الدرس في شرح مختصر السيرة 9، الدرس التاسع : وفيه : ( وجرى بينه وبينهم ما يطول وصفه ... فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تحدث الشيخ عن الأذى الذي تعرض له النبي وأصحابه من قريش، بما في ذلك محاولات قتله وتعذيب أصحابه. كما ذكر قصة عمه أبي طالب ودعمه له رغم عدم إسلامه.
المشركون يتشابهون في شبهاتهم، حيث يحتجون بآبائهم ويرفضون تغيير معتقداتهم. الواجب هو الاستجابة للحق وعدم الاكتراث بكلام الناس.
يناقش المقطع ضعف قصة إلقاء الشيطان ويبين أنها قصة باطلة لا تصح. كما يذكر أن سبب رجوع المهاجرين من الحبشة كان إلغاء المقاطعة على النبي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، فقال شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مقتصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم»: قال: وجرى بينه وبينهم ما يطول وصفه، وقص الله سبحانه بعضه في كتابه، يعني مما جرى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أذية قومه له، فقالوا عنه: شاعر، وكاهن، ومجنون، وآذوه في نفسه، وفي ماله، بل وكذلك حتى في أهله، عليه الصلاة والسلام. ومن باب أولى في أتباعه، فكان مما كان من الأذية حتى كان ذاك الذي وقع بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ وضع عليه سلا جزور، وهو ساجد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل وخنقوه حتى أرادوا قتله، فدفع أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، فقال: «تقتلون رجلا يقول: ربي الله»، أو «أن يقول: ربي الله». وغير ذلك مما أراده المشركون، كما قال الله عز وجل عنهم في ذلك، فيما يريدون أن يفعلوه بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، فحاولوا كل شيء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ودفع الله عز وجل عنه. وما فعلوه بأصحابه، ومن أسلم معه، خصوصا بلال، شيء عظيم من القتل، كما قتلوا سمية أم عمار، رضي الله عنه، وكانت مولاة لبني مخزوم، فقتلت فتلة شنيعة بعد عذاب شديد لها ولزوجها ولابنها. قال: وجرى بينه وبينهم ما يطول وصفه، وقص الله سبحانه بعضه في كتابه. قال: ومن أشهر ذلك قصة عمه أبي طالب، لما حماه بنفسه وماله وعياله وعشيرته، وقاسى بذلك الشدائد العظيمة، وصبر عليها. يعني أن الأذية لم تكن بالمسلمين فقط، بل كانت بالكافرين كذلك الذين تعاطفوا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل حتى برؤوس قريش ممن تعاطف مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى كان ذاك الأمر العظيم الذي وقع، وهو مقاطعة قبائل قريش للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن وقف معه من بني هاشم، فكان بذلك السنين الشديدة التي مرت عليهم. قالوا: ومن أشد ذلك قصة عمه أبي طالب، لما حماه بنفسه وماله وعياله وعشيرته، وقاسى بذلك الشدائد العظيمة، وصبر عليها. وما ذلك كان مصدقا له، محبا لدينه، محبا لمن اتبعه، معاديا لمن عاداه، وذلك اشتهر عنه اشتهارا عظيما حتى آخر حياته، وهو يدافع عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويروى عنه بذلك أشعار كثيرة، ومنها الشعر المشهور الذي يرويه أهل السير: «جزى الله عنا عبد شمس ونوفل...» إلى آخره، وفيه مدح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومدح بعض قادة قريش الذين وقفوا في تلك المقاطعة مع أبي طالب. قال: لكن لم يدخل فيه محبا لمن اتبعه، معاديا لمن عاداه، لكن لم يدخل فيه، ولم يتبرأ من دين آبائه، واعتذر عن ذلك بأنه لا يرضى بمسبة آبائه، يعني يقولون: أنه خرج عن دين آبائه. وكانت العرب فيهم هذه الخصلة، وهذا من أعظم ما منع الكبراء في الدخول مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خوف المسبة والنقص بين العرب، يقولون: فلان ترك دين آبائه، وفلان خرج عن طريق آبائه، ويرون أن ذلك نقصا في آبائهم، مع أن الحقيقة ليست كذلك. وبمثل هذه الشبهة كانت كذلك عند مشركي هذا الزمان، فأكثر مشركي هذا الزمان إذا قيل لهم: ارجعوا عن هذا الباطل، واتركوا هذا الشرك، وارجعوا إلى توحيد الله ودين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقولون: هل تريدوننا أن نتهم آباءنا بأنهم مشركون، وبأنهم على غير التوحيد؟ أو غير ذلك مما يقولون. أو كذلك ربما يقولون: إذا فعلنا ذلك معناه أننا كفرنا آباءنا. وأن الأمر ليس بلازم، فربما آباؤهم عندهم ما يعذرهم من الجهل ومن عدم وصول الحجة وبلوغها، أو غير ذلك. لكن أنت قد بلغتك الحجة، ووصلت إليك النذارة، فالواجب عليك أن تستجيب، ولا تمتنع. ثم كذلك الواجب على الإنسان أن يدعي إلى الحق، وأن يدعي له، ولا يبالي بكلام الناس. قال: ولذلك اتبعه، ولولا ذلك لاتبع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني ولولا هذه المسبة لاتبع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل قد قال شعرا بذلك. قال: ولما مات أبو طالب، وأراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الاستغفار له، أنزل الله عليه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وهذه الآية نزلت في أبي طالب، كما جاء في صحيح مسلم، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهي عن الاستغفار لعمه. ومعلوم قصة طلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من عمه أبي طالب أن يدخل في دين الإسلام، وأن يموت على لا إله إلا الله، كلمة يحاج له بها عند الله، فأبى أن يموت إلا أن يقول: هو على ملة عبد المطلب. قال: فهذا مثل عظيم لصحبة السوء، فقد ضر أبا طالب ضررا عظيما، حين كان ذلك مانعا له من أن يقول: لا إله إلا الله. قال: «بئس العبرة ما أبينها، ومن عظة ما أبلغها، ومن بيان ما أوضحه». لم ينتفع بهذا النسب، ولم ينتفع بهذه النصرة، ولا هذه المدافعة، إذ أنه لم يتابع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فغيره من باب أولى. قال: ومما وقع أيضا قصته صلى الله عليه وعلى آله وسلم معهم لما قرأ سورة النجم بحضرتهم، فلما وصل إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ﴾، ألقى الشيطان في تلاوته تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، وظنوا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاله، يعني قال هذه الكلمات من ضمن السورة. قال: ففرح بذلك فرحا شديدا، وتلقاها الصغير والكبير منهم، وقالوا كلاما معناه: هذا الذي نريد، نحن نكرم الله والخالق الرازق المدبر للأمور، ولكن نريد شفاعتهن عنده، فإذا قر بذلك فليس بيننا وبينه أي خلاف. قال: وسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسجدوا معه، وشاع الخبر أنهم صافوه، يعني حصل بينه وبينهم صفاء، حتى إن الخبر وصل إلى الصحابة الذين بالحبشة، فركبوا البحر راجعين لظنهم أن ذلك صلح. فلما ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، خاف أن يكون قاله، فخاف من الله خوفا عظيما، حتى أنزل الله عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال: فمن عرف هذه القصة عرف ما عليه المشركون اليوم، وما يقول علماؤهم، ولم يميز بين الإسلام الذي أتى به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبين دين قريش الذي أرسل الله