الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 45، الدرس الخامس والأربعون : (وأما قوله ومن يقتل مؤمناً متعمداً ... وهي شدة الكراهة والسخط ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة حول صفة المحبة والبغض لله تعالى، ويبين أن صفة البغض لله تعالى مثبتة بأحاديث أخرى في الصحيحين وخارجهما. يؤكد أن انفرد مسلم برواية لفظة البغض لا يعني ضعف الحديث.
يفسر الآيات القرآنية التي تتحدث عن القتل العمد وخلود مرتكبيه في النار، ويوضح معنى الخلود في هذا السياق، ويفرق بينه وبين التأبيد. يبين أن المراد بالخلود هو طول المكث وليس التأبيد الأبدي.
يناقش آراء العلماء حول خلود القاتل عمدا في النار وتوبته، ويستدل على أن القاتل عمدا له توبة وأن الخلود في النار لا يعني التأبيد. يستند إلى أدلة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وتفسير ابن عباس لقول الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم. قبل الابتداء بالدرس، نبه بعض الإخوان على حديث مرة معنا قبل، وهو حديث أبي هريرة: «إن الله إذا أحب عبدا قال لجبريل عليه السلام... إلى آخره»، وفيه: «وإذا أبغضه فمثل ذلك». قال: رواه الشيخان. فنبه أن بعض المعلقين قال: إن هذا لفظ مسلم، وأن هذه اللفظة ليست صحيحة. إن فرد بها مسلم، وهي ليست صحيحة. فجوابا على هذا، أنبه بأمور في هذا المقام. الأمر الأول: لم يخف علي هذا التنبيه، وقد علمت به، لكن أريد أن ننبه إلى أن من اصطلاح أهل العلم، أولا، فيما إذا قالوا: رواه الشيخان، ما لا يستلزم رواية نفس اللفظ في الصحيحين، وإنما مرادهم رواية أصل الحديث. فكون أن لفظة ليست موجودة في الصحيحين، وأصل الحديث في الصحيحين، لا ينافي أن يقال: رواه الشيخان. لكن من الكمال، لا شك أن يقال: هذه اللفظة ليست في الصحيحين، بل انفرد بها مسلم. وهذا لا ينافي أن يكون الحديث في الصحيحين. بخلاف لو قال: متفق عليه، فإنه في اصطلاح أهل العلم أن هذا اللفظ يطلق على ما اتفق على لفظه ومعناه في الغالب. مع أنه عند بعض أهل العلم ليس بلازم. فإذا كان كذلك، فلا مشاحة في الاصطلاح، ولا إنكار على المؤلف إذا قال: رواه الشيخان، وأصل الحديث في الصحيحين. الأمر الثاني: وهو أن كون أن الإمام مسلم رحمه الله انفرد بهذه اللفظة، لا يعني ذلك أن الحديث ضعيف. فليس كل من فرد به مسلم، ولم يخرجه البخاري، فهو ضعيف. لأن البخاري ترك بعض الألفاظ والأحاديث لضعفها، وترك البعض الآخر لا لضعف، لكنها ليست على شرطه. ولكنها ليست على شرطه. فكم من حديث يحسنه ويصححه، ولم يدخله في صحيحه. فلو تتبعت، على سبيل المثال، ما ذكره الإمام الترمذي رحمه الله في سننه، وما يسأل به شيخه الإمام البخاري رحمه الله عن أحاديث، فيقول: سألت أبا عبد الله عن هذا الحديث، يقول: هذا حديث صحيح. وأحيانا يقول: هذا حديث حسن. وهذا يدل على أنه يصحح أحاديث خارج الصحيح. فإذا ليس كل صحيح أخرجه في الصحيح، حتى يستلزم أن ما لم يخرجه فهو ضعيف. ومما يؤكد ذلك أن الإمام البخاري رحمه الله ترك رواية بعض الرواة لكونهم ليسوا على شرط صحيحه، لأنه اشترط شرطا فيه شيء من الشدة في الرجال، في أوصافهم، في رواياتهم، ونحو