الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح  154

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 154

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 154، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

انتقاد وحدة الوجود وعلاقتها بالخالق والمخلوق

يناقش الشيخ آراء طائفة تصوفية حول وحدة الوجود، ويبين بطلانها وتناقضها مع العقل والنقل. يوضح أن هذه الآراء تجعل الخالق محتاجا للمخلوق وترد عليها بالتفريق بين الحلول المعقول وغير المعقول.

نقد آراء الفلاسفة والصوفية حول الحلول والاتحاد

يناقش المقطع آراء الفلاسفة والصوفية حول وحدة الوجود والحلول والاتحاد، ويبين أنها تصورات ذهنية لا وجود لها في الواقع. يشرح أن العقل إذا لم يميز بين المحسوس وغيره، فقد يتوهم الأوهام.

موقف صاحب الكتاب من قضية الجهة والحيز

المقطع يشير إلى رفض بعض الأقوال المتعلقة بقضية الجهة والحيز، ويذكر أن صاحب الكتاب تطرق لهذا الموضوع في عدة مواضع من كتبه. يُظهر المقطع موقف صاحب الكتاب السلبي من هذه الأفكار.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «كتاب الجواب الصحيح البدل دين المسيح». ومن هؤلاء طائفة لا يقولون بثبوت الأعيان في العدم، بل يقولون: ما ثم وجود إلا وجود الحق، لكن يفرقون بين المطلق والمعين، فيقولون: هو الوجود المطلق الساري في الموجودات المعينة، كالحيوانية الثابتة في كل حيوان، والإنسانية الثابتة في كل إنسان. وهذا الذي يسمى الكل الطبيعي، ويسمون هذا الوجود الإحاطة، فيقولون: هو الوجود المطلق، إما بشرط الإطلاق عن كل قيد، وهذا يسمى الكل العقلي. وهذا عند عامة العقلاء لا يوجد إلا في الذهن لا في الخارج. ولكن يحكى عن شيعة أفلاطون أنهم أثبتوا هذه الكليات المجردة عن الأعيان في الخارج، وقالوا: إنها قديمة أزلية، إنسانية مطلقة، وحيوانية مطلقة، ويسمونها المثل الأفلاطونية. وقد رد ذلك عليهم إخوانهم أرسطو وشيعته، وجماهير العقلاء، وبينوا أن هذه إنما هي متصورة في الأذهان لا موجودة في الأعيان، كما يتصور الذهن عددا مطلقا، ومقادير مطلقة كالنقطة والخط والسطح والجسم التعليمي، ونحو ذلك مما يتصوره الذهن، وليس من ذلك شيء في الموجودات الثابتة في الخارج. وهذا المطلق بشرط الإطلاق يظن هؤلاء ثبوته في الخارج، وقد يسمونه الإحاطة، وهو الوجود المجرد عن جميع القيود. ثم بعده الوجود المطلق لا بشرط، وهو العام المنقسم إلى واجب وممكن، إلى قديم وحادث، ونحو ذلك، كقسام الحيوان إلى ناطق وغير ناطق. وهذا المطلق لا بشرط يوجد في الخارج، فإن الإسم المفرد يصدق عليه، فيقال: هذا حيوان، هذا إنسان. وإن كان الإسم العام شاملا لأنواعه وأشخاصه، لكن لا يجد في الخارج إلا مقيدا معينا. ومن قال: إنه يوجد في الخارج كليا، فقد غلط. فإن الكل لا يكون كليا قط إلا في الأذهان لا في الأعيان. وليس في الخارج إلا شيء معين، إذا تصور منع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه. ولكن العقل يأخذ القدر المشترك الكلي بين المعينات، فيكون كليا مشتركا في الأذهان. وهؤلاء يجعلون الوجود الواجب هذا، وقد يجعلونه بعد هذا، فيقولون: هذا فرق الواجب. وهذا الوجود الكل إذا قيل: إنه لا يوجد في الخارج إلا