رسوله ينذرهم عنه، وهو الشرك الأكبر. فأبعده الله، فإن هذه القصة في غاية الوضوح، إلا من طمس الله على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة، فذلك لا حيلة فيه، ولو كان من أفهم الناس. قال: والمحققون من أهل العلم أن هذه القصة قصة ضعيفة باطلة لا تصح، ولم يثبت بها إسناد. وعلى هذا قفى أهل الحديث، فإنها كما قال ابن كثير، رحمه الله: تروى بأسانيد مرسلة، ليس بها شيء صحيح. وقال البزار، رحمه الله تعالى: لا نعلمه يروى متصلا، يعني إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل هو مرسل. قال: وإنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذه الطريق تسمى عند أهل التفسير والحديث بسلسلة الكذب، إذا اجتمع هذا الإسناد فهو إسناد كذب لا يصح. وهي قصة ضعيفة لا تصح. وبعد العلم بذلك فلا حاجة للتعليق. قال: وعلى قول من يقول بتصحيحها، فإنهم أجابوا عن ذلك بأجوبة، وأشار إلى ذلك ابن كثير، رحمه الله، في تفسير هذه الآية في سورة الحج، ونقل عن أئمة عيارهم عن جماعة أجوبتهم في هذه القصة. قصتها: ما ذكروا أن المراد منها الابتلاء والامتحان، وأن الله جل وعلا جعل ذلك فتنة وابتلاء لجميع الأنبياء والرسل، بما يكون فيه محنة وامتحان للناس، لأهل الحق بالثبات عليه، والأهل الباطل في إغوائهم وزيادة ضلالهم. والصواب أن القصة لم تصح، ولهذا فإن المحققين من أهل العلم يفسرون الآية على غير هذا التفسير. فمعنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي أراد الشيطان أن يلقي في أمنيته ما يحرف ويلبس عليه القرآن، ولكن لا يستطيع ذلك. ولهذا ذكر البخاري، رحمه الله تعالى، هذه الآية، فقال: وقال ابن عباس: في أمنيته، أي إذا حدث، ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان، ثم يحكم الله آياته، يعني أنه لا يخرج للناس إلا القرآن الحق، وهو الصواب. قال: وأما ما ذكره رحمه الله بأن هذه القصة كانت سببا في رجوع من هاجر من المهاجرين الذين هاجروا إلى الحبشة، فإنه كما مر معنا أن المسلمين لما ابتلوا البلاء العظيم هاجروا فرارا بدينهم من مكة إلى الحبشة، أخبرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن بها ملكا عادلا لا يظلم عنده أحد، أوحى الله عز وجل إليه بذلك، فهاجر من هاجر، وكان مع أولئك جعفر بن أبي طالب، جعفر الطيار، كما هي قصة مشهورة حين اتبعهم المشركون، وكان بينهم وبين المشركين ما كان من الجدال، فقرأ على النجاشي سورة مريم، فقال النجاشي: «والله إن هذا وما جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة»، يعني أنه الوحي الذي أنزل، فكان عند ذلك إسلامه، والإسرار بإسلامه، رضي الله عنه وأرضاه. وصلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليه تدل على ذلك. وهؤلاء الذين هاجروا للامتحان والابتلاء الذي ابتلوا به حين خرجوا إلى الحبشة، كما قال أهل السير: إلى بحر القلزم، يعني البحر الأحمر الذي يسمى اليوم البحر الأحمر، وانتقلوا إلى من ضواحي جدة إلى الضفة الأخرى في جهة الحبشة، وقيل: إنهم نزلوا في موضع يقال له: المصوع، ثم من المصوع إلى موضع آخر، هو ما يسمى بأكسوم، فنزلوا هناك. فكان سبب رجوعهم هو ما وقع من إلغاء المقاطعة التي كانت على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن ناصره، فظنوا أن الفرج قد جاء، فلما بلغهم ذلكم الخبر، ظنوا أنه حصل الصفاء، وترك للمسلمين الأمر، فرجعوا، فوجدوا الشدة كما هي. فمنهم من خرج مرة أخرى، ومنهم من دخل حتى هاجر إلى المدينة، فهذا هو سبب رجوعهم، وليس سبب رجوعهم ذكر هذه القصة. والحمد لله رب العالمين.