شرح مختصر شعب الإيمان 19

شرح مختصر شعب الإيمان 19

الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 19، 34-حفظ اللسان عما لا يحتاج إليه . 35-الأمانات وما يجب فيها من أدائها إلى أهلها . 36-تحريم قتل النفوس والجنايات عليها . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية حفظ اللسان وآدابه

يؤكد الشيخ على أهمية حفظ اللسان عما لا يحتاج إليه، ويستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على الصدق وحفظ اللسان. يُشدد على خطورة الكلام السيئ مثل الكذب والغيبة والنميمة والفحش.

ضبط اللسان وأداء الأمانات

يُناقش أهمية ضبط اللسان وعدم التكلم بالسوء، ويُوضح أن حفظ اللسان سبب لسلامة الدين وحسن الصحبة. كما يتطرق إلى أهمية أداء الأمانات الشرعية والدنيوية وخطورة الطعن في العلماء والأمراء.

تحريم قتل النفس بغير حق

يتناول تحريم قتل النفس بغير حق وخطورة هذه الجريمة في الإسلام، ويشير إلى أن الأنفس المحرمة تشمل نفس المؤمن والمعاهد والذمي والمستأمن. يُبين أن قتل النفس المؤمنة بغير حق من أعظم الذنوب بعد الشرك بالله.