معينا، فلا موجود في الخارج سوى الموجودات المعينة المشخصة بما فيها من الصفات القائمة بها. وإن قدر وجوده في الخارج، وهو إما جزء من المعينات وإما صفة لها، فعلى الأول لا يكون في الخارج موجود هو رب الموجودات المعينة. وعلى الثاني يكون رب الموجودات جزءها أو صفة لها. ومعلوم بصريح العقل أن صفة الشيء القائمة به لا تخلق الموصوف، وأن جزء الشيء لا يخلق الشيء، بل جزء الشيء جزء من الشيء. فإذا كان هو الخالق للجملة، كان خالقا لنفسه، وكان بعض الشيء خالقا لكله. ومن هؤلاء من يقول: إن الرب في العالم كالزبد في اللبن، والدهن في السمسم، ونحو ذلك، فيجعلونه جزءا من العالم المخلوق. ونفس تصور هذا يكفي في العلم بفساده. لكن هؤلاء يقولون لمن تبعهم: إن لم تترك العقل والنقل، لم يحصل لك التحقيق والتجلي الذي حصل لنا. ويقولون: ثبت عندنا في الكشف ما يناقض صريح العقل. فقلت لبعضهم: إن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أكمل الناس كشفا، وهم يخبرون بما يعجز عقول الناس عن معرفته، لا بما يعرف في عقولهم أنه باطل، فيخبرون بمحارات العقول لا بمحارات العقول. فمن دونهم إذا أخبر عن شهود وكشف، إذا أخبر عن شهود وكشف، يعلم بصريح العقل بطلانه، علما أن كشفه باطل. وأما إن كان لم يعلم بطلانه، فهذا قد يمكن فيه إصابته، وقد يمكن خطأه، لأن غير الأنبياء ليس بمعصوم. وهؤلاء سمعوا باسم الله وقصدوا عبادته ومعرفته، فوقوفوا على إثره في مصنوعاته، فظنوا أنه هو، كمن سمع بالشمس، فلما رأى الشعاع المنبسط في الهواء والأرض، ظن أن ذلك هو الشمس، ولم يصعد بصره وبصيرته إلى الشمس التي في السماء. وكذلك هؤلاء لم تصمد بصائر قلوبهم إلى رب العالمين الذي فوق كل شيء، المباين لمخلوقاته. وصر ذلك أنهم يشهدون بقلوبهم وجودا مطلقا بسيطا، ليس له اسم خاص كالحي والعليم والقدير، ولا له صفة، ولا يتميز فيه شيء عن شيء. وهذا هو الوجود المشترك، لكن هذا الشهود هو في نفوسهم لا حقيقة له في الخارج. وكثير من من يخاطبهم لا يتصور ما يشهدونه، فيظنون أنه لم يفهم ما شهدوه. وقد خاطبت غير واحد منهم، وبينت له أن هذا الذي يشهدونه هو في الذهن، وبتقدير أن يكون موجودا في الخارج، فهو صفة للموجودات أو جزء منها. ويظنون مع ظنهم أنه موجود في الخارج، أنه لم يبقى في الخارج غير ما شهدوه. فإنهم يغيبون عن الحس الذي يدرك المعينات، ويغيبون عقولهم عن تصورها، حتى لا يميز بين موجود وموجود، ويقولون: الحس فيه تفرقة. ثم يشهدون هذا الوجود المطلق مع عزلهم الحس، فيظنون أن هذا المطلق هو نفس المعينات، وأنه ما بقي موجودا أصلا في الخارج. فيقال لهم: لو قدر أن الوجود الكل ثابت في الخارج كليا، وأنكم شهدتم ذلك، فمعلوم عند كل عاقل أن وجود الكل المشترك لا يناقض وجود المعين المختص. فالحيوانية والإنسانية المشتركة المطلقة لا تناقض أعيان الحيوان وأعيان الإنسان. وحينئذ فثبوت أعيان الموجودات حاصل في الخارج. وهب أنكم غبتم عن هذا، ولم تشهدوه، فالغيبة عن شهود الشيء لا يوجب عدمه في نفسه. فإذا لم يشهد العبد الشيء، أو لم يرده، أو لم يعلمه، أو لم يخطر بقلبه، أو فنى عن شهوده، أو استلم، أو غاب، لم يلزم من ذلك أن يكون الشيء صار في نفسه معدوما فانيا لا حقيقة له. بل الفرق ثابت بين أن يعدم