تعليق - الرد على الأخنائي 4

تعليق - الرد على الأخنائي 4

الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 4، الدرس الرابع : من : (فصل:بداية الرد على المعترض ... بل هذا كفر بهم وطعن فيهم ومعاداة لهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الرد على من نسب إلى شيخ الإسلام تحريم زيارة القبور

ينفي الشيخ ابن باز نسبة تحريم زيارة القبور إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، ويوضح أن ابن تيمية كان يستحب زيارة القبور. الخلاف كان في حكم السفر إلى القبور حيث ذكر ابن تيمية قولين في المسألة.

السفر لزيارة القبور وآثار الأنبياء ومختلف فيه

يناقش آراء العلماء حول السفر لزيارة القبور وآثار الأنبياء، ويبين أن السفر إلى مسجد النبي مشروع بالإجماع، بينما السفر لزيارة قبره فقط محل نزاع بين العلماء.

الرد على من زعم افتراء شيخ الإسلام للإجماع

يتناول الرد على من زعم أن شيخ الإسلام ابن تيمية افترى الإجماع في مسألة السفر إلى قبر النبي، ويوضح أن الإجماع هو عدم جواز اعتقاد أن السفر إلى قبر النبي قربة أو طاعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام رحمه الله: فصل، قال المعترض: أما بعد، فإن العبد لما وقف على الكلام المنسوب لمن تيمية، المنقول عنه من نسخة فتياه، ظهر لي من صريح ذلك القول فحواه، ومقصده السيء، ومغزاه، وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور، والسفر إليها، ودعواه أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها. فيقال: هذا الكلام، مع قلته، فيه من الكذب الباطل والافتراء ما يلحق صاحبه بالكذابين المردودي الشهادة، أو الجهال البالغين في نقص الفهم والبلادة. وكان ينبغي له أن يحكي لفظ المجيب بعينه، ويبين ما فيه من الفساد، وإن ذكر معناه فيسلك طريق الهدى والسداد. فأما أن يذكر عنه ما ليس فيه، ولا يذكر ما فيه، فهذا خروج عن الصدق والعدل إلى الكذب والظلم. وذلك أن الجواب ليس فيه تحريم زيارة القبور البتة، لا قبور الأنبياء والصالحين، ولا غيرهم، ولا كأن السؤال عن هذا، وإنما فيه الجواب عن السفر إلى القبور، وذكر قولي العلماء في ذلك. والمجيب قد عرفت كتبه وفتاويه مشحونة باستحباب زيارة القبور، وفي جميع مناسكه يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع، وشهداء أحد، ويذكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل مسجده، والأدب في ذلك، وما قاله العلماء. وفي نفس الجواب قد ذكر ذلك، ولم يذكر قط أن زيارة القبور معصية، ولا حكاه عن أحد، بل كان يعتقد حين كتب هذا الجواب أن زيارة القبور مستحبة بالإجماع، ثم رأى بعد ذلك فيها نزاعا، وهو نزاع مرجوح، والصحيح أنها مستحبة. وهو في هذا الجواب إنما ذكر القولين في السفر إلى القبور، وذكر أحد القولين أن ذلك معصية، ولم يقول إن هذا معصية محرمة مجمع عليها، لكن قال: إذا كان السفر إليها، ليس للعلماء فيه إلا قولان: قول من يقول: إنه معصية، وقول من يقول: إنه ليس بمحرم، بل لا فضيلة فيه، وليس بمستحب. فإذا من اعتقد أن السفر لزيارة قبورهم أنه قربة وعبادة وطاعة، فقد قال: فالإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك طاعة، كان ذلك محرما بالإجماع. فهذا الإجماع حكاه، لأن علماء المسلمين الذين رأينا أقوالهم اختلفوا في قوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد هذا، والمسجد الأقصى»، هل هو تحريم لذلك، أو نفي لفضيلته، على قولين. وعامة المتقدمين على الأول، مع اتفاقهم على أن هذا يتناول السفر إلى القبور، فإن الصحابة والتابعين والأئمة لم يعرف عنهم نزاع في أن السفر إلى القبور وآثار الأنبياء داخل في النهي، كالسفر إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى، وغيره. وإن كان الله سماه الوادي المقدس، وسماه البقعة المباركة، ونحو ذلك، فلم يعرف عن الصحابة نزاع أن هذا وأمثاله داخل في النهي: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، كما لم يعرف عنهم نزاع أن ذلك منهي عنه. وأن قوله: «لا تشد الرحال»، نهي بصيغة الخبر، كما قد جاء في الصحيح بصيغة