ذلك. فلذلك ترك رجالا لم يخرج لهم، وأخرج لهم الإمام مسلم. فلا يعني أن البخاري إذ ترك هؤلاء، أن جميع حديث هؤلاء ضعيف، لا. بل حديث هؤلاء صحيح، بل بعضه أصح مما في صحيح البخاري، كما نبه على ذلك الحفاظ. ومقام ذكر ذلك في غير هذا الموضع، وذلك في الكلام على شروط أهل الصحيح، والتمييز بين صحيح البخاري ومسلم. فعلى سبيل المثال، هذا الحديث رواه الإمام مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. وانفرد بهذه اللفظة من هذا الطريق، أي بزيادة لفظة البغض: «وإذا أبغض عبدا... إلى آخره». هذه الرواية لم يخرج لها أصلا الإمام البخاري، فهي ليست على شرطه، وليس معناه أن هذه الرواية ضعيفة، كون أن الإمام مسلم انفرد بها. فأرجو أن ننتبه لمثل هذه الدقائق، حتى لا نتعسف الأحكام، ونحكم على الأحاديث الصحيحة بالضعف. وكذلك يتبع ذلك ما يتبع من ربما طعن في عالم، وطعن في كتاب، وربما كذلك تغيير حكم. فكيف إذا ضيف إلى ذلك أن هذه اللفظة روي معناها عن عدد من الصحابة، كما أشار المعلق المذكور؟ فقد رويت من حديث أبي أمامة، رواه الإمام أحمد من طريق شريك، وهو ابن عبد الله القاضي. وصحيح أن شريك فيه ضعف، لكن هل ضعفه يوجب عدم الاستشهاد بروايته؟ الجواب: لا. فكيف وقد وجد معناها من رواية الإمام مسلم في صحيحه؟ وهكذا ما روي من حديث ثوبان. فينبغي أن ننتبه لهذا المعنى. فالإمام مسلم رحمه الله ينتقي من أحاديث الثقات ما هو أصح ما يروى عنهم. فلذلك أخرج حديث سهيل بن أبي صالح، وأصح ما روي من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فننتبه لهذا المعنى. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن هذا المعنى أيدته أحاديث أخرى، وهو إثبات صفة البغض لله عز وجل؟ فقد جاء في حديث عائشة في الصحيحين: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم». وحديث ابن عباس: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب أو طالب دم امرئ بغير حق». ونحو ذلك من الأحاديث التي وردت بهذا المعنى، وبعضها في الصحيحين، وبعضها خارج الصحيحين، في إثبات هذه الصفة. فينبغي أن ننتبه لمثل هذه المسائل، وأن يكون منهج طالب العلم هو الهدوء والسكون والتأني في الأحكام، تأني في الأحكام، حتى لا يتعسف، شيء يكون عاقبته يعني الإضرار بمنهجه العلمي، وربما كذلك ببعض المسائل التي ربما تضر. الآن، الذي ينظر إلى هذا التعليق، قد يظن أنه لا يصح الاستدلال بهذا الحديث، وإذن كما ظن السائل: لا يثبت لله صفة البغض. وهل هذا صحيح؟ هل إذا على أسوأ الأحوال ضعف الحديث، هل معناه أنه لا يثبت لله صفة البغض؟ وهذا من تقصير المعلق. فالمعلق لو أنه أراد أن الحديث ضعيف، طيب نبه أن الصفة ثبتت بأحاديث أخرى، حتى لا يظن طالب علم صغير مبتدئ أن هذا معناه أن الصفة غير ثابتة، أن هذه الصفة غير ثابتة. وهذا ليس مقصود، لا شك، من المعلق، وهو كذلك ليس بصحيح بالنسبة لمن فهم هذا الفهم. طيب، نرجع إلى ما وصلنا إليه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله سبحانه: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ هنا. طيب، قال: وَأَمَّا قَوْلُهُ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا الآية، فقد احترز بقوله: مؤمنا، عن قتل الكافر، وبقوله: متعمدا، أي قاصدا لذلك، بأن يقصد من يعلمه آدميا معصوما، فيقتله بما يغلب على الظن موته به، عن القتل الخطأ. قوله: احترز بقوله: مؤمنا، عن قتل الكافر، يريد أن الكافر لا يدخل في هذا الحكم، وهذا الوعيد الشديد، حتى ولو كان الكافر على القول الصحيح ممن هو محترم الدم، كالمعاهد والمستأمن أو الذمي. فإن هؤلاء وإن كان في قتلهم حرمة، ووعيد شديد، وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام من الاعتداء على هؤلاء، وأن من اعتدى على هؤلاء لم يشم رائحة الجنة، كما صحت بذلك الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام. لكن وعيد قتل المؤمن أشد من وعيد قتل هؤلاء، لأن الله عز وجل يغضب عليه، ويلعنهم. فقوله: مؤمنا، عن قتل الكافر. وقوله: متعمدا، أي قاصدا لذلك. ويريد بالقاصد: يخرج بذلك من ليس عنده قصد، مثل فعل الصبي والمجنون والمخطئ، لأنهم ليس عندهم قصد. فهؤلاء كلهم لا يدخل فيهم هذا الوعيد الشديد الذي ورد في الآية. وقوله: بأن يقصد من يعلمه آدميا معصوما، كأن يقصد الفعل، ولا يقصد وقوعه على هذا الإنسان بعينه، كالمخطئ. يريد أن يصيب الصيد، فيصيب الإنسان المسلم، أو يريد أن يقتل الكافر، فيقتل المسلم. وقوله: آدميا معصوما، هنا نرجع لما سبق: أن حرمة دم الإنسان تكمن في كونه مسلما، أو كذلك معاهدا، أو ذميا، أو مستأمنا. فهؤلاء هم الذين حرمت دماؤهم، ولكن تتفاوت هذه الحرمة. حرمة دم المسلم، ليس كحرمة دم المعاهد والمستأمن والذمي، كما سبق. وقوله: فيقتله بما يغلب على الظن موته به، يريد أنه قد يقتله، ولا يريد القتل، كالقتل الخطأ، أو شبه العمد، كأن يضرب بما لا يقتل غالبا، كالضارب باليد، فيموت، أو الضارب بالعصا الصغيرة، فيموت. يموت المضروب بغير قصد القتل، فهذا يسمى شبه عمد، أو إذا كان على وجه الخطأ، خطأ. ومثل ذلك لا يكون فيه هذا الوعيد الشديد، وإن كان فيه الدية، أو كان فيه شيء من الأحكام الأخرى. قال: وقوله: خالدا فيها، أي مقيما على جهة التأبيد. وقيل: الخلود المكث الطويل. وقد اختلف أهل العلم في المراد بالخلود، كما ذكر رحمه الله. قيل: إنه مقيم على جهة التأبيد، وهذا القول ضعيف، ليس له مستند، لا من الشرع، ولا من اللغة، ولا يعلم له قائل عن أحد من أهل العلم المعتبرين، لا من سلف الأمة، ولا من أحد من الأئمة المعتبرين، في شيء صحيح صريح منقول عنهم: بأن قتل الخطأ يوجب التأبيد في النار. فهذا لا يقوله أحد، ولا نقل عن أحد من المعتبرين. وسيأتي إن شاء الله الكلام في ذلك. وأما القول الثاني: أن الخلود طول المكث، فهذا هو الذي دل عليه دليل الشرع، وهو كذلك في اللغة. فإن الخلود هو طول المكث. ويدل عليه لفظ هذا الفعل: الخاء واللام والدال، فإنه يدل على معنى طول المكث، ولا يدل على معنى التأبيد. ولذلك تجد أن لفظة التأبيد تقع في حق الكافرين: خالدين فيها أبدا. دل ذلك على أن حكم الخلود غير حكم التأبيد. ولهذا لم يأتي في شيء من الذنوب التي هي في حق المؤمنين ذكر التأبيد، وإنما ذكر معنى الخلود فيما هو من كبائر الذنوب، كالقتل في هذا الحديث، في هذه الآية. فدل ذلك على أن المقصود