، ولا نحن نمثلها، ولهذا نثبتها من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. قال: واستدلت المعطلة بهاتين الآيتين على أن المراد بالوجه الذات، إذ لا خصوص للوجه في البقاء وعدم الهلاك، وهذا ليس بصحيح. "كل شيء هلك إلا وجهه" هو من ذكر البعض والمراد به الكل، وهذا كثير في اللغة أن يذكر البعض ويراد به الكل. ثم بعد ذلك هل هم متفقون بأن المراد بالوجه الذات؟ الجواب: لا. ولهذا كما سمعنا منهم من قال التوا، ومنهم من قال الذات، ومنهم من قال الجهة، ومنهم من قال لفظ الوجه زائل. وهكذا لهم تحريفات مختلفة. وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. ورد هذه التحريفات الإمام ابن القيم رحمه الله في عدد من كتبه، منها ما في "الصواعق" رد على من زعم أنه مجاز، وأن هذا اللغة ليس مراد على ظاهره. رده من أوجه، من هذه الأوجه أنه قال -ما معناه-: أولًا، أنه لا دليل لما ذهب إليه من النقل، ولا من العقل، ولا من اللغة -يعني قولهم أنه الجهة أو الثواب أو الذات- ما هو الدليل عليه؟ الجواب: لا دليل، لا من كتاب ولا من سنة، ولا عن أحد من سلف الأمة، ولا من قول كذلك في شيء من كتب اللغة، ولا هو كذلك، فيه دليل بشيء من المعقول، فعلم أنه باطل. وأما مسألة الاستحالة، فالجواب عليه بأن يقال: ما كان جواب في إثبات ما أثبتتم من صفات، فهو جواب في إثبات ما نفيتم من صفات، بل ما كان جواب في إثبات الذات لله، كان جواب في إثبات الصفات. فكما أن لله ذاتًا لا كالذوات تليق بجلاله وعظمته، فكذلك له صفات لا كالصفات تليق بجلاله وعظمته. وهكذا أجاب ثانيًا -ما معناه-: أن الدعاء الزيادة يفتح باب شر لكل معطل، فيدعي الزيادة بكل الصفات، فيعطل بذلك كل الصفات، بل ربما عطل بعض الفلاسفة والزنادقة كل ما في القرآن بالدعاء الزيادة، فإن فيه ذاك الادعاء باطل. فيقال: وهذا الادعاء الذي ادعيتم أنتم باطل. وهكذا أجاب ثالثًا بأن الوجه وصف بقوله: "ذو الجلال"، وهذا دليل على أنها كلمة غير زائدة، إذ الزائد لا يوصف، فما دام أنه وصف، دل ذلك على أنه مراد المقصود وأنه على حقيقته. وأجاب كذلك بأنه ثبت بالأدلة الشرعية الاستعاذة بوجه الله، وأشار إلى حديث جابر بن عبد الله الذي كان مع النزول قوله: «أعوذ بوجهك». والحديث في البخاري، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أعوذ بوجهك»، قال: «أو من تحت أرجلكم»، قال: «أعوذ بوجهك»، قال: «أو يلبسكم شيعًا». قال: وهذا أي: سر، فاستعاذة النبي عليه الصلاة والسلام بوجه الله دل على أنها صفة حقيقية لله جل وعلا. وهذا أجاب كذلك: أنه لم ينقل عن السلف شيء يدل على تحريف وصرف هذا اللفظ عن ظاهره، على ما زعمه المعطلة، مع كثرة ما نقل عنهم من العلم والتفسير. فما ادعيتم أنه على ما قلتم يحتاج إلى دليل، وليس كذلك. قال الشارح رحمه الله تعالى: ونحن نعارض هذا الاستدلال بأنه لو لم يكن لله عز وجل وجه على الحقيقة، لما جاء استعمال هذا اللفظ في معنى الذات، فإن اللفظ الموضوع لمعنى لا يمكن أن يستعمل في معنى آخر إلا إذا كان المعنى الأصلي ثابتًا للموصوف، حتى يمكن للذهن أن ينتقل من الملزوم إلى لازمه -يعني لو قدر لو قدر أن هذا المعنى هذا المعنى المقصود منه الذات- "ويبقى وجه ربك" أي: ويبقى ذات ربك، فيقال: لا يقال لمن ليس له وجه "ويبقى وجه ربك" والمقصود "ويبقى ذات ربك"، بل لا يقال ذلك إلا لمن له وجه، فيصير فيه إثبات الذات والوجه معنى. كما أنك تقول: "ولله المثل الأعلى لله لفلان يد عليه" تريد نعمة عليه، "لله لفلان يد عليه" هل قولك "ل فلان يد عليه" وتريد نعمة يدل على أن ليس لفلان يد؟ الجواب: لا. وقد بسط القول بهذا المعنى ابن القيم رحمه الله من شواهد اللغة وغيره مما يدل على أن ذكر البعض وإرادة الكل أو ذكر ما يراد به غير ظاهره لا يعني ذلك نفي هذا الظاهر، بل معنى إثبات هذا الظاهر ضمنًا إثبات هذا الظاهر ضمنًا. ولهذا أبان رحمه الله أنه لا يقال "لكلان يد علينا" بمعنى نعمة إلا لمن له يد حقيقة. وأشار رحمه الله إلى لحن المتنبي -وهو من شعراء المولدين- إذ قال في شعره: "وكم لظلام الليل من يدٍ تحدثك أن المانوية تكذب". فقول المتنبي: "وكم لظلام الليل من يد" يعني: وكم لظلام الليل من نعمة، هذا لحن وخطأ، فليس هذا في لغة العرب في شيء، لأن العرب لا تطلق اليد بمعنى النعمة إلا لمن له يد حقيقة، فيقولونه للإنسان الكريم، ويقولونه كذلك لربما الحيوان، لكن ما يقولونه لمن هو جماد وما كان بمعناه ممن ليس له يد حقيقة. فحتى لو قيل: أن هذا معناه مثلًا اليد معناها النعمة، فيقال: نعم لو وافقناكم، ليس فيه نفي اليد، لأن هذا لا يقال إلا لمن له يد حقيقة. فكذلك هنا كما ذكر الشارح رحمه الله، لو قدر أن المراد الذات، فيقال: لا يقال إلا لمن له وجه حقيقة كذلك. ومثله ما نقل عن مجاهد بتفسير قول الله جل وعلا: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، روي أنه قال: "فثم جهة الله". وهذا لا يمنع إثبات القبلة وإثبات الوجه لله عز وجل، لأن المصلي يقابل الله سبحانه وتعالى، فيكون فيه إثبات الجهة وفيه إثبات الوجه كذلك ضمنًا، لأنه لا يقال ذلك إلا لمن له وجه. وهذا إذا صح عن مجاهد، فيكون له وجه كما سمعنا. قال رحمه الله تعالى: فإن اللفظ الموضوع لمعنى لا يمكن أن يستعمل في معنى آخر إلا إذا كان المعنى الأصلي ثابتًا للموصوف، حتى يمكن للذهن أن ينتقل من الملزوم إلى لازمه كما سمعنا. ومثل ذلك قال: على أنه يمكن دفع مجازهم بطريق آخر. وكما قلنا: أن المجاز لا وجود له لا في اللغة ولا في الشرع، وعلى تقدير وجوده، فإن القائلين بالمجاز لا يقولون بالمجاز وهو انصراف السامع والقارئ من اللفظ الموجود من ظاهره إلى لفظ آخر إلا بقرينة وعلاقة. والقرينة والعلاقة هما المانع من حمل اللفظ على ظاهره، والرابط بين اللفظ الموجود واللفظ الذي انتقل إليه، وزعم أنه المقصود. ولا وجود لقرينة وعلاقة في هذا الموضع الذي ادعوا فيه المجاز. قال رحمه الله: على أنه يمكن دفع مجاز بطريق آخر، فيقال: إنه أسند البقاء إلى الوجه، ويلزم منه بقاء الذات، بدلا من أن يقال: أطلق الوجه وأراد الذات. وعلى كل المعنيين لا يعني أبدًا أن ذلك يفهم منه ويستلزم نفي الوجه أبدًا كما سمعنا وفهمنا. قال: وذكر البيقي نقلًا عن الخطابي أنه تعالى لما أضاف الوجه إلى الذات، وأضاف النعت إلى الوجه، فقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، دل على أن ذكر الوجه ليس بصلة -يعني ليس بزائد-، فيقال للزائد في القرآن صلة وتوكيد. يقول: دل ذلك على أنه ليس بصلة. هذا ما سبق من كلام ابن القيم رحمه الله، لأنه لو كان صلة وتوكيد -أي زائد- لما وصف بقوله: "ذو الجلال"، فعلم أنه حقيقي وعلى ظاهره. قال: دل على أن ذكر الوجه ليس بصلة، وأن قوله: "ذو الجلال والإكرام" صفة للوجه، والوجه صفة للذات. وكيف يمكن تأويل الوجه بالذات أو بغير في مثل قوله عليه السلام في حديث الطائف: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات». وهذا الحديث وإن كان ضعيف لكن معناه صحيح، أي ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام الاستعاذة بوجه الله كما مر معنا في حديث البخاري الذي جاء عن جابر، قال: «أعوذ بوجهك». وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد وأبو داود عن ابن عباس بإسناد صحيح، وصححه العلامة الألباني رحمه الله في مواضع: «من استعاذكم بالله فأعيدوه، ومن سألكم بوجه الله فأعطوه». قال: وقوله فيما رواه أبو موسى الأشعري: «حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». فماذا سيصنع المعطلة بهذه الأدلة؟ وهذه الأدلة على تنوعها وكثرتها فيها إثبات صفة الوجه لله. وفي حديث ابن عمر في الصحيحين يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا قام أي الرجل يصلي فإن الله قبل وجهه». فإن بغية أن نعلم أن هذا كله يدل على إثبات الوجه لله على ما يليق بجلال الله وعظمته، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. إلى هنا والله تعالى أعلم.