الشيء في نفسه ويفنى ويتلاشى، وبين أن يعدم شهود الإنسان له وذكره ومعرفته. وهؤلاء من ظلالهم يظنون أنه إذا فنى شهودهم للموجودات، كانت فانية في أنفسها، فلم يكن موجودا إلا ما تخيلوه من الوجود المطلق. ويقولون: الكثرة والتفرقة في الحس، فإذا فني شهود القلب عن الحس، لم يبقى تفرقة ولا كثرة. ويظنون أن شهود الحس حينئذ خطأ، والعقل هو الذي يشهد الكليات والمطلقات دون الحس. فإذا أبطلوا ما شهده الحس، لم يبقى معهم إلا الوجود الكل. ثم يظنون مع ذلك أنه هو الله، فيبقى الرب عندهم وهم وخيالا في نفوسهم لا حقيقة له في الخارج. كما قال بعض حذاقهم، وهو التستري صاحب ابن سبعين: «وهمك هو بتشخيص ما تحته شيء». وقال: «ترى الوجود واحدا وأنت ذاك، وليس عليك زائد ما ثم سواك». وقلت لبعض حذاقهم: هب أن هذا الوجود المطلق ثابت في الخارج، وأنه عين الموجودات المشهودة، فمن أين لك أن هذا هو رب العالمين الذي خلق السماوات والأرض وكل شيء؟ فاعترف بذلك، وقال: هذا ما فيه حيلة. والحس الباطن أو الظاهر إن لم يقترن به العقل الذي يميز بين المحسوس وغيره، وإلا دخل فيه من الغلط ما يدخل على النائم والممرور والمبرسم وغيرهم ممن يحكم بمجرد الحس الذي لا عقل معه. أو يحكم بمجرد، والبهائم قد تكون أهدى من هؤلاء، كما قال تعالى: ﴿ولقد ذرنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾. وهؤلاء يصرحون برفض السمع والعقل، فدخلوا في قوله: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إنهم إلا كالأنعام بل هم أضلوا سبيلا﴾. ويزعمون أنفسهم الغيبة عن العقل والحس الظاهر والشرع. فلهذا يقول أحذقهم التلمساني: «فقل لحسك غب وجدا وذب طربا فيها وقل لزوال العقل لا تزلي واصمت إلى أن تراها فيك ناطقة، فإن وجدت لسانا قائلا فقل». وهؤلاء بسط الكلام عليهم موضع آخر. والمقصود هنا أن النصارى زعموا أن اللاهوت محتاج إلى ما اتحد به من الناسوت. وهؤلاء زعموا أن رب العالمين محتاج إلى كل ما سواه من الأعيان الثابتة في العدم. فإن كل من قال: إن رب العالمين اتحد بغيره، فكل من المتحدين مفتقر إلى الآخر، مع استحالة كل منهما وتغير حقيقته. ولا كذلك الحلول المعقول، فإن الحلول لا يعقل إلا إذا كان الحال قائما بالمحل، محتاج إليه. سواء أريد بذلك حلول الصفات والأعواض في الموصوفات والجواهر، أو أريد به حلول الأعيان. فإن كون أحد الجسمين محلا للآخر، كحلول الماء في الظرف، هو يوجب افتقاره إليه. وما يحل في قلوب المؤمنين من معرفة الرب والإيمان به، هو قائم بقلوبهم، محتاج إليه. وكذلك ما يثبته الفلاسفة من الهيولى والصورة، ويقولون: إن الهيولى محل للصورة، ويعترفون مع ذلك بأن الصورة محتاجة إلى الهيولى. فالقائلون بوحدة الوجود قد يجعلون الخالق مع المخلوقات كالصورة مع الهيولى، كما يشير إليه ابن سبعين، ويقول: «هو في الماء ماء، وفي النار نار، وفي كل شيء بصورة ذلك الشيء». كما قد بسط الكلام على هؤلاء في مواضع غير هذا الكتاب. وإذا قالوا: إن الرب حل في المسيح كما حل في غيره، وهو الحلول الموجود في كلام داود عندهم، حيث قالوا: «أن تتحل في قلوب القديسين». قد عرف أن هذا حلول الإيمان به ومعرفته وهداه ونوره، والمثال العلمي. كما قد بسط في موضع آخر، ولهذا يسمى ظهورا. والشعاع