به قول المكث لشدة الوعيد في هذا الفعل، وهذه الكبيرة، وهذه المعصية. وهذا هو الصواب. قال رحمه الله: واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، يعني الذي ورد في الآية: واللعين والملعون، من حقت عليه اللعنة، أو دعي عليه بها. والمعنى: أنه طرد من رحمة الله، بمعنى أنه ابتعدت عنه أسباب الرحمة في الدنيا، وهكذا كذلك في الآخرة. أما في الدنيا: لأنه بسفكه الدم المحرم، فتح على نفسه باب سوء عظيم. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، من حديث ابن عمر، في البخاري وغيره: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يسبك دما حراما». ومعنى أنه إذا لم يسبك الدم الحرام، فهو في فسحة، مهما عمل من الذنوب والمعاصي، ما خل الشرك والكفر والنفاق، فإنه في فسحة. إلا قتل النفس، فإنه ليس له فسحة، يضيق عليه. وفسره العلماء بأحد التفسيرين: أن صاحبه يصاب بالقنوط. قاتل النفس، من شدة ما فعل، يصاب بالقنوط واليأس من رحمة الله، فربما أوقعه ذلك في ذنوب أعظم منها، وأكبر. كما جاء في حديث أبي سعيد وغيره، في قصة الرجل الذي قتل تسعا وتسعين نفسا، فإنه أصيب بالإحباط واليأس، حتى جاء، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على عابد، فقال: هل لي من توبة؟ قال له: لا. ماذا كانت ثمرة تلك المعاصي؟ كمل بهذا العابد المئة. كمل به المئة. وهذا مصداق قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يسفك دما حراما». وفسر التفسير الآخر: أن صاحبه يصاب بأثر هذا العمل، وهو قتل النفس، إما أن يبتلى باليأس والقنوط، وإما أن يمني نفسه بكثرة الرجاء، ما يجعله يستمر في ذنوبه، مما يوقعه في بحور عظيمة من الذنوب العظام. وكل الأمرين ضار به. قال رحمه الله تعالى: وقد استشكل العلماء هذه الآيات، من حيث أنها تدل على أن القاتل عمدا لا توبة له، وأنه مخلد في النار. وهذا معارض لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وحقيقة أهل الرسوخ في العلم لم يستشكلوا. فإن الراسخين في العلم يردون المتشابه إلى المحكم. هذه الآية، وهذا الموضع من الآية، من المتشابه في القرآن، لأن لفظه يوهم أكثر من معنى. ولكن هل هذا الاشتباه في اللفظ أوجب أن يقع أحد فيه على غير التفسير الصحيح؟ الجواب: لا. لأن الراسخين في العلم لم يختلفوا، ولم يشكوا في أن معنى الآية هو طول المكث، وأن الخلود المراد به هو البقاء الكثير، البقاء الكثير. وأما من لم يرسخ في العلم، فإنه ربما يلتبس عليه الأمر، ربما يلتبس عليه الأمر، ويظن أن فيه معنى الخلود الذي هو التأبيد. وليس الأمر كذلك. ويزداد هذا إذا انضاف إليه ما روي عن بعض الصحابة. وهذا له تنبيه في موضعه. فالمهم: هذا من المشتبه من الآيات. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعني المشتبه منه آيات المحكمات، هن أم الكتاب، وأخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ، فيتبعون ما تشابه منه. فأهل الزيغ، كالوعيدية من الخوارج والمعتزلة، نظروا إلى هذه الآية، فاستدلوا بها على أن قاتل النفس مخلد، تخليد أبدي في النار. وهذا ليس بصحيح. بل هو تحت المشيئة، أولا. وهو وإن دخل النار، ثانيا، كذلك لا بد أن يخرج منها. وهذا وعد الله لأهل التوحيد، وأهل الإيمان، كما صحت لذلك الأحاديث الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه يخرج منها من قال: لا إله إلا الله، يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. وهذا من فضل التوحيد على أهله. قال رحمه الله تعالى: وقد أجابوا عن ذلك بعدة أجوبة. منها: أن هذا الجزاء لمن كان مستحلا قتل المؤمن، عمدا. وقد نقل غير واحد من أهل العلم عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى: تكذيب وتخطئة هذا القول. لأنه كما قال: من استحل كفر، ولو لم يفعل الذي يستحل المعصية، يكفر ولو لم يفعل. كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن القيم في المدارج، وغير واحد من أهل العلم عن الإمام أحمد رحمه الله. فهذا القول ضعيف، ولا يصح. قال: ثانيا: أن هذا هو الجزاء الذي يستحقه، لو جوزي، مع إمكان ألا يجازى، بأن يتوب، أو يعمل صالحا يرجح بعمله السيئ. وهذا قولهم: جزاؤه إن جازاه. يعني أن هذا حقيقة مآله في عمله السيئ الذي عمله، عمله. لكن الله عز وجل يتوب عليه، أو يغفر له، بسبب توحيده، وبسبب عمله الصالح، أو نحو ذلك. وهذا المعنى كذلك ضعيف. لأن مكابته أن أحدا من أهل الإيمان يخلد في النار بعمل هو من المعاصي. وهذا ليس بصحيح. فأدلة الكتاب والسنة تدل على خلاف ذلك. قال: ثالثا: أن الآية واردة مورد التغليظ والزجر. وهذا كذلك فيه ضعف. لأن التغليظ والزجر لا يكون على حساب الأحكام التي تناقض الأصل الثابت في الكتاب والسنة. بل التغليظ والزجر يكون بما لا يعارض الأصول الثابتة في الكتاب والسنة. فهذا القول كذلك ضعيف. قال: رابعا: أن المراد بالخلود المكث الطويل، كما قدمنا. وهذا الرابع هو الصحيح، وهو الذي تقتضيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة. والشرع لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع. فإن من تأمل الأدلة الشرعية من أولها إلى آخرها، لم يجد في موضع واحد أن قاتل النفس يخلد، ويؤبد في النار. ولا يجد في موضع واحد أن قاتل النفس يكون حاله كحال الكافر والمنافق والمشرك. هذا لا يوجد له نظير. بل دلت أدلة الكتاب والسنة على أن قاتل النفس تحت المشيئة، وأن قاتل النفس يتاب عليه، وأن قاتل النفس يسمى مؤمنا، وأن له توبة في الدنيا، وله توبة في الآخرة. قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ سماهم مؤمنين، مع أنه حصل بينهم قتل. بل حتى الفئة الباغية، وهي باغية ومعتدية وظالمة وقاتلة لأنفس ما أخرج الله عز وجل عنها مسمى الإيمان. قال: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ﴾ ماذا قال؟ ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فدل على أن هذه الفئة، مع بغيها، مع ظلمها، لم يخرج عنها مسمى الإيمان. بل أشرك الله عز وجل المسمى بإشراك الضمير بينها وبين الفئة المظلومة. فدل على أن اسم الإيمان لا ينتزع، وأن لهم التوبة. وأدل ذلك كثيرة من الكتاب والسنة. قال رحمه الله: وقد ذهب ابن عباس وجماعة إلى أن القاتل عمدا لا توبة له. حتى قال ابن عباس: إن هذه الآية من آخر ما نزل، ولم ينسخها شيء. وهذا الذي اشتهر ونقل عن عبد الله بن عباس، في الحقيقة، هو ليس صريحا بأن ابن عباس يقول بأن القاتل ليس له توبة، وأن القاتل يخلد بمعنى يؤبد في النار. ليس بصريح عنه. فقد روى الترمذي، والطبراني في الأوسط، بإسناد صحيح، وغيرهما: أن عبد الله بن عباس سئل: هل للقاتل من توبة؟ قيل: يا أبا العباس، هل للقاتل من توبة؟ فقال ابن عباس: متعجب من شأنه، متعجب. يعني قال: ماذا تقول؟ حتى كرر عليه الرجل السؤال ثلاث مرات، أو مرتين. فقال ابن عباس: سمعت نبيكم يقول: «يأتي المقتول متعلق الرأس بأحدى يديه، منكبا على قاتله باليد الأخرى، تشخب أو داجه دما، حتى يأتي به إلى العرش»، يعني إلى تحت العرش. «فيقول المقتول لرب العالمين: هذا قتلني. فيقول الله عز وجل للقاتل: تعست. ويذهب به إلى النار». تعست. ويذهب به إلى النار. هل هذه العبارة فيها ما يدل صريحا على أن ابن عباس يرى الخلود في النار بمعنى التأبيد، أو أن ابن عباس يرى أن القاتل ليس له توبة أبدا؟ أم أنه يخوف من إثم القتل؟ خصوصا وأن ابن عباس أدرك زمنا حصل فيه استشراء في سفك الدماء، في فتن عظيمة مرت به، وبمن معه. ويؤيد ذلك أنه روي عنه ما هو أصرح منه. وهذا من المشتبه من كلام ابن عباس. وهكذا ما ذكر مما ذكره المؤلف: روي كما أشار المعلق في الصحيح: أن هذه الآية من آخر ما نزل، ولم ينسخها شيء. ليس معناه: لم ينسخها شيء، معناه: إثبات التأبيد، أو إثبات عدم التوبة، لا. ولكن معناها: التخويف. التخويف من الوعيد الشديد الذي ورد في هذه الآية. فإن الله عز وجل توعد بثلاثة أشياء، بل أربع: الخلود، وهو طول المكث، واللعن، والغضب، والعذاب. فهذه خصال أربع توعد بها. والمراد: أن هذا الوعيد الشديد باق على ما هو عليه. ومما يؤيده أن عبد الله بن عباس روي عنه رحمه الله تعالى، ورضي الله تعالى عنه القول بأن المقتول له توبة. فقد ذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الأدب المفرد، بإسناده: قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: أنه جاءه رجل، فقال: إني خطبت امرأة، فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري، فأحبت أن تنكحه. قال: فغرت، قال: فقتلتها. فهل لي من توبة؟ هذا الرجل غار، وقعت له الغيرة، لأجل رد المرأة خطبته، وقبولها خطبة رجل آخر، فقتلها. فسأل عبد الله بن عباس: ماذا قال له بن عباس؟ قال: أمك حية؟ قال: لا. قال: تب إلى الله عز وجل، وتقرب إليه ما استطعت. قال عطاء بن يسار: فذهبت، فسألت ابن عباس: لماذا سألته عن حياة أمه؟ قال: إني لا أعلم عملا أقرب إلى الله عز وجل من بر الوالدة. روى هذا الأثر الإمام البخاري رحمه الله في الأدب المفرد، وصححه العلامة الألباني في صحيح الأدب المفرد، وذكره وصححه في الصحيحة، حديث 2799. فهذا يدل على أن ابن عباس ليس ممن يقول: إن القاتل ليس له توبة. ومن باب أولى: ليس يقول بأن القاتل ممن يخلد في النار، ويؤبد بمعنى يؤبد. فهذا ليس بصحيح. ولهذا حمل بعض أهل العلم ما روي عن ابن عباس على هذا المعنى. وهذا هو الصحيح: أن ما روي عنه مراده هو التخويف من إثم القتل. وأن الحديث روي في بعض ألفاظه: أن القاتل يدخل النار. روي في بعض ألفاظه: أن المقتول يدخل القاتل إلى النار. وروي