الدرس في القواعد والأصول الجامعة 41، الدرس الحادي والأربعون : من : ( القاعدة السابعة عشر : ... عوضه الله خيراً منه ولم يجد فقده ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
القاعدة تنص على أن من يتسرع في شيء قبل أوانه يُعاقب بالحرمان منه، وتتضمن أمثلة على ذلك مثل حرمان القاتل من الميراث والموصى له إذا قتل الموصي. وتفصيل أحكام مشابهة في الفقه الإسلامي يبينها المؤلف في هذا السياق.
إذا طلق الرجل امرأته في مرض موته بهدف حرمانها من الميراث، فالصحيح أنها لا تحرم من الميراث. ومن تعجل شهواته المحرمة في الدنيا عوقب بحرمانها في الآخرة، بينما من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه.
يشرح المؤلف أن الفقراء إذا صبروا واحتسبوا سيسبقون الأغنياء إلى الجنة، ويتمنى الأغنياء لو كانوا فقراء يوم القيامة. كما يبين أن التحايل على الشريعة لا يغير من حكم الله شيئا، ويستشهد بقصة اليهود الذين حرموا الشحوم ثم باعوها وأكلوا ثمنها.
سد العلماء باب التفرقة بين الخطأ والعمد في الأحكام لما قد يترتب عليه من حيل، وأكدوا على أن التمييز بينهما ليس مطلوبًا إذا استطاع الإنسان ذلك. وهذا يبين أهمية التمسك بالنصوص الشرعية دون محاولة التحايل عليها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المولد رحمه الله تعالى: القاعدة السابعة عشر. قال: من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه. وهذه القاعدة كذلك من القواعد الصغرى، وبعضها يعتبرها ضابطا. ومر معنا ما معنى الضابط وما معنى القاعدة الصغرى، لأن هناك قواعد كبرى وهي القواعد الكلية التي تندرج تحتها قواعد كثيرة، وهناك قواعد صغرى وهي التي عبارة عن جزء من تلك القواعد الكبرى، أو هي عبارة عن قاعدة تشمل مسائل أقل. وأما الضابط فهو الذي يكون في مسائل أقل وينحصر في باب أو بابين. فهذه القاعدة قاعدة صغرى، بل بعضهم شكك فيها وقال: الخارج منها أكثر من الداخل فيها، يعني في هذه القاعدة. لكن الصحيح أنها قاعدة صحيحة، خصوصا إذا أيده الدليل. قال رحمه الله تعالى: وذلك أن العبد عبد مملوك تحت أوامر ربه، ليس له من الأمر شيء. قال: كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. قال: فإذا تعجل الأمور التي ترتب عليها حكم شرعي قبل وجود أسبابها الصحيحة لم يفده شيئا، وعوقب بنقيض قصده. ويندرج تحت هذا الأصل صور عديدة، منها حرمان القاتل الميراث، سواء كان القتل عمدا أو خطأ إذا كان بغير حق، لأنه تعجل الميراث على وجه محرم، فحرم الميراث. وقد صح بذلك الحديث: «ليس للقاتل من الميراث شيء». قال: وكذلك الموصى له إذا قتل الموصي بطلت وصيته، بطلت وصية هذا الميت المقتول، فلا يكون للموصى له شيء، لا يكون للموصى له من هذه التركة شيء، لهذا الحديث: «ليس للقاتل من الميراث». ليس للقاتل من الميراث. قال: وكذلك المدبر إذا قتل سيده، والمدبر: العبد الذي أعتقه سيده عن دبر، يعني في آخر حياته إلى أن يموت. ومر معنا حديثه قريبا في كتاب البيع في البخاري، فلو قتل سيده عمل بنقيض قصده، كذلك لعموم هذا الحديث. لماذا؟ لأن الشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق. فهذه الصور تشبه بعضها بعضا فيكون حكمها واحد. قال: ومثل هذه الصورة من طلق زوجته في مرض موته المخوف، فإنها ترث منه ولو خرجت من العدة ما لم تتزوج بعده، على مذهب أحمد. وهذه الصورة صحيح التفصيل فيها. بينما إذا كان هذا الرجل طلق امرأته مع وجود القرينة أنه أراد حرمانها من الميراث، طلق امرأته في مرض موته المخوف، كأن يكون مثلا هذا الرجل بينه وبين هذه المرأة خصومات، ويشهد على ذلك أناس كثير. فمرض مرضا غالب على ظنه وعلى ظن الحاضرين أنه مرض موت، مثل أن يخبر مثلا بأن عنده سرطانا أو يخبر بأن عنده فشل كلوي أو نحو ذلك. فإذا طلق امرأته في هذا المرض ودلت القرينة أنه يريد بهذا الطلاق حرمانها من الميراث، فالصحيح أنها لا تحرم من هذا الميراث، للحديث المتقدم. قال رحمه الله تعالى: وقيل: ولو تزوجت، لأنها معذورة، يعني مثلا طلقها يريد الإضرار بها، وهي لم تستطع أن تبقى بزوج وتزوجت، وعلم كل الحضور أن هذا الرجل ما طلقها إلا لإرادة الإضرار بها. فيحتسب، فالصحيح أن القاضي ومن عنده ولاية الأمر في هذا الباب، الصحيح أنه يورثها. قال: ومما يدخل في هذا أن من تعجل شهواته المحرمة في الدنيا عوقب بحرمانها في الآخرة ما لم يتب قبل موته. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾. قال: هو مراده أن هذه الشهوات سواء كانت في معصية أو كانت كبيرة أو صغيرة أو غير ذلك، من تعجل الشيء في الدنيا حرمه في الآخرة. فمثلا يحرم في الآخرة من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة. وكذلك من كان في الدنيا استعجل بشيء من الزخرف في حياته، مثل القصور الفارهة التي فيها الذهب والفضة وغير ذلك، فإن ذلك من صفات الكفار يكون سببا لعذابه يوم القيامة. قد مر معنا قريبا أن بعض أهل العلم استدل على بعض الخلفاء بهذا المعنى. من هو من هذا العالم الذي مر معنا قريبا من يذكره؟ نعم، المندر بن سعيد البلوطي، فإنه وعظ بعض أمراء زمانه، وهو الناصر، في هذه الآية التي نزلت في حق الكفار، فوعظه بها لأنه ينبغي أن ينزه نفسه عن مذموم ذلك. قال: كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾. قال: ويقابل هذا الأصل أصل آخر: أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه. ولم يجد فقده، الأعمى يفقد البصر في الدنيا، فيعوضه الله عز وجل عنهما، لماذا؟ بالجنة يوم القيامة. وهكذا الفقراء، أول الناس دخولا الجنة. انظر إلى عدل الله وإلى كرامة الله عز وجل، حتى صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الفقراء يسبقون الأغنياء بكم؟ بخمسمائة عام، يسبقون الأغنياء بخمسمائة عام، كرامة من الله عز وجل عدلاً. سبحان الله، يعني يجعل الله عز وجل لهم العوض. لا يظن الفقير أنه إذا لم يصبر في الدنيا على فقره ويحتسب أن فقره سيذهب هباء منثورا، لا والله، لو صبر واحتسب فإن الله عز وجل سيعوضه في الدنيا في الآخرة بأن يسبق الأغنياء كلهم من أهل الجنة. الأغنياء والفقراء كلهم من أهل الجنة، ولكن الفقراء يسبقون. فماذا يكون حال الأغنياء في ذات اليوم؟ يتمنون يكونون فقراء، يتمنى الأغنياء في ذات اليوم أن يكونوا فقراء، إذ يرون الفقراء قد سبقهم إلى الجنة في تلك الأيام الكثيرة، واليوم بخمسين ألف عام، اليوم الواحد بخمسين ألف عام. فهذا عدل الله سبحانه وتعالى. وأراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين أن هذا الأصل لم يأت من فراغ، بل أصل دلت عليه أدلة الكتاب والسنة في مسائل الأحكام، وفي مسائل الآداب والفضائل كذلك. وفي مسائل الآداب والفضائل كذلك وله كذلك مؤيدات كثيرة، بأن إظهار الحلال بصورة الحرام لا يخرج الحرام عن حرمته. ومنه حديث جابر بن عبد الله في ذكر قصة اليهود، إذ أنهم حرموا عليهم الشحوم فباعوها فجملوها ثم باعوها ثم أكلوا ثمنها، ولم يخرج ذلك عن الحرام، بل لا زال حراما، أكلهم بثمن الشحوم كأكلهم للشحوم. فمن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، ومن تحايل على شريعة الله لم يزده تحايله على شريعة الله عز وجل إلا حرمة. طيب، هل في شيء في هذه القاعدة؟ نعم، نعم، في خلاف بين أهل العلم في قتل الخطأ، يوجد خلاف بين أهل العلم. والصحيح سداً لذريعة القتل أنه لا يورث. هكذا قال كثير من أهل العلم. وبعض أهل العلم قال بالتفصيل: إذا دلت القرينة الصحيحة أن هذا الخطأ خطأ محض ليس فيه أي شبهة لشبهة العمد فيورث، لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». وهكذا كذلك لأن الحديث في القاتل العمد وليس في القاتل الخطأ. وهذا التفصيل كما قال شيخ الإسلام وغيره: لو استطاع الوصول إليه فهو جيد، لكن يخاف أن لا يستطاع الوصول إليه. فهمتم؟ فهمت يا عبد الله. طيب، يعني معناه أن التفصيل باب دقيق. ولهذا بعض العلماء سد هذا الباب حتى لا يظهر القتل العمد بصورة الخطأ. واضح، ممكن إنسان يريد أن يقتل واحدا. لو سمحت أصلح لي الكفر دخل تحت تصحيح الكفر ورد لا. وراء ومسحه مع الأرض، لأن هذا سيرد من هذا. ما لك أثناء قتله ما حدد. إنه قال له: انزل. صلح. من يدري إلا علام الغيوب الذي لا يخفى عليه شيء. لكن ظاهر الحادث إيش؟ ما دريت. ركبت سيارتي ورجعت إلى وراء وهذا الرجل خلف تحت السيارة. أنا ما أدري إن أحد تحت السيارة. من يستطيع يقول إن هذا ليس بخطأ؟ ما أحد يعلم إلا الله سبحانه. فلهذا وغيره سد العلماء هذا الباب، قالوا: لا فرق بين الخطأ والعمد. فإن استطاع الإنسان أن يميز صحيح فهذا هو الذي دلت عليه عموم الأدلة، لكن إن أمن أن لا يكون في القصة أو في الحادثة والواقعة شيء من الحيلة، شيء من الحيلة.