الحال على الأرض والهواء عرض قائم بذلك، وهو مفتقر إلى الأرض والهواء. والرسل صلوات الله عليهم أخبروا بأن الله فوق العالم، بعبارات متنوعة. تارة يقولون: هو العلي، وهو الأعلى. وتارة يقولون: هو في السماء، كقوله: ﴿أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبة﴾. وليس مرادهم بذلك أن الله في جوف السماوات، أو أن الله يحصره شيء من المخلوقات. بل كلام الرسل كله يصدق بعضه بعضا، كما قال تعالى: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين﴾. وقد قال تعالى: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم﴾. وثبت بالصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء». فأخبر أنه لا يكون شيء فوقه. ولهذا قال غير واحد من أئمة السلف: إنه ينزل إلى السماء الدنيا، ولا يخل العرش منه، فلا يصير تحت المخلوقات وفي جوفها قط. بل العلو عليها صفة لازمة له حيث وجد مخلوق، فليكون الرب إلا عاليا عليه. وقول الرسل: «في السماء»، أي في العلو. ليس مرادهم أنه في جوف الأفلاك، بل السماء العلو. وهو إذا كان فوق العرش، فهو العلي الأعلى. وليس هناك مخلوق حتى يكون الرب محصورا في شيء من المخلوقات. ولا هو في جهة موجودة، بل ليس موجودا إلا الخالق والمخلوق، والخالق بائن عن مخلوقاته، عال عليها. فليس هو في مخلوق أصلا، سواء سمي ذلك المخلوق جهة أو لم يسم جهة. ومن قال: إنه في جهة موجودة، تعلوا عليه أو تحيط به، أو يحتاج إليها بوجه من الوجوه، فهو مخطئ. كما أن من قال: ليس فوق السماوات رب، ولا على العرش إله، ومحمد لم يعرج به إلى ربه، ولا تصعد الملائكة إليه، ولا تنزل الكتب منه، ولا يقرب منه شيء، ولا يدنو إلى شيء، فهو أيضا مخطئ. ومن سمى ما فوق العالم جهة، وجعل العدم المحض جهة، وقال: «في جهة» بهذا المعنى، أي هو نفسه فوق كل شيء، فهذا معنى صحيح. ومن نفى هذا المعنى بقوله: «ليس في جهة»، فقد أخطأ. بل طريق الاعتصام أن ما أثبته الرسل لله أثبت له، وما نفته الرسل عن الله نفيناه. والألفاظ التي لم تنطق الرسل فيها بنفي ولا إثبات، كلفظ الجهة والحيز ونحو ذلك، لا يطلق نفيا ولا إثباتا إلا بعد بيان المراد. فمن أراد بما أثبت معنى صحيحا، فقد أصاب في المعنى، وإن كان في اللفظ خطأ. ومن أراد بما نفاه معنى صحيحا، فقد أصاب في المعنى، وإن كان في لفظه خطأ. وأما من أثبت بلفظه حقا وباطلا، أو نفى بلفظه حقا وباطلا، فكلاهما مصيب في معناه من الحق، مخطئ في معناه من الباطل، قد لبس الحق بالباطل، وجمع في كلامه حقا وباطلا. والأنبياء كلهم متطابقون على أنه في العلو. وفي القرآن والسنة ما يقارب ألف دليل على ذلك. وفي كلام الأنبياء المتقدمين ما لا يحصى. أتم رحمه الله تعالى هذا الفصل في جوابه على قول النصارى في تلك التفاسير والأقوال المختلفة المتضادة في قضية التثليث، وكون الله سبحانه وتعالى - تعالى الله عن قولهم - علوا كبيرا هو عيسى بن مريم. ثم بعد ذلك ذهبوا إلى تلك التفاسير المختلفة في تفسير اجتماع الخالق بالمخلوق، فتارة يجعلون صفة الخالق حلت في المخلوق، فأكسبته معنى ووصفة الخالق. وثارة يقولون بعبارات أخرى. وهنا استطرد رحمه الله تعالى في تفسير بعض كلام الناس في قضية الاختلاط التي أورثت هذا القول الباطل، قول الباطل