في بعض الألفاظ، كما جاء في لفظ حديث ابن مسعود: أنه يؤتى بالقتيل، ورأسه في يده، وأوداجه تشخب دما، ويقول: «يا رب، سل هذا فيما قتلني». لم يذكر فيه أنه أدخله النار، أو لم يدخله النار. فيحمل: أن بعض القتلى يدخلون من قتلهم النار، وبعض القتلى لا يدخلون من قتلهم النار. وهذا هو الفهم الصحيح الذي تقتضيه الأدلة الشرعية، والذي ورد به هذا الحديث عند جمع طرقه وألفاظه. وورد في حديث جندب، عن رجل من الصحابة، غير مسمى، رواه النسائي بإسناد صحيح، وصححه كذلك الشيخ العلامة الألباني في صحيح الجامع. وحديث ابن مسعود كذلك في صحيح الترغيب، الذي سبق. وليس فيه كذلك ذكر أنه يأخذ بالقاتل إلى النار. فيدل على أن هذا يقع لبعض الناس. أثر ابن عباس بمعنى: أن القاتل لا يوفق للتوبة، بأن القاتل لا يوفق للتوبة غالبا، لأنه إما يتعلق بالرجاء، فيهلك، وإما يصاب بالإحباط واليأس والقنوط، فيهلك. وهذا التفسير كذلك لا يعارض ما سبق. فكثير ممن يقتل النفس يبتلى بمثل ذلك. وهذا من جراء كبيرة، وهذه المظلمة العظيمة التي فعلها. وفسر كذلك ما روي عن ابن عباس بتفسير ثالث: وهو أن حق المقتول لا يغفر، يعني ولو غفر الله له بتوبته، فأين تذهب من حق المقتول؟ لو أن أصحاب الدية سامحوا في الدية، لو أن كتبت، فتاب الله عز وجل عليك، فيبقى عليك حق: حق المقتول. وهو الذي ورد به الحديث، كما سمعنا: أنه يأخذ بالقاتل، فيقول: «يا رب، سل هذا فيما قتلني». على أن الأهل العلم تعليق في هذا المعنى، سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في موضعه. قال رحمه الله: وقد ذهب ابن عباس وجماعة إلى أن القاتل عمدا لا توبة له. حتى قال ابن عباس. وقوله: وجماعة، روي هذا عن زيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وجماعة. فمنهم من لم يصح عنهم هذا المروي، ومنهم من صح، كزيد بن ثابت، وابن مسعود. لكنه غير صريح، لكنه غير صريح في إثبات المعنى الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله. إن كان ابن عباس هو أشد من نقل عنه هذا القول، ومع ذلك كما سمعنا: توجيه ما نقل عنه على هذا المعنى: أن المنقول عنه ليس بصريح أبدا، وأن توجيهه على أحد هذه المعاني الثلاثة المذكورة. فكيف بغير ابن عباس، الذي لم ينقل عنه صراحة ما نقل عن ابن عباس؟ وما نقل عن ابن عباس ليس بصريح. فإذا: الصحيح أنه لم يصح لا عن ابن عباس، ولا عن أحد من الصحابة، بل ولا عن أحد من أهل العلم المعتبرين: القول بخلود قاتل النفس في النار بمعنى التأبيد، أو أنه ليس له توبة. قال رحمه الله: والصحيح أن على القاتل حقوقا ثلاثة: حقا لله، وحقا للورثة، وحقا للقتيل. فحق الله يسقط بالتوبة، ويسقط بالتوبة، للأحاديث الكثيرة: إذا تاب، تاب الله عز وجل عليه، كما أخبر الله عز وجل في سورة الفرقان، وكذلك في مواضع أخرى، وهكذا في حديث أبي سعيد، في قصة الرجل الذي قتل تسعا وتسعين نفسا، في الصحيحين، وغيرها من الأدلة. قال: وحق الورثة يسقط بالاستيثاق في الدنيا، والعفو. الاستيثاق: بعطائهم ما يستحقون من الدية، أو العفو إذا عفو. قال: وأما حق القتيل، فلا يسقط حتى يجتمع بقاتله يوم القيامة، ويأتي رأسه في يده، ويقول: «يا رب، سل هذا فيