شرح مختصر شعب الإيمان 35

شرح مختصر شعب الإيمان 35

الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 35، 66-في مباعدة الكفار والمفسدين والغلظة عليهم . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في مباعدة الكفار والمفسدين

يتناول المقطع الأول شرحًا للآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدعو إلى مباعدة الكفار والمفسدين والغلظة عليهم، مع توضيح الشروط والضوابط الشرعية للتعامل معهم.

ضوابط التعامل مع الكفار في الإسلام

يتناول المقطع الثاني ضوابط التعامل مع الكفار في الإسلام، حيث يبين أن الإسلام لا يريد القتال ابتداءً، ويشترط لقتال الكفار وجود عدوان أو اعتداء منهم.

التعامل مع أهل البدع والأهواء وجماعة التبليغ

يناقش المقطعان الثالث والرابع كيفية التعامل مع أهل البدع والأهواء، مع التحذير من أخذ العلم منهم ومن جماعة التبليغ لما فيها من أخطاء عقدية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال في مباعدة الكفار والمفسدين والغلظة عليهم، لقوله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاه﴾، وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾، وقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة﴾، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون﴾ إلى آخر الآية التي بعدها، وغيرها من الآيات. ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا لقيتم المشركين في الطريق فلا تبدأوهم بالسلام واضطروهم إلى أضيقها». وحديث أبي سعيد رضي الله عنه في سنن أبي داود: «لا يأكل طعامك إلا تقي ولا تصاحب إلا مؤمنا». ولهجره صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا خمسين يوما إلى أن تاب الله عليهم فتابوا، وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أميه، رضي الله عنهم. أورد رحمه الله هذه الشعبة من شعب الإيمان لهذه الأدلة التي ذكرت من أدلة الكتاب والسنة، مباعدة الكفار والمفسدين والغلظة عليهم. ومعنى البراءة من الكفار والمفسدين ومن كان بمعنى هؤلاء، فهناك ولاء وبراء، الولاء لأهل الإيمان والبراءة من أهل الكفر، ويلحق بأهل الكفر والبراءة درجات المنافقين، النفاق العملي والاعتقادي، ومن هؤلاء الفجار أهل المعاصي. وكل طائفة يكون معها بحسب ما تكون به المصلحة وتندرئ به المفسدة، جمعا بين الأدلة في هذا المعنى. فالآية الأولى فيها النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وليس فيه أبدا لا من قريب ولا من بعيد جواز اتخاذهم أولياء مع المؤمنين، ولكن معناه أن النهي عن اتخاذهم أولياء مطلقا، وذكر «من دون المؤمنين» إشارة إلى أن ذلك ينبغي أن يكون للمؤمنين لا للكافرين. وأما قوله: «إلا أن تتقوا منهم تقاه» فيه دليل على موضع من مواضع استثناء الموالاة في الظاهر لا في الباطن. أما في الباطن فلا يمكن لمؤمن أن يوالي كافرا أو فاجرا، لما قد سبق أن الإيمان له ارتباط ظاهره بباطنه، والكفار يفعلون ما ينافي هذا الإيمان، فكيف تكون لهم الموالاة أي في الباطن؟ أما في الظاهر فالأصل هو الحرمة والمنع، لكن لأن هذا الدين دين الحكمة والعدل استثنى أشياء قد يقتضيها المقام درءا لمفسد أكبر. وهذا هو قوله: «إلا أن تتقوا منهم تقاه»، فإن كان إظهار الموافقة في الظاهر لضعف المسلم ولينجو من عذاب وفتنة الكافر، فهذا يجوز ما دام لم يحصل تنازل في الدين. بل لو اضطر الكافر المسلم لقول الكفر فلم يستطع أن يدفع هذا الظر إلا بقوله، قاله مع اطمئنان قلبه، كما قال الله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾، فالضرورات تبيح المحظورات وتدرأ المفسدة الكبرى بالصغرى، وهكذا ما كان بمعناه. فإذا كان هذا، فكذلك يجوز من باب أولى أن يستعين المسلم بالكافر لدفع شر عن الإسلام والمسلمين، خصوصا والكافر لن تكون له المكنة والولاية على المسلم، وإنما يقبل بهذه المناصرة لدنيا يعطى شيء من الدنيا فيقبل، فهذا جائز، وبهذا تجتمع الأدلة الواردة في الباب. إننا لا نستعين بمشرك، مع ما ورد من استعانة النبي صلى الله عليه وسلم بالمشركين في بعض المواضع. فإذا احتيج إلى الكافر يستعان به، لكن بشرط ألا يكون ذلك على حساب هذا الدين، فلا يجوز الاستعانة بالكافر فيكون الأمر له حتى تكون كلمة الذين كفروا هي العليا وكلمة الذين آمنوا السفلاء، هذا لا يجوز. وأعظم من هذا أن يمكن الكافر على المسلمين، بل نص العلماء أن مثل هذا يعد ردة وكفرا من الموالاة التي يكون بها الردة والكفر، فمثل هذا وما كان بمعناه من تفاصيل نص عليها العلماء في مسائل الموالاة التي قد تؤدي إلى الردة. والآية التي بعدها: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ فيها ما أشار إليه، وهذه الغلظة ليست لدنيا وإنما لا شك لأجل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلاء. فلذلك إذا كان هذا المقصد، فالغلظة ليست لكل الكفار، إنما للكفار الحربيين ومن كان بمعنى هؤلاء. وأما يندرج تحت هذه الغلظة، الغلظة على الكفار الحربيين، وأما غير الحربي فله غلظة بوصف آخر، لأجل كذلك أن تكون كلمة الله هي العليا، ولأجل كذلك أن يدعو هذا الكافر لترك كفره والدخول في الإسلام. فإن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن من الناس، ما تنفعه المواعظ من لا تنفعه المواعظ والحجج والبراهين. لكن إذا رأى أن السلطة في بلاد الإسلام لا تعطي الكافر مثل ما يعطى المسلم، فهو يطمع بشيء من الدنيا، ربما ماذا يدفعه هذا في أول الأمر أن يترك الكفر ويدخل في الإسلام، طمعا في ماذا في تلك المقاصد الدنيوية التي يريدها من دخول الإسلام. وهذا وقع كثيرا، حتى أن بعضهم ربما يبقى على نفاقه هذا حتى يموت، لكن بفضل الله ولو دخل نفاقا ينتفع من بعده من ذريته، فذريته هذا المنافق أدركت أبوين يظهران الإسلام ويؤديان شعائر ماذا الإسلام؟ فالثمر ماذا أن يسير الأبناء بسير المسلمين، ولن يكون غالبا حال الأبناء مثل حال الآباء، هذا هو الغالب. فهذه مصلحة، وهذا معنى من معاني التأليف، لكن بالعكس، يعني من الناس تأليفه بالشدة، ومن الناس تأليفه بماذا بالتيسير والعطاء. فالكافر الذي ينفع معه التأليف بالعطاء يؤلف بالعطاء، وهم المؤلفة أو صنف من أصناف المؤلفة. ومن الكفار من يكون تأليفه بإظهار الشدة على الكفار فيرجع فيخرج من الكفر ويدخل في دين الإسلام، فهذا من مقاصد هذه الغلظة التي تكون في بعض أصناف الكافرين، حتى في الحرب. فالمسلم يقاتل الكافر لتكون كلمة الله العليا، ولأجل أن يدخل الرعب في قلوب الكافرين فلا يحصل الاعتداء على المسلمين، فتنكسر قوتهم وشوكتهم. ومع ذلك فهذا مرتبط بالعدل الذي أمر به الشرع. فلو قال قائل: من الغلظة أن نحرق الكفار، نقول: لا، لا يجوز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يعذب بالنار. فغلظة المسلمين مضبوطة في ماذا بالشرع؟ أما الكفار ما تنضبط بالشرع، لو تمكنوا من المسلمين ماذا يفعلون؟ يفعلون كل شيء، ليس عندهم ضابط ولا رادع. وكما قيل: ليس بعد الكفر ذنب. أما أهل الإسلام فهم أهل العدل، فهم لا يعذبون إلا بما أذن لهم، ولا كذلك يعتدون إلا بما أذن لهم. ولولا أن الكفار أبوا إلا القتال لما قاتلوهم. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرسل جيشا أمرهم أول ما يأتون الكفار أن يخيروهم إحدى ثلاث: إما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يدفعوا الجزية، وإما أن يقاتلوا. وهذا يدل أن الإسلام لا يريد القتال ابتداء. وحتى الكافر الذي يمثل بالمسلم، فإنه يكون التمثيل بالممثل، ليس بكل كافر، إلا إذا لم يمكن ذلك، فإنه يكون في الطائفة والفئة التي يحصل منها التمثيل، يحصل منها التمثيل لأجل أن يكون ذلك رادعا لهم. وكذلك من باب القصاص بما فعلوه بالمسلمين، ونحو ذلك من التفاصيل التي ذكرها العلماء في كتب الفقه والفتاوى وغيرها. ثم أورد رحمه الله قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾، وهذا بمعنى ما سبق. وقوله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق الآية﴾، وفيها النهي عن موالاة الكفار وإعطاء المودة لهم، ولو بالسر، ولو بالسر، فإن هذا من علامات نقص الإيمان وضعفه. والواجب على المسلم أن يعتز بدينه، وأن يلتزم بما أمر في شرع الله جل وعلا، ولا يكن عنده شيء من الضعف. بعض الناس ربما لا يفهم مقاصد الشريعة فيقع في هذا الباب بين إفراط أو تفريط، والواجب هو سؤال أهل العلم والتفقه في الدين، بما يكون به العدل في هذا الباب. مثلا بعض الناس تدفعه الغيرة لحب الدين وكراهية الكفار ألا ينصف معهم. يأتي مثلا كافرا يريد أن يسلم عليه، لا، لا، لا، ما أسلم على كافر، هذا غير صحيح، هذا غير صحيح. مجرد أنك سلمت عليه، سلم عليه، لكن لا تبتدئ أنت بالسلام. فطرف آخر ربما رغبته في الخير ودعوة مثل هذا الإنسان للدين تجعله يتنازل عن أشياء، علما أن في الشرع لا يجوز الخروج عنها، مثل ابتداء الكافر بالسلام. يبتدئ الكافر بالسلام، هذا ما يجوز، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي، وقد مضى عن ابتداء الكافر بالسلام. فينبغي أن ننتبه لمثل هذا، إذا كان المجلس فيه كفار وفيه بعض المسلمين، أو فيه مسلمون وبعض الكفار، فأنت تسلم على الجميع، تنوي بهذا السلام للمسلمين، فيزول الحرج في هذا. أما إذا كان كافرا لوحده، فلا تبتدئه بالسلام. وقد يقول قائل: قد يكون في هذا جفاء، وأنا أريد أن أدعوه للإسلام، فيقال: لا، ليس فيه جفاء، إذا علم أنك تفعل هذا لدينك وبينت له المقصد الشرعي من ذلك، إذا سألك يزول هذا الإشكال. ويعظم أمر هذا الدين المتقن بهذه القواعد والضوابط والموازين الدقيقة في عين هذا الكافر، يكبر، ليس يصغر، يكبر. لكن إذا بين بعلم، ولا مانع أنك إذا دخلت على الكافر أن تبتدئه بغير السلام، ليس أن النهي عن الابتداء بالسلام نهي عن الكلام، يجوز أن تدخل وبدل أن تسلم عليه تسأله: كيف أنت يا فلان؟ يقول: بخير، كيف العمل اليوم؟ وهكذا تبتدئ الكلام، ويكون بهذا مدخلا للتلطيف ودعوة مثل هذا الإنسان. ونحو هذا مما يكون به دعوة أمثال هؤلاء. بل بعض أهل العلم قال: لو سلم بغير السلام لجاز، واستدل بقول وفعل النبي صلى الله عليه وسلم في إرسال رسالته إلى ملوك الكفر، ومنها إلى هرقل، قال: «السلام على من اتبع الهدى»، فهو سلام فيه معنى عام، والمقصود منه الدعوة لاتباع الهدى. فسلام لمن يستحق السلام، السلام لمن يستحق السلام. فإذا كان بمثل هذا المعنى، فهو جائز كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. ثم ذكر رحمه الله حديث أبي هريرة في النهي عن بدء المشركين بالسلام، ولفظ الإمام مسلم: «اليهود والنصارى بالسلام»، فلا يبدأ الكافر بالسلام، وقد تقدم ذكر هذا المعنى، والعلل منه هو أن يكون في ذلك أولا ابقاء أن تكون كلمة الذين آمنوا وكلمة الله هي العليا، وأن لا يكون للكافر شيء من العلو في المجتمع المسلم. وهذا كما قلنا من الشدة التي تؤلف على الدين. وقد ذكر العلماء في شروط أهل الذمة شروطا فيها التجديد على الكفار بما لا يكون فيه ماذا الاعتداء عليهم، مع ما يرغبهم ويدعوهم للدخول في الإسلام، كأن يميز بما يميزهم عن المجتمع، إما بلباس أو بعمل أو بغيره. والمقصود من ذلك أن لا تكون لهم الرفعة، وأن لا كذلك يستغلوا ما هم عليه في الإضرار بالمسلمين. فلو قيل مثلا: لا يجعل مسؤول من الكفار، ولا يجعل كبير المهندسين من الكفار، حتى لو كان هو أحسن الناس خبرة، فيكون فوقه مسلم، وهذا تحت المسلم، وهكذا. وكذلك كأن يقال: لا يجوز دخول الكفار في المواضع والمهن العسكرية أو المهن التي تتعلق بأرواح المسلمين، وإن احتيج إليهم فبحضرة من يعرف مهنته وبرفقته، حتى لا تحصل منه خيانة، ولا يحصل منه شيء مما يكون به الإضرار بالمسلمين. ولما تساهل الناس في مثل هذه الضوابط، حصلت مفاسد كثيرة من دخول بعض الكفار فيما يكون به الضرر للإسلام والمسلمين، تارة في الجوانب العسكرية، وتارة في الجوانب المالية، أو حتى الطبية. يأتي كافرا فيمكن رئيس قسم الجراحة، وبسم الله يشتغل، يكثر قطع الأرجل، وكذلك قطع الرحم، ونحو ذلك. فما يجلس إنسان من أمثال هؤلاء الحاقدين على المسلمين فترة يسيرة إلا وقد خلف خلفه من أصحاب العاهات عددا لا يحصى. أي عملية بتر وقطع، بتر وقطع، وهذا حصل، أو لم يحصل؟ حصل كثيرا في مناطق كثيرة. والسبب هو مثل هذا تمكين هؤلاء الكفار. فإذا جعلت مثل هذه الضوابط في الصغير وفي الكبير، فإنه يؤمن تسلط الكفار على المسلمين، وحصول الضرر منهم على المسلمين. وهكذا حديث أبي سعيد: «لا يأكل طعامك إلا تقي ولا تصاحب إلا مؤمنا». والحديث مختلف فيه، وعلى تقدير صحته، فالعلامة الألباني رحمه الله في «صحيح الجامع» وغيره، فيكون المعنى على وجه الاستحباب. لا يأكل طعامك إلا تقي، على وجه الاستحباب، ولا تصاحب إلا مؤمنا كذلك. وأما الصحبة إذا كانت لفاجر، فلا شك أنها لا تجوز، «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». لكن عندنا كما لا يخفى فرق بين مؤمن ومسلم. فقوله: «إلا مؤمنا» معناه لا مسلما. وهل كل مسلم فاجرا؟ الجواب: لا، ليس كل مسلم ماذا فاجرا؟ فظاهر الحديث لا يصاحب من نقص عن الإيمان، وهذا ليس مقصود، لكن ممكن يحمل أنه على قاعدة أهل العلم: «لفظ الإيمان والإسلام إذا اجتمع افترق، وإذا افترق اجتمع». فيكون المقصود هذا. فالمهم يحمل على مثل هذا المعنى في أكل الطعام، وهكذا كذلك في المصاحبة. ولا شك أن الحرص على صحبة الصالحين ومؤاكلتهم هو الأكمل والأفضل، ومجانبة أهل المعاصي، ومن باب أولى أهل البدع وأهل الكفر، هو مما جاءت به الشريعة، أي مجانبة هؤلاء. ولا مانع أن يكون ذلك في مواضع تقتضيه المصلحة الشرعية، كما تقدم معنا في مسألة المناصرة والاستعانة. فإنك قد تحتاج لذلك لمعنى من المعاني، إما لتأليفهم على هذا الدين، وإما لقضاء عمل ينتفع به المسلمون، أو غير ذلك. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل دعوة اليهود، بل وأنهم سموه ومن معه من الصحابة عليه الصلاة والسلام. وقبول النبي صلى الله عليه وسلم لذلك لا شك كان لمصلحة كان لمصلحة يقصدها ويرجوها. قال: «ولهجره صلى الله عليه وسلم الثلاثة»، قصة الثلاثة سبقت الإشارة إليها، وأصلها في الصحيح. وقد أشار إلى ذلك، والمقصود من هذا أنه إذا كان هذا في حق هؤلاء المسلمين الثلاثة، فكيف بحق من هو أشد خطأ يقع، إما في ذنوب ومعاصي أو بدع أو أعظم من هذا كفر. ولهذا كما تقدم معنا استدل العلماء كما ذكر النووي رحمه الله بحديث هجر الثلاثة على هجر أهل البدع والأهواء. والهجر علاج يستعمل للعلاج، ليس بالهوى، إن كان ينفع لأجل رد المهجور إلى الحق فليكن. والهجر ينبغي أن يكون هجرا جميلا كما أمر الله عز وجل: ﴿وهجرهم هجرا جميلا﴾، هجر يعين على العودة للحق، تعطي فرصة للمهجور خط رجعة، ليس هجر يوجب العداوة والشحناء والبغضاء، بما يكون به زيادة الانغماس في الباطل. وإنما الهجر الجميل الذي يعرف المهجور منه أنك فعلت ذلك رحمة به وحرصا منك للخير له. فلذلك أنت لا تؤذيه لا بقول ولا بفعل، بل على العكس إذا استطعت أن تحسن إليه بما يعينه على الرجوع فعلت. فإذا استشعر ووجد ذلك منك المهجور أعانه ذلك للرجوع إلى الحق، وهذا هو المقصود من الهجر، الهجر الجميل كما فعل مع الثلاثة الذين خلفوا، وهكذا كذلك كما فعل علماؤنا بأهل البدع والأهواء. وليس من ذلك ما قد يفعل أو قد ينقل عن بعض أهل العلم في الشدة على أهل الأهواء، فإن ذلك من قضايا الأعيان التي ينبغي أن تفهم بمعنى أخص من أن يكون لعموم المهجورين، بمعنى أخص من أن يكون لعموم المهجورين. فينبغي أن نفقه هذا وننتبه له. وكذلك من مصلحة الهجر حماية المجتمع من هذا المهجور، حماية المجتمع من هذا المهجور. كما ثبت عن جماعة من الأئمة أنهم ربما دخلوا في الجنازة إلى أول الصف ثم خرجوا، ليعلم الناس أن هؤلاء من الأئمة لم يصلوا، فيخرجون جميعا ولا يصلون. لماذا؟ لأجل أن لا يتابع الناس طريقة من كان على مثل هذه البدعة، فيكون المقصود من ذلك حماية المجتمع من أمثال هؤلاء، هذا من فوائد الهجر، من المقاصد من هذا الهجر. فإذا لم تتحقق مثل هذه المصلحة، بل ترتب على هذا مفسدة، فلا هجر، لأن الهجر مشروط بماذا؟ بتحقق مثل هذه المصلحة ودرء مثل تلك المفسدة. مثاله: أن تكون الغلبة لأهل الأهواء، ويكون صاحب الحق مستضعفا، فهنا لو أظهر شيئا من الغلظة أو أظهر شيئا من الهجر، استدعى ذلك تسلط أهل الأهواء عليه وعلى من معه، فحرم الخير الذي معه. وأذكر قصة لأحد إخواننا في بلاد أندونيسيا، بلدته بلدة متصوفة تصوف شديد، وهو يزكى الله خيرا يحب الخير ويريد دعوة الناس، وصار بينه وبينهم صراعات كلامية. فيسر الله لهم بمسجد بنوه على بحيرة، يعني انظروا ضاقت الأرض من شدة تسلط أهل الأهواء، ما سمحوا لهم يبنون في أرض، وإذا أرادوا أن يشتروا أرض حربوا صاحب الأرض أن لا يبيع لهم، حتى بنوا مسجدا في بحيرة، ما تيسر إلا هذا. وأول ما ابتدأوا الخطبة، خطبة في أهل الشرك ودعوة للتوحيد، خطبة طيبة، لكن بهذا الأسلوب والتحذير والتعيين. وكما ذكر أنه عين بعض الناس، كانت الثمرة والعاقبة أن هيج هؤلاء المفسدون أهل البلاد على هذا المسجد ومن فيه. فجاءوا جميعا فأحرقوه، أحرقوا المسجد، وهرب الأخ، كادوا أن يقتلوه وهرب الإخوة فتفرقوا. فمثل هذا تصرف ليس بسديد، لماذا؟ لأنه ترتب على هذا مفسدة أعظم من المصالح التي يريدها. فينبغي أن يفقه مثل هذا، أنت في بلد رئيس الإفتاء فيه صوفي قبوري، على سبيل المثال، الأوقاف كلهم قبورية، كيف تستطيع أن تغلظ على هؤلاء وتشد عليهم وتفعل معهم ما يكون سببا للتسلط عليك؟ الناس الآن ينتفعون من تعليمك وينتفعون من دعوتك. فإذن الرفق شيئا فشيئا حتى تنتشر السنة ويظهر أهل التوحيد، ويفهم الناس دعوة أهل الحق، فيكون لك أنصار يحفظونك بإذن الله بعد حفظ الله، ويعينونك ويناصرونك، كدعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، ابتدأ عليه الصلاة والسلام شيئا فشيئا حتى يسر الله عز وجل له بأنصار. ومع ذلك ما سلم، فكانت الهجرة. فالمقصود من هذا أن الإنسان ينبغي أن يكون عنده فقه ودراية لمثل هذه المسائل، فيراعي فيها المصلحة من المفسدة. طيب نقف إن شاء الله إلى هنا، ونكمل درسنا إن شاء الله في وقت لاحق. هذا سائل يقول: هل يجوز للمسلم أن يتعلم اللغة العربية عند من لا يعرف منه أهو سلفي أم لا؟ إن كنت لا تعرف من هجه، ولم يوجد من يعلم اللغة إلا هو، فلا بأس إن شاء الله. فإن تبين لك منه شيء من البدعة، فتجتنبه، حتى لو كنت آمنا على نفسك، فلأجل لا يغتر به غيرك. أذكر مرة حين كنا ندرس في المدينة، كان يوجد شيخ من الشناقيط اسمه أحمد دو، وهو مشهور بقوته في العربية، قوي جدا، يحفظ أكثر كتب اللغة والمعاجم وأشعار العرب، وعنده تمكن في ذلك. فقرأنا عليه في «الشذور»، فلما بلغنا مسألة الكلام، إذا به يشير إلى مذهب الأشاعرة: «إن الكلام لا بالفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا». وبدأ يرمي ببعض الأشياء، فحصل نقاش في ذاك الدرس، وبعدها قررت ألا أستمر معه، وكان بعض الإخوان معه، فنصحتهم. فقالوا: نحن نريد العلم، ولكن كما قيل: «خذ من ثور واحذر قرنيه». فقلت: أنت تحذر قرني ثور، لكن سيقال: فلان درس على الشيخ فلان، وسيأتي المبتدئ ويأخذ منه، وبعد هذا ما هي النتيجة والثمرة؟ المبتدئ سيلبس عليه مثل هذا الرجل، رجل متمكن في عقيدة الأشاعرة، وعنده شبه ومستعد للمجادلة. فينبغي الحذر من أمثال هؤلاء. فالمهم الشاهد: استمر هؤلاء، والغالب أن أمثال هؤلاء ما يستمر في الدراسة معهم من أصحاب العواطف، فانصرفوا. ثم كانت استمرارهم معه سببا في تدرج بعض المبتدئين، فسمعنا أن بعض المبتدئين تأثروا به، وصار يناقش في شبه الأشاعرة. فعند ذلك اجتهد بعض الأفاضل - جزاهم الله خيرا - في تبليغ إدارة الحرم النبوي، حتى أوقف درسه. أوقف درسه. الشاهد من هذا هو ماذا؟ أن الإنسان قد يأمن على نفسه لظنه أنه يعلم، وهو ليس كذلك، ولو قدر أنه كذلك، فسيغتر به غيره. فالناس قد يأخذون: «فلان درس عند هذا الشيخ»، فيكون هذا كأنه دليل على جواز الدراسة عند هذا الشيخ، مع ما عنده من بدعة. فلذلك يحذر من القراءة على أهل الأهواء إذا علم أنه من أهل الأهواء. يقول: هل يجوز للمسلم أن يقول لأمه الكافرة: «أحبك»؟ نعم، وهو يقصد المحبة الطبيعية، إذا قصد هذا فلا بأس إن شاء الله، بل ينوي بهذا ويحتسب أنه يرغبها ويقربها من دين الله. والمهم أن لا تكون هذه المحبة القولية أو الفعلية على حساب دين الله سبحانه وتعالى، وما علم من الثوابت الشرعية، فلا إفراط ولا تفريط. وهذا سؤال عن جماعة التبليغ، جماعة التبليغ كما لا يخفى، جماعة عندها الكثير من الأخطاء، عقدية وغيرها. وقد تكلم العلماء على هذه الجماعة وحذروا منها. فأحيي لك كتاب الشيخ التويجري رحمه الله تعالى، فهو كتاب نافع مفيد، مليء بالدلائل من جميع النواحي، في بيان حال هذه الجماعة والتحذير منها. إلى هنا والله تعالى أعلم.