شرح مختصر السيرة  136

شرح مختصر السيرة 136

الدرس في شرح مختصر السيرة 136، الدرس السادس والثلاثون بعد المائة:من( حوادث سنة أربع وثلاثين ... فلما رأى ذلك علي خرج فبايعه الناس ولم يدخل في طاعته معاوية وأهل الشام فهم علي بالشخوص إليهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

بداية الفتنة ومقتل عثمان

بدأت الفتنة في عهد عثمان رضي الله عنه بتحريض من عبد الله بن سبأ اليهودي، مما أدى إلى خروج جماعة من أهل مصر عليه ومقتله مظلومًا. كانت هذه الأحداث في سنة أربع وثلاثين وخمس وثلاثين من الهجرة.

دور عبد الله بن سبأ في نشر الفتنة

عبد الله بن سبأ اليهودي لعب دورًا رئيسيًا في إثارة الفتن بين المسلمين، حيث تنقل بين المدينة والبصرة والكوفة والشام ومصر لنشر الفتنة. أدى ذلك إلى مقتل عثمان رضي الله عنه وتأثيرات كبيرة على الصحابة.

اختلاف معاوية وعلي في التعامل مع قتلة عثمان

اختلف معاوية وعلي رضي الله عنهما في التعامل مع قتلة عثمان، حيث فضل معاوية تقديم الأولوية في قتلهم بينما رأى علي تأجيل الأمر. كلا الطرفين لم يكن راضيا عن قتلة عثمان.