خاتمة وتأكيد على شدة الأمر

يتم التأكيد على شدة الأمر في ما سبق ذكره، ويتم الإعلان عن انتهاء الكتابة في هذا الموضوع، مع الإشارة إلى أن العلم الكامل عند الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال حفظ اللسان عما لا يحتاج إليه، أي من شعب الإيمان حفظ اللسان عما لا يحتاج إليه. قال: ويدخل فيه الكذب والغيبة والنميمة والفحش، إذ القرآن والسنة مشعونان بذلك. كقوله تعالى: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾. ولحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بالصحيحين: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا». وحديث سهل بن سعد رضي الله عنه بصحيح مسلم: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة»، وحديث بشير الخزاعي: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». أورد رحمه الله هذه الأدلة وما تضمنته فيما يتعلق بحفظ اللسان عما لا يحتاج إليه، وأنه شعبة من شعب الإيمان. الإيمان شعب كثيرة، ومن شعبه كما نص عليه العلماء. وقد تقدم معنا أن الإمام القزويني رحمه الله أخذ هذه الشعب مختصرة من الإمام البيهقي، والعلماء يتناقلون هذا بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وقد دلت أدلة الكتاب الكثيرة والسنة كذلك على أهمية حفظ اللسان، ويدخل في معنى حفظ اللسان قول كل طيب واجتناب كل سيء وخبيث. فمن الخبيث الكذب، ومن الخبيث الغيبة والنميمة والفحش. وأعظم الكذب الكذب على الله سبحانه وعلى رسوله وعلى دين الله جل وعلا وشرعه. ومن أعظم الكذب على المخلوقين الكذب على الوالدين والأقرب فالأقرب. وكلما كان الحق أعظم كان ذلك مستوجبا لإثم أكبر. وهكذا كذلك الغيبة والنميمة. والغيبة فسرت: ذكرك أخاك بما يكره ولو تأمل الإنسان في كلام نفسه وفلتات لسانه لازدرى نفسه ازدراء عظيما. فكم نبتلى بذكر ما يكره إخواننا، والواجب على المسلم أن يحذر من الغيبة وأن يجتهد في سلامة لسانه مما يوقعه في الغيبة؛ لأنها من الذنوب التي يؤاخذ عليها الإنسان. بل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أوصى معاذا أن يمسك عليه لسانه، فقال: «أو مؤاخذون بما نتكلم يا رسول الله؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟». فمن أعظم ما يكب الناس في النار حصائد الألسنة من الكذب والغيبة والنميمة وكل كلام فاحش. حتى ما قد لا تلقي له بالا ربما يكون سببا في حصول الضر العظيم عليك. فرب كلمة تقولها لا تتبين فيها تهوي بك في نار جهنم سبعين خريفا أو أبعد ما بين المشرق والمغرب. كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها تهوي به في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب». وقوله: «ما يتبين» أي ما يتثبت أو كذلك ما يتبين أي لا يتروى ويتأنى. فرب كلمة تقولها بالظن وتقولها بالشك وبغير اليقين تقولها ولو كان يقينا وأنت تعلم أنها لا يجوز أن تقال. فربما ترمي أحدا بما يوجب الحد وما لا يسعك الجواب عنه فيوجب لك الإثم العظيم وأنت لا تشعر. فالواجب على المسلم أن يراقب ما يخرج من لسانه: «ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد». وحديث سهل بن سعد عظيم، فيه أن من أعظم أسباب دخول الجنة حفظ ما بين اللحيين أي اللسان وما بين الفخذين أي الفرج. وأن في مقابله من أعظم أسباب دخول النار عدم حفظ ما بين اللحيين أي اللسان وما بين الفخذين أي الفرج. فهو حديث عظيم كفى به واعظا لمن تأمله وتدبره. وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث بشير: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، فيه إشارة إلى فضل الصمت عند عدم وجود الخير في الكلام. فإذن إما أن تقول خيرا أو لتصمت، فالصمت خير لك. وفيه دليل كذلك على أن قول الخير أفضل من الصمت؛ لأن بعض الصالحين دفعهم خوفهم من زلل اللسان إلى الصمت، فهل فعلوا الأفضل؟ الجواب لا، الأفضل منه ماذا؟ قول الخير. قول الخير أفضل من الصمت إذا كان الصمت جميلا فأجمل منه قول الخير، وهو أعظم ابتلاء وامتحانا. فلذلك كونك تتكلم وتستعمل اللسان في الخير هذا يدل على علو منزلتك وعظيم قيامك بعبوديتك لربك. فأنت مجاهد لأنك تجاهد نفسك أولا الأمارة بالسوء وتجاهد أهل السوء بالخير. حتى إذا أوذيت فلا ترد الخطأ بالخطأ، ولا ترد الباطل بالباطل. وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا: «سلاما»، هذا خلق المسلم. خلق المسلم أنه لا يرد السوء بالسوء، فضلا أن يبتدئ بالسوء. فالمسلم ليس بالفاحش، ليس بالسباب ولا الشتام، ولا الفاحش البذيء. كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تسب ولا تشتم ولا تقول الشيء الفاحش ولا تفعله، ولا تكون بذيء اللسان، بل كن ممن أمر الله عز وجل: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، إذا خيرت بين حسن وأحسن فاختار الأحسن». من القول كن راقي الكلام يكن كلامك راقيا، ولتكن أخلاقك عالية. وهذا خلق نبينا عليه الصلاة والسلام لنأتس به ونقتد به صلى الله عليه وسلم. لم يؤذ أحدا بلسانه عليه الصلاة والسلام، حتى إذا أُوذي كان جوابه الصمت. عليه الصلاة والسلام وهكذا ينبغي أن يكون المسلم. فإذا الصمت طيب وأطيب منه قول الخير؛ لأن فيه من الابتلاء والامتحان وتأذية ما أمرك الله عز وجل به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومجاهدة النفس والغير ما لا يكون مع الصمت. فلو صمت الناس جميعا هل حصل المقصود الشرعي من الدعوة والتعليم وغير ذلك؟ الجواب لا. إذن ينبغي أن تتأمل إلى هذا المعنى بهذه الاعتبارات. فالصمت طيب، ولكن أطيب منه أن تقول الخير. وهكذا كذلك أشار رحمه الله لعدد من الآيات والأدلة التي تدل على أهمية لزوم الحق فيما يقوله الإنسان. فلا يقول إلا ما له به علم، ولا يتكلم إلا بالصدق، ولا يكون إلا مع الصادقين، ولا كذلك يقع بالكذب، ولا يفتري على الله. وكذلك يقال في حق خلق الله. فلسانك يا عبد الله كما قيل: هو أسدك، إن أطلقته افترسك، وإن أمسكته حرسك. فأنت تحرس نفسك بهذا اللسان أن تضبطها بما أمرت به شرعا. ومن أعظم ما قد يبتل به بعض الناس في زلات اللسان ما يكون من الطعن في العلماء والأمراء؛ فإن ذلك من أعظم الغيبة، وإن كانت فيه نميمة فمن أعظم النميمة. ولا يخفى علينا كلام ابن عساكر رحمه الله المشهور حين أوصى في ثنايا كتابه وأوله، فقال: تلك الكلمة المشهورة التي لا يزال العلماء يتناقلونها: «يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقي حق تقاته، اعلم أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار من تنقصهم معلومة». "إلى آخر كلامه رحمه الله. فليكن حذرك أشد الحذر من أن تطعن في العلماء وتتنقص العلماء؛ لأن الطعن فيهم طعن في الدين، فهم حملته وهم نقلته. فأنت حين تطعن فيهم تشكك الناس في الدين الذي يعلمون ويحملون. ولذلك ينتقم الله عز وجل منك. ومن سنة الله عز وجل التي رآها العلماء وحكاها هذا الإمام: أن عادة الله في هتك أستار متنقصيهم معلومة. ما أحد تطاول على أحد من العلماء إلا هتك الله ستره وفضحه وجعله آية وعبرة. آية وعبرة لكل من يعتبر. فهذه سنة الله سبحانه وتعالى. وإذا رأيت من يتجرأ على العلماء فانتظر سنة الله فيه. ولابد أن تقع، ولابد أن تقع. انتظر سنة الله فيه، فإنها ستقع لا محالة إن لم يتب، فإنها ستقع لا محالة إن لم يتب. وهكذا الطعن في الأمراء سبب لزعزعة الأمن بما يكون من التطاول عليهم، فهو معنى من معاني الخروج. فإن ذلك يكون سببا للتطاول عليهم والخروج بعد ذلك فيكون زعزعة الأمن والشر والفساد في المجتمع. فلذلك أمر نبينا صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يصبروا إذا ابتلوا بأمراء السوء. ليس مجاملة ولا كذلك ضعفا وخورا، ولكن طاعة لله ورسوله أولا، وطمعا في حصول الخير للمجتمع ثانيا. إذ الصبر على هذا الأذى مع الإسلام الموجود خير من التفرق والشر الذي يكون في طلب العدل كما يزعم، فتكون العاقبة وخيمة. وها نحن نرى من آثار ذلك ما هو آية وعبرة. وقد ذكر العلماء في ذلك أشياء كثيرة هي محل كذلك عظة وعبرة. وهكذا كذلك ينبغي أن يعتبر المسلم في أمر حفظ لسانه أنه لا يبتلى فقط بما يكون من أثر لسانه عليه في نفس تلك المعصية. بل ذلك يجرئه على الوقوع في غيرها. فيروى عن يونس