النهي، من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ما قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى». فالصحابة ومن تبعهم لم يعرف عنهم نزاع أن هذا نهي منه، فإن لفظه صلى الله عليه وسلم صريح في النهي، ولم يعرف عنهم نزاع أن النهي متناول للسفر إلى البقاع المعظمة غير المساجد، سواء كان النهي عنها بطريق فحوى الخطاب، وأنه إذا نهي عن السفر إلى مسجد غير الثلاثة، فالنهي عن السفر إلى ما ليس بمسجد أولى. أو كان بطريق شمول اللفظ، فالصحابة الذين رووا هذا الحديث بيّنوا عمومه لغير المساجد، كما في الموطأ، والمسند، والسنن، عن بسرة بن أبي بصرة الغفاري، أنه قال لأبي هريرة: من أين أقبلت؟ قال: من الطور. فقال: لو أدربتك قبل أن تخرج لما خرجت. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجد هذا، وإلى مسجد إيلياء - أو قال: بيت المقدس -». وقال أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب أخبار المدينة النبوية: حدثنا هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا عبد الحميد بن بهرام، قال: حدثنا شهر بن حوشب، قال: سمعت أبا سعيد الخدري، وذكر عنده الصلاة في الطور، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلا إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة، غير المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد هذا». فهذا فيه أنه رواه بلفظ مسجد، وبيّن أن النهي متناول للطور، وإن لم يكن مسجدا، بطريق الأولى. فإن الذين يقصدون الطور ومثله لا يقصدونه إلا أنه مسجد، بل ولم يكن هناك قرية يتخذ المسلمون فيها مسجدا. وبناء المسجد حيث لا يصلى فيه بدعة، وإنما يقصدونه لشرف البقعة، فعلم أن النهي عن المساجد نهي عن غيرها بطريق الأولى. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحب البقاع إلى الله المساجد». فإذا كان قد حرم السفر إلى أحب البقاع إلى الله غير الثلاثة، فما دونها في الفضيلة أولى أن ينهى عنه. كما قال الصحابة، ومنهم أيضا ابن عمر، قال أبو زيد: حدثنا محمد بن أبي الوزير، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طلق، عن قزعة، قال: أتيت ابن عمر، فقلت: إني أريد الطور. فقال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى. فدع عنك الطور، فلا تأته. لكن طائفة من المتأخرين قالوا: ليس هذا نهياً، بل هو نفي لاستحباب السفر إلى غير الثلاثة، ونفي لوجوب السفر بالنذر إلى غير الثلاثة. وهؤلاء يقولون: إن الحديث عام في السفر إلى قبور الأنبياء وآثارهم، وغير ذلك. وقال ابن حزم الظاهري: السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة حرام. وأما السفر إلى آثار الأنبياء، فذلك مستحب. ولأنه ظاهري يقول بفحوى الخطاب، وهو إحدى الروايتين عن داود الظاهري، فلا يقول: إن قوله: «فلا تقل لهما أف» يدل على النهي عن الضرب والشتم. ولأن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ يدل على تحريم القتل مع الغنى واليسار. وأمثال ذلك مما يخالفه فيه عامة علماء المسلمين، ويقطعون بخطأ من قال مثل ذلك، فينسبونه إلى عدم الفهم ونقص العقل. ومع هذا فلم أجده ذكر ذلك إلا في آثار الأنبياء، لا في القبور. وأما السفر إلى مجرد زيارة القبور، فما رأيت أحدا من علماء المسلمين قال: إنه مستحب. وإنما تنازعوا: هل هو منهي عنه، أو مباح؟ وهذا الإجماع والنزاع لم يتناول المعنى الذي أراده العلماء بقولهم: «يستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم»، ولا إطلاق القول بأنه يستحب السفر لزيارة قبره، كما هو موجود في كلام كثير منهم. فإنهم يذكرون الحج، ويقولون: يستحب للحاج أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أن هذا إنما يمكن مع السفر. لم يريدوا بذلك زيارة القريب، بل أرادوا زيارة البعيد. فعلم أنهم قالوا: يستحب السفر إلى زيارة قبره. لكن مرادهم بذلك هو السفر إلى مسجده، إذ كان المصلون والزوار لا يصلون إلا إلى مسجده. لا يصل أحد إلى قبره، ولا يدخل إلى حجرته. ولكن قد يقال: هذا في الحقيقة ليس زيارة لقبره. ولهذا كره من كره من العلماء أن يقول: زرت قبره. ومنهم من لم يكرهه. والطائفتان متفقون على