أثر تصرفات الجاهلين على الإسلام

تصرفات أهل الجهل والغوغاء قد تساعد أعداء الإسلام في الطعن فيه وتفريق كلمة أهل الحق دون وعي منهم. هذا يسهم في تمكين الكفار ويضر بالمسلمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول" صلى الله عليه وسلم: قال: "حوادث سنة أربع وثلاثين". قال: "ثم دخلت السنة الرابعة والثلاثون". قال: "وفيها تكاتب المنحرفون عن عثمان، وكان جمهورهم من أهل الكوفة، وتواعدوا أن يجتمعوا لمناظرته فيما نقموا عليه". فبعثوا إليه منهم من يناظره فيما فعل من تولية من ولّى وعزل من عزل، حتى شق عليه ذلك جدًا، فبعث إلى أمراء الأجناد فأحضرهم عنده واستشارهم، فكل أشار برأي، ثم انتهى الأمر بأن قرر عماله على ما كانوا عليه، وتألف قلوب هؤلاء. يعني رأى رضي الله عنه وأرضاه أن تلك الشائعات لم يكن معها ما يقتضي التغيير، فمفسدة التغيير أعظم من متابعة تلك الشائعات، ولو كان بعضها في شيء من الحق، لكنه لا يقتضي التغيير. قال: "وتألف قلوب هؤلاء، وأمر به من يبعثوا إلى الغزو وإلى الثغور"، فلم يمنعهم ذلك من التمادي في غيهم. وكما مر معنا بعض هذا المروي، ذكره أهل السير والتاريخ، ويحتاج إلى أسانيد صحيحة؛ فكونه رضي الله عنه أمر بإخراج بعض أو إرسال بعض إلى الغزو والثغور أو غير ذلك، هذا يحتاج إلى شيء من الأسانيد الصحيحة الثابتة. لأن بعضهم ربما يستدل بهذا في الطعن في عثمان رضي الله عنه وأرضاه، وربما كذلك ينقله الناقل دون تحقيق، فيكون فيه مدخل للطعن في عثمان رضي الله عنه وأرضاه. ومن ذلك ما أشار إليه بعض المحققين من أهل العلم في قضية ما ذكره بعض أهل التاريخ والسير من أن عثمان رضي الله عنه أمر بإخراج أبي ذر إلى الربذة، فإن هذا كذلك مما نبه عليه بعض المحققين من أنه لم يصح، وأنه مما يثيره من يطعن في عثمان رضي الله عنه وأرضاه. قال: "وفيها توفي أبو طلحة الأنصاري وعباد بن الصامت رضي الله عنهما"، يعني من حوادث هذه السنة. وبعض هذه التواريخ أو الحوادث يختلف فيها بعض أهل التاريخ. وهنا سؤال سأل أحد الإخوة: قال: "فأووا إلى الجزيرة"، ما المراد بالجزيرة؟ المراد بالجزيرة -والله أعلم- أرض بالبصرة بين دجلة والفرات، سميت بالجزيرة لأنها كالجزيرة بين النهرين. قال رحمه الله تعالى: "حوادث سنة خمس وثلاثين". ثم دخلت السنة الخامسة والثلاثون، وفيها مات من الصحابة عمار بن ياسر، أسلم قديمًا وشهد بدرًا رضي الله عنه. وفيها كان خروج جماعة من أهل مصر ومن وافقهم على عثمان، وأصل الفتنة ومن وراءها كان من عبد الله بن سبأ، رجل يهودي من أهل صنعاء، أظهر الإسلام ليخفي به حقده عليه وكفره به في زمن عثمان. وكان ينتقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد فأخرجوه حتى أتى مصر، فغمز على عثمان وقاد الفتنة وأشعل نارها، محادة لله ولرسوله. وقد ذكر أهل التاريخ والسير، وبعض ذلك روي بأسانيد صحيحة في قصة وخبر عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام نفاقًا وحقدًا على أهله، فأثار فتنًا عظيمة في المدينة، ثم كذلك بعد ذلك في البصرة والكوفة والشام ثم مصر، حتى ألب من ألب على عثمان رضي الله عنه وأرضاه. وأثار الفتنة، بل كان له كذلك ومن معه شأن عظيم في إثارة الفتن بعد ذلك فيما وقع بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، كما نبه الكثير من المحققين من أهل السير والتاريخ. قال: "حتى كانت البلية الكبرى بمحاصرة عثمان رضي الله عنه واغتياله وهو يتلو كتاب الله تعالى، وكان بيد أولئك المجرمين الخوارج في ذي الحجة من هذه السنة -يعني سنة خمس وثلاثين-". قال: "وبقتله وقعت الفتنة العظيمة التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس في بقايا من شرها إلى اليوم"، يعني من أثر تلك الفتنة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الإشارة إلى ذلك، ففي الترمذي بإسناد صحيح، وذكره العلامة الألباني في "الصحيحة" عن ابن عمر أنه ذكر فتنة -أي النبي صلى الله عليه وسلم- فقال: "يقتل هذا مظلومًا"، يعني فيها، فأشار لعثمان. قال: "وقعة الجمل". قال: "وبلغ الخبر عائشة رضي الله عنها وهي حاجة، ومعها طلحة والزبير". قال رحمه الله تعالى: "نعم، قفزنا على هذا مقرن". قال أهل السير: "لما كان من أمر عثمان ما كان، قعد علي بن أبي طالب في بيته، فأتاه الناس وهم يقولون: علي أمير