بن عبيد رحمه الله أنه قال: «ما من الناس أحد لسانه عنه ليس على بال إلا رأيت ذلك على سائر عمله». إلا رأيت ذلك على سائر عمله. الذي لا يبالي بفلتات لسانه لا تجده فقط قد وقع زلته وخطأه في اللسان، بل يبتليه الله بأن يكون زلله في سائر عمله. وما تجد أحدا يحرص على أن يضبط لسانه ويخاف الله ويراقب ما يقول إلا ويوفقه الله إلى السلامة في سائر عمله. وهذا أمر متلازم كما ذكر هذا الإمام رحمه الله. إذن مفتاح إصلاح سائر العمل أن تصلح لسانك. راقب لسانك؛ لأنه من أشد ما تبتل به. فإذا رقبت لسانك وحرصت أن لا يخرج إلا ما يرضي الله فأنت بإذن الله لغيره من عملك مراقب. وإذا لم تراقب لسانك ولم تبالي بما يخرج منه فأنت من باب أولى أن تكون لسائر عملك غير مراقب وغير منضبط. ومأساة أن يكون مثل ذلك ممن يحمل العلم؛ فإن ذلك من أعظم المآسي أن يتكلم الإنسان بشيء ولا يعمل بما علم من العلم، فيكون حجة عليه. وحال أمثال هؤلاء في الغالب أن يفضحهم الله في الدنيا قبل الآخرة. وأن كذلك يعجل بعقوبتهم في الدنيا قبل الآخرة. فهذه سنة الله سبحانه وتعالى، فلا يبقى إلا الحق أهله. فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. وهكذا كذلك مما ينبغي أن يلحظ في هذا المقام أن يلاحظ من أراد أن يجاهد نفسه على لسانه أن سلامة اللسان سبب لسلامة الدين وحصول كذلك حسن الصحبة. وإذا لم تسلم لسانك مما يكون من زلل وخطأ واعتداء فإنك مع نقص الدين لا تحفظ لك صاحب، بل ولا توفق لأبواب الخير. فمن أعظم أسباب السلام في الدين والتوفيق في الخير وحسن الصحبة في الدنيا حفظ اللسان. وقد نقل في هذا آثار كثيرة تدل على هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: قال الأمانات وما يجب فيها من أدائها إلى أهلها لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. ولحديث أبي هريرة: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». ولحديث في الصحيحين: «ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». شعب الإيمان حفظ الأمانات، فقد جاء الأمر بذلك في أدلة كثيرة من أدلة الكتاب والسنة. وأشار إلى بعضها. والأمانات عامة تشمل الأمانات الشرعية والأمانات كذلك الدنيوية. فكلها مما يجب أداؤها سواء كانت من العلم والشرع والدين أو كانت كذلك من الحقوق حقوق الآدميين، بل وحتى البهائم، حتى الجمادات إن كان لها أمانة فأنت تؤدي هذه الأمانة لكل ذوي الحقوق. إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها. هذا عام يشمل كل من له حق من شرع ودين، وكذلك ما يتعلق بحقوق المخلوقين. وأعظم الأمانات ما يتعلق بحق الله سبحانه وتعالى، وكذلك بعده حق الرسل عليهم الصلاة والسلام وما يلحق به من هذه المعاني. وهكذا حقوق المخلوقين. فأنت مأمور بتأدية الأمانات فيها الأولى فالأولى. فتؤدي حق أمانة الوالدين وأمانة الأقربين الأقرب فالأقرب. وكل ما تعلقت بك من أمانة. فأنت مثلا راعي في رعية تعلقت بك أمانة عظيمة. ومن عظم هذه الأمانات أن الله عز وجل يبعث من ابتلي برعاية رعية عشر فمن فوقهم مغلولة يداه يوم القيامة إلى عنقه. فإما أن يفكه عدله، وإما أن يكبه جوره والعياذ بالله. كما صح معنا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك ذكرها هنا حديث أبي هريرة، وفيه أن المسلم يجب أن يحرص على أداء الأمانة ولو حصلت من معاملتك بها الخيانة. أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك. فلا ترد الخيانة بالخيانة، بل أد الأمانة ولو لمن خانك ولو لمن خانك؛ لأن هذا ليس من خلق المسلم، بل هو مما ينافي الإيمان. وذكر حديث أبي هريرة كذلك وفيه أن هذا من خصال النفاق أي الخيانة في الأمانة. ومعنى حديث عبد الله بن عمر كذلك في الصحيحين: وكلما عظمت الأمانة عظم الإثم. ولا يستنقص الإنسان شيئا من الأمانات ولو مثقال ذرة؛ لأنه سيسأل عنها يوم القيامة. فمن يعمل مثقال ذرة خير يرى، ومن يعمل مثقال ذرة شر يرى. قال رحمه الله تعالى: تحريم قتل النفوس والجنايات عليها لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآيات. ولحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بالصحيحين: «إتلاف المسلم كفر، وسبابه فسوق، وحديثه بصحيح البخاري: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء». ولحديث ابن عمر رضي الله عنه بالصحيحين: «لا يزال المسلم في بسطة من دينه ما لم يصب دما حراما». كذلك من شعب الإيمان حفظه النفوس والحذر من القتل للنفس بغير حق. فقتل النفس بغير حق من أعظم الذنوب والمعاصي. ومن عظمها قرنها ربنا جل وعلا بالشرك بالله. كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، ومن يفعل ذلك يلق أثاما. وهكذا في حديث أبي هريرة في الصحيحين حذر النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات، قال: «وما هن يا رسول الله؟ قال: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله بغير حق». فقرن قتل النفس التي حرم الله بغير حق بالشرك والسحر، وكلاهما كفر. فدل على عظم القتل، فهو من أعظم الذنوب والمعاصي بعد الشرك بالله. ولهذا كان من أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة كما أشار إليه في الحديث الذي ذكره. فإنه من أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة. وهو كذلك يعظم كل ما كان في حرمة في زمان أو مكان أو وصف. وأعظمه قتل نفس المؤمن. ولهذا رتب عليه بهذه العقوبات الأربع: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. عقوبات متتالية تدل على عظم هذا الذنب. وهكذا كذلك قتل النفس فإذا كان مع القتل قتل النفس فهو كذلك أعظم وأعظم. وقد صح في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين أنه لا يزال الرجل يعذب يوم القيامة بما قتل به نفسه. إن كان سما فبسمه، وإن كان حديدة فبحديدته، وإن كان قد رمى نفسه من جبل فكذلك. في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. والأنفس المحرمة في دين الله عز وجل أربعة: نفس المؤمن، ونفس ثلاثة أصناف من الكفار: المعاهد والذمي والمستأمن. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم قتل الذمي والمعاهد والمستأمن. فلا يجوز انتهاك هذه الأنفس ولو كانت أنفس كافرة؛ لأنها محرمة بتحريم الشرع. فقد صح في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام: «أن من قتل ذميا» وجاء كذلك في رواية خارج الصحيح: «معاهدا بغير كنهه لم يجد رائحة الجنة». يعني بغير حق قتله بغير حق. فإنه لا يجد رائحة الجنة، تحرم عليه الجنة أي لا يدخلها دخولا أوليا، وإن كان من أهلها. أي يعذب في النار بقدر مظلمته وظلمه. وبحديث ابن عمر: «لا يزال المسلم في وسعة من دينه ما لم يصب دما حراما»، معناه أنه يحرم التوفيق ولا يوفق للتوبة. وجاء في رواية خارج الصحيح: «فإذا فعل ذلك بلح»، أي لم تكن له عاقبة حسنة، فتغلق عليه الأبواب. قال العلماء: بما يكون من يأسه وقنوطه. وقالوا: بما يكون من استرساله في فساده وشره. فالغالب أن من يتجرع على الدماء يكون لغيرها أجرى، فيحرم التوفيق والعياذ بالله، وتسوء خاتمته وتسوء خاتمته. فالواجب على المسلم الحذر من جريمة القتل؛ فإنها من أعظم الجرائم والذنوب في دين الله عز وجل. ولهذا جاء التحذير في الشرع من كل وسيلة تفضي إليها. فصح عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث أبي هريرة: «لعن من أشار بحديدة إلى أخيه». إلى أخيه «فإن الملائكة لا تزال تلعنه حتى يضع سلاحه، ونهى أن يفعل ذلك المسلم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار». هذا وهو لم يتعمد يشير، وهو لم يتعمد القتل، فينزع الشيطان في يده فيقع في حفرة في النار. فكيف بمن تعمد؟ إذا كان من تعمد يقع في حفرة من النار فكيف بمن لم يتعمد والعياذ بالله. وغضب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى قوما يتناقلون سيفا مصلتة. وكل ذلك تعظيما لهذا الباب. تعظيما لهذا الباب. وكان يؤدب أصحابه إذا دخل أحدهم المسجد أن يمسك بنصول سهامه ألا يصيب مسلما. وكذا كذلك صح عنه فيمن دخل مساجد المسلمين أو سوقهم. كل هذا حماية أن لا يقع المسلم في هذا الباب على وجه الخطأ. فكيف إذا كان على وجه العمد؟ فهو أشد وأشد. طيب نكتب بهذا القدر إلى هنا والله تعالى أعلم.