أنه لا يزار قبره كما تزار القبور، بل إنما يدخل إلى مسجده. وأيضا فالنية في السفر إلى مسجده وزيارة قبره مختلفة. فمن قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه، فهذا مشروع بالنص والإجماع. وإن كان لم يقصد إلا القبر، لم يقصد المسجد، فهذا مورد النزاع. فمالك والأكثرون يحرمون هذا السفر. وكثير من الذين يحرمونه لا يجوزون قصر الصلاة فيه. وآخرون يجعلونه سفرا جائزا، وإن كان غير مستحب، ولا واجب بالنذر. وأما من كان قصده السفر إلى مسجده وقبره معا، فهذا قد قصد مستحبا مشروعا بالإجماع. وهذا لم يكن في الجواب تعرض له. هو الجواب في السؤال كان عن من سافر لا يقصد إلا زيارة القبور، لا يقصد سفرا شرعيا كالسفر إلى مكة، وإلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى. ولم يكن السؤال ولا الجواب عن من سافر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وإن قصد مع ذلك السفر إلى قبره. فإن هذا لم تجمع العلماء على أنه سفر غير مستحب. بل أصحاب أحمد لهم في مسافر إلى القبور: هل يقصر الصلاة؟ أربعة أوجه. قيل: يقصر مطلقا. وقيل: لا يقصر مطلقا. وقيل: لا يقصر إلا إلى قبر نبينا صلى الله عليه وسلم. وقيل: إلى قبور الأنبياء مطلقا. فهذان الوجهان من لم يعرفهما ما تتبع في هذه المسائل، فيعرف العمل الممكن المشروع، والقصد في ذلك، ليظهر له الفرق بين الرسول وبين غيره من جهة الفعل والقصد. فإن السفر المسمى زيارة له إنما هو سفر إلى مسجده. وقد ثبت بالنص والإجماع أن المسافر ينبغي له أن يقصد السفر إلى مسجده، والصلاة فيه. وعلى هذا قد يقال: نهيه عن شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة لا يتناول شدها إلى قبره. فإن ذلك غير ممكن. فلم يبق إلا شدها إلى مسجده، وذلك مشروع. بخلاف غيره، فإنه يمكن زيارته، فيمكن شد الرحل إليه. لكن يبقى قصد المسافر ونيته، ومسمى الزيارة في لغته: هل قصده مجرد القبر، أو المسجد، أو كلاهما؟ كما قال مالك لمن سأله عما نذر أن يأتي إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم: إن كان أراد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فليأته، وليصل فيه. وإن كان أراد القبر، فلا يفعل. للحديث الذي جاء: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». فهذا السائل من عرفه، أو من عرفه أن لفظ زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم يتناول من أتى المسجد، وكان قصده القبر، ومن أتاه، وقصده المسجد. وهذا عرف عامة الناس المتأخرين يسمون هذا كله زيارة لقبره. ولم يكن هذا لغة السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، بل تغير الاصطلاح في مسمى اللفظ والمقصود به. وهو صلى الله عليه وسلم لا يشرع للقريب من زيارته ما نهى عنه المسافر الذي يشد الرحلة. بخلاف غيره، فلا يقال: إن زيارته بلا شد رحل مشروعة، ومع شد الرحل منهي عنها. كما يقال في سائر المشاهد، وفي قبور الشهداء، وغيرهم من أموات المسلمين. إذ لم يشرع للمقيمين بالمدينة من زيارته ما ينهى عنه المسافرون. بل الجميع الأمة مشتركون فيما يؤمرون به من حقوقه حيث يكن. بل قد قيل: إن الأمر بالعكس، وإنه يستحب للمسافر من السلام عليه، والوقوف على قبره، ما لا يستحب لأهل البلد. وإذا كان لا يمكن إلا العبادة في مسجده، فهذا مشروع لمن شد الرحل، ومن لم يشده. تبقى النية، كما ذكر مالك. وهذه النية التي يقصد صاحبها القبر دون المسجد، قد نص مالك وغيره على أنها مكروهة لأهل المدينة، قصدا وفعلا. فيكره لهم كلما دخلوا المسجد، أو خرجوا منه، أن يأتوا القبر. وقد ذكر مالك أن هذا بدعة لم يبلغ عن أحد من السلف. ونهى عنها، وقال: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها». فالذي يقصد مجرد القبر، ولا يقصد المسجد، خالف الحديث والإجماع. فإنه قد ثبت عنه في الصحيح أن السفر إلى مسجده مستحب، وأن الصلاة فيه بألف صلاة. واتفق المسلمون على ذلك. وعلى أن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام. وقال بعضهم: إنه أفضل من المسجد الحرام. ومسجده يستحب السفر إليه، والصلاة فيه مفضلة لخصوص كونه مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بناه وأصحابه، وكان يصلي فيه وأصحابه. فهذه الفضيلة ثابتة للمسجد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، قبل أن يدفن في حجرة عائشة. وكذلك هي ثابتة بعد موته. ليست فضيلة المسجد لأجل مجاورة القبر. كما أن المسجد الحرام مفضل، لا لأجل قبر. وكذلك المسجد الأقصى مفضل، لا لأجل قبر. فكيف لا يكون مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم مفضلا، لا لأجل قبر؟ فمن ظن أن فضيلته لأجل القبر، أو أنه إنما يستحب السفر إليه لأجل القبر، فهو جاهل مفرط في الجهل، مخالف لإجماع المسلمين، ولما علم من سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. وهذا تنقص بالرسول، وبقوله ودينه، مكذب له فيما قاله، مبطل لما شرعه. وإن ظن أنه يعظمه، كما أن النصارى يكذبون كثيرا مما أخبر به المسيح عن ربه عز وجل، ودينه، ويظنون أن ذلك تعظيما له، ولدينه. وإنما تعظيم الرسل بتصديقهم فيما أخبروا به عن الله، وطاعتهم فيما أمروا به، ومتابعتهم، ومحبتهم، وموالاتهم. لتكذيب بما أرسلوا به، والإشراك بهم، والغلو فيهم، بل هذا كفر بهم، وطعن فيهم، ومعادات لهم. هذا الفصل كما رأينا رد فيه قول المعترض، وهو الإجابة فيما زعم أن شيخ الإسلام تيمية رحمه الله وتعالى افترى الإجماع. وبيّن رحمه الله وتعالى وجه قوله: «إجماع». فهو بالمفهوم. لأن قول أهل العلم المعتبرين منحصر بين كونه - أي السفر إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وقبور الأنبياء - بين كونه معصية، أو جائز مباح. ولم يقل أحد من المعتبرين: إنه مستحب. فصار منتهى القول: أنهم أجمعوا. وهذا النوع من الإجماع يسمى بالإجماع الاستقرائي، أو بالمفهوم. أجمعوا على أنه لا يجوز اعتقاد أن السفر إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، أو قبور الأنبياء: أنه طاعة، وقربة، أو أنه واجب. فهذا أجمع عليه. فإن قيل: كيف قد حكي هذا القول - أي أنه مستحب - عن ابن حزم؟ فرد هذا رحمه الله تعالى بأن المنقول عن ابن حزم إنما هو في آثار الأنبياء أولا، وليس هو في قبر النبي عليه الصلاة والسلام، أو قبور الأنبياء. وفرق بين المسألتين ظاهر. وثانيا: أن مبنى هذا القول من ابن حزم على مسألة اتفق العلماء أن ابن حزم خالف فيها الإجماع. وذلك أن ابن حزم لا يأخذ بالمفهوم، والمفهوم الأولوي، والذي أشار إليه بفحوى الخطاب. وأجمع العلماء أن ابن حزم خالف الإجماع في هذه المسألة. وأن الظاهرية، ومن وافق ابن حزم من الظاهرية، لأن هذا القول ليس متفقا عليه، حتى عند الظاهرية. فالظاهرية لهم قولان في مسألة المفهوم. فمن قال من الظاهرية بهذا، فهو خالف أولا أحد قولي الظاهرية. وثانيا خالف عموم جمهور أهل الإسلام من الصحابة، ومن بعدهم إلى يومنا هذا. فيكون ابن حزم مخالفا للإجماع في هذه المسألة الأصولية. وفي هذه المسألة الفقهية كذلك هو مخالف للإجماع. لأن مبنى هذه المسألة على ذلك. وثالثا: أن هؤلاء، وخصوصا المالكية والحنفية، من أشد الناس تشنيعا على الظاهرية. بل والمالكية على وجه الخصوص، من أشد الناس تشنيعا على ابن حزم. وما وقع بين ابن عبدالبر رحمه الله تعالى، وابن حزم، لا يخفى على كل عالم. ومن دون ابن عبدالبر من المتعصبة. وابن عبدالبر ليس مثلهم، بل ابن عبدالبر هو أميل إلى أهل الحديث. ومع ذلك معلوم ما وقع بين متعصبة الحنفية من أشد الناس إسقاطا لقول ابن حزم، وعدم الاعتبار به. بل قال بعضهم: خلاف ابن حزم لا يخدش الإجماع. وخلاف الظاهرية لا يخدش الإجماع. وناقشهم شيخ الإسلام النووي رحمه الله بهذا. وأن قوله، وأمثاله من الظاهرية، أولى من قول أهل الرأي. فالشاهد من هذا: خلصا من هذا الفصل بهذا المعنى أن الإجماع الذي قاله شيخ الإسلام هو بالمعنى. ثم بيّن رحمه الله أن أكثر ما ادعاه عليه، ليس هو لفظ شيخ الإسلام، وإنما هو معنى شيخ الإسلام. وهذه مسألة أخرى مأخوذة من هذا الفصل. ثم ذكر أحاديث وآثارا، وكلها صحيحة. منها ما هو صحيح بنفسه، ومنها ما هو صحيح بغيره. فأحاديث سعيد له طرق، وجاء عن عدد من الصحابة، وأصله في الصحيحين. وهكذا كذلك الآثار التي رواها عن مالك، وقصة أبي هريرة، كلها صحيحة. إلى هنا إن شاء الله.