المؤمنين". فقال: "ليس ذلك إليكم، إنما هو إلى أهل بدر". فأتاه أهل بدر، فلما رأى ذلك علي خرج، فبايعه الناس، ولم يدخل في طاعة معاوية وأهل الشام. فهم علي بالشخوص إليهم، وسبب ذلك ليس أن عثمان رضي الله عنه أراد الخلافة لنفسه، ولا أنه لم ير عليًا رضي الله عنه أهلًا لذلك. ولكن كان عثمان رضي الله عنه يطالب الصحابة جميعًا ممن كان بالمدينة، وقد مر معنا أن عثمان كان في الشام، كان يطالبهم بقتلة عثمان؛ لأنه كان ابن عم عثمان رضي الله عنه. فقد صح عنه رضي الله عنه وأرضاه أنه قال حين سئل -سأله أبو مسلم الخولاني- فقال لمعاوية رضي الله عنه: "أنت تنازع عليًا في الخلافة أو أنت مثله؟" فقال رضي الله عنه وأرضاه: "لا، وإنني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا، وأنا ابن عمه ووليه، أطلب بدمه؟ فأتوا عليًا فقولوا له: يدفع لنا قتلة عثمان". قال: "فأتوه فكلموه، فقال: يدخل في البيعة ويحاكمهم إليه". وهذا الأثر ذكره بعض أهل العلم، وأشار إليه الحافظ ابن حجر في "الفتح"، وقال: "إسناده جيد". وصحح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وذكره في "مجموع الفتاوى" وفي "منهاج السنة" ومواضع من كتبه. وقد رواه يحيى بن سليمان الجعفي في كتابه المسمى "صفين"، وأشار إليه غير واحد من أهل السير والتاريخ. فهذا الإسناد صريح، أو هذا الأثر صريح في أن معاوية رضي الله عنه لم ينازع في الخلافة، ولم يمتنع من الطاعة، وإنما أراد اجتهادًا منه رضي الله عنه وأرضاه تقديم الأولوية في ظنه بقتلة عثمان. وقتلة عثمان لم يعرف عينهم، عرف أهل الفتنة من كان حول البيت هم معروفون، ولكن من تسور البيت وقتل عثمان رضي الله عنه لم يستطع الصحابة في ذلك الوقت أن يجزموا من هو. وعلي رضي الله عنه وأرضاه اجتهد، فرأى -والناس قد أثاروا فتنًا في أطراف الخلافة- أن المصلحة تقتضي تأخير هذا الأمر، تأخير أمر متابعة قتلة عثمان؛ فإن الفتن الواقعة أعظم من ذلك. فكان مجتهدًا رضي الله عنه وأرضاه، وأهل الفتنة أثاروها، استغلوا ذلك فأثاروا الفتنة كما سيأتي معنا إن شاء الله. فالحاصل هو اجتهاد كان معاوية رضي الله عنه طلبه قتلة عثمان، وكان علي رضي الله عنه وأرضاه طلبه هو جمع المسلمين على كلمة واحدة، وتأجيل النظر في قضية قتلة عثمان إلى ما بعد. وليس معناه أنه راض عن قتلة عثمان أو أنه متساهل فيه، ومن ذلك أنه قد روي أن بعض الصحابة بلغ عليًا رضي الله عنه أنه لعن قتلة عثمان، فقال رضي الله عنه: "أنه كذلك يلعنهم". فروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح من طريق محمد بن الحنفية أنه بلغ عليًا أن عائشة رضي الله عنها كانت تلعن قتلة عثمان في المربد. قال محمد بن الحنفية: "فرفع علي رضي الله عنه يديه إلى وجهه، فقال: وأنا ألعن قتلة عثمان، لعنهم الله في السهل والجبل -مرتين أو ثلاث-". والأثر كذلك صححه شيخ الإسلام ابن تيمية، وإسناده في مسند الإمام أحمد صحيح، وله شواهد عند البيهقي وغيره. فعلي رضي الله عنه ما كان متساهلًا مع قتلة عثمان، لكن كما قال العلماء: هو لم يعلم أعيانهم، حتى لما قتل عثمان رضي الله عنه غضب بعض الصحابة، فقالوا: "كيف يقتل عثمان ولا يعرف قاتله، وهو بين أظهرنا؟!" وهي فتنة عظيمة. وشيء قدره الله عز وجل لحكمة، ابتلي بها الصحابة بل المسلمون جميعًا، وقد مر ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من وقوع هذا الامتحان والابتلاء الذي تبتل به الأمة. وبه نعرف كذلك خطر وكذلك سوء غرض المنافقين ومن يدخل في هذا الدين من أعدائه كاليهود وغيرهم، وكذلك بعض الجهلة مما يكون في تصرفهم زيادة الفتن. وما أشبه الليلة بالبارحة، فإن ما وقع في هذه المحنة والفتنة هو درس عظيم كما يقال: يذكر المسلمين بخطر مثل هذا التصرف حين يلجأ الأمر إلى أهل الغوغاء، كيف تكون الفتن وتنفتح أبواب الشرور. فما يقع في هذا الزمان وفي هذه الأيام من فتن هو شبيه بما وقع في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه. أرادوا الدنيا فخسروا الدنيا والآخرة، خسروا الدنيا والآخرة، ونسأل الله عز وجل السلامة من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وهكذا أهل الجهل والغوغاء ربما بسوء تصرفاتهم يكونون معينين لأعداء الإسلام في طعن الإسلام من الداخل، وتسلط الكفار وتفريق كلمة أهل الحق من حيث لا يشعرون.