عند من ضل من طوائف أهل الكتاب وأتباع الأنبياء، سواء من ضل من اليهود والنصارى، أو كذلك حتى من المسلمين. وبدأ يذكر ذلك بعبارات الفلاسفة، كما أشار من كلام أتباع أفلاطون، وهو أحد فلاسفة اليونان معروفين. والرد عليهم من كلام أتباع أرسطو، وهو كذلك من رؤوس علماء اليونان كذلك. وأشار بقوله فيما ذكره عن هؤلاء في قضية الكل الموجود المطلق، والكل العقلي، والكل الطبيعي، والكل العقلي، إلى ما له علاقة بقضية القول بوحدة الوجود والحلول والاتحاد التي انبنت عليه عقائد من ضل من أتباع الأنبياء، سواء من النصارى أو طوائف من اليهود، أو كذلك طوائف من المسلمين. والإنسان إذا لم يتقيد بالشرع، ويزن نفسه بميزان الرسالة والنبوة، تخطفته أهواء أهل الأهواء. وكذلك معقولات من يدعي أنه من أهل العقل. على أن العقل كما أشار شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله، يتبحر في أشياء ذهنية واسعة لا وجود لها في الواقع. ومن ذلك هذه القضية. فقضية وجود هذه المعاني الكلية العقلية، والكل الطبيعي، ومسألة وجود هذا الإطلاق في الموجودات، هذه كلها أشياء عقلية يتصورها الذهن، وفي الواقع ليس لها وجود. وأشار إلى ذلك ببعض الأمثلة التي تقرب المعنى، مثل ما يذكره أهل علم الحساب والرياضيات من ذكر الخط المستقيم الذي ليس له أول وليس له آخر. يقولون: خط مستقيم لا بداية له ولا نهاية، هذا من حيث الواقع لا وجود له. أما من حيث الذهن، فالذهن يتصور أشياء أوسع من الواقع. لكن لو قيل لأحدهم: أخرج لنا خطا مستقيما ليس له أول ولا آخر، فإنه لا يجد ذلك في الواقع. ومثله كذلك ما ذكر في الأجسام، وما ذكر كذلك من أمثلة أخرى. فكلها عبارة عن أشياء موجودة في الأذهان، وليست موجودة في الواقع. وهكذا كذلك زعم من زعم في قضية إمكانية حلول الصفات في غير الأعيان، هذا شيء يتصوره الذهن، ولكنه في الواقع لو أتي بمثل هذا القول إلى أبلد الناس في الأرض، لقال: لا يقول هذا إلا مجنون. فإن الصفة لا تقوم إلا بموصوف، ولا يمكن للصفة أن تقوم بغير موصوف، كما لا يمكن أن يكون موصوف من غير صفة. وما ذكره من قضية الوجود المطلق لا بشرط، ثم ذكر العام المنقسم إلى واجب وممكن، يريد بذلك الواجب بالنسبة لما هو لله، والممكن بالنسبة للمخلوق. وكل هذا من تصورات الفلاسفة وكلامهم في المعقولات، وما تصوره الذهن، وليس له وجود في الواقع. وقوله بعد ذلك: «لكن هذا الشهود هو في نفوسهم لا حقيقة له في الخارج، وكثير من من يخاطبهم لا يتصور ما يشهدون، فيظنون أنه لم يفهم ما شهدوه». هذا كذلك تبع لما سبق. فإن بعض ما يظنه الإنسان أنه حقيقة، وأنه يجد عليه البرهان، ويستشهد له بشهادات، هذه الشهادات في الحقيقة إنما هو بسبب هذا الظن الذي ظنه، وليس الأمر كذلك، فهو تصور شيئا، فبعد ذلك ظنه حقا، وهو ليس كذلك. وهذا مثل ما يقال: اعتقد، ثم ذهب يستدل. فهم اعتقدوا هذه العقائد الفاسدة بسبب ما قرؤوه، وما سمعوه من كلام من ضل من الناس قديما وحديثا، فتكاثر هذا الكلام بتلك المعاني المتقاربة، ظنوه أنه يثبت حقيقة. وكما قال شيخ الإسلام: إنه ناظر أكثر من واحد، أكثر من مرة، فسلم له بما يقول، يعني أنه اكتشف أن ما يدعيه إنما هو ويظنه أنه من المعقولات، أنه ما هو إلا عبارة عن أشياء ذهنية لا وجود لها في الواقع. وإلا فلو دقق النظر، وجد نفسه مخطئا خطأ كبيرا يخالف العقل، فضلا عن الشرع. ومثل بالمثال في الشمس، فمن لم يرى الشمس وراء شعاعها المنبسط في الهواء والأرض، فظن أن ذلك هو الشمس، ولم يصعد بصره وبصيرته، فصار شاهده وبرهانه بحسب عينه التي يرى بها، وتصوره وفهمه الذي يفهمه. بينما غيره يرون غير الذي يرى، ويدركون غير الذي يدرك، وهذا ممكن. فكذلك يقال بالنسبة لقول من قال بالحلول والاتحاد. وقوله بعد ذلك: «والحس الباطن والظاهر إن لم يقترن به العقل الذي يميز بين المحسوس وغيره، وإلا دخل فيه من الغلط ما يدخل على النائم والممرور والمبرسم إلى آخره». يريد أن يدلل بتدليل آخر أن بعض ما يحسه هؤلاء من أهل الحلول والاتحاد، ممن ضل من المسلمين، أو كذلك من النصارى وغيرهم، محسوساتهم في الحقيقة قد قامت على أشياء ذهنية وتخيلات. وكذلك علوم خاطئة أخذوها عن بعض من ضل من أهل الأهواء، سواء من فلاسفة الهند واليونان، أو كذلك من ضل من أهل الكتاب، فظنوا ذلك بمجموعه يثبت لهم معنى محسوسا ظاهرا وباطنا، وليس الأمر كذلك. ولهذا قال: «والحس الباطن أو الظاهر إن لم يقترن به العقل الذي يميز بين المحسوس وغيره». معناه أنه إذا لم يكن هناك نظر متجرد عما يحف بهذا المفهوم، فإنه يظل. والعقل إذا لم يكن يميز بالمحسوس، فإنه قد يتوهم الأوهام، مثل النائم، والممرور، والمبرسم. والمراد من فعله مانع يمنع من إدراك الشيء بالإحساس به. فالنائم يتخيل أشياء ويظنها حقيقة وهي ليست حقيقة. ومثله من في عقله شيء، إما بسبب دواء يأكله، أو بسبب مرض يعرض عليه. فالممرور هو ما عرض لعقله شيء بسبب داء ومرض. والبرسم بسبب شيء أكله. وقوله بعد ذلك في قول التلمساني: «واصمت إلى أن تراها فيك ناطقة، فإن وجدت لسانا قائلا فقل». ليس قوله: «يقول أحذقهم» ثناء عليه، ولكن كأنه يقول: إذا كان هذا قول أحسنهم حالا وأكثرهم تحرسا، فكيف بمن هو دونه ممن ضلاله أشد أكثر؟ يريد كابن سبعين، وابن عربي، وغيرهم. فكلامهم الفاضح، وضلالهم الواضح أشد من كلام التلمساني. وكلهم قد ضل في قضية الحلول والاتحاد. فالعبارة فقط لتبين أن هؤلاء مع تفاوت مداركهم، إلا أنهم جميعا ضلوا في هذا الباب. وقوله: «والمقصود هنا أن النصارى زعموا أن اللاهوت إلى آخره». أنه أراد بهذه الأمثلة التي ذكرها أن يبين وجه ضلال النصارى في هذا الباب. فاللهوت المراد به الله عز وجل، والناسوت المراد به المخلوق. والله منزه عن عقائد وضلالات النصارى في هذا الباب. وقوله: «وكذلك ما يثبته الفلاسفة من الهيولى والصورة إلى آخره». يريدون بالهيولى هو مادة الشيء، والصورة هو الوصفة الذي تحل فيها تلك المادة. أو إن شئت قلت: الذات، فالهيولى الذات، والصورة الصفات. وهو يريد بهذا أن ما يقوله الفلاسفة في هذا الباب هو من جنس ما تقدم من أنهم يتصورون أشياء في الأذهان، وليس لها وجود في الواقع. ومثله ضلال من ضل من النصارى. وبعد هذا كله يتبين أن ضلال النصارى يستلزم تصحيح ضلال من قال بقول وحدة الوجود، أهل الاتحاد. والنصارى يكفرون من قال ذلك، فإذا كان كذلك، فيلزمهم كذلك تكفير أنفسهم. وأبغض الكلام الذي ختم به ظاهر في قضية الجهة والحيز، وقد ذكره في مواضع من مباحث العقيدة في كتبه، وذكر هنا مجمله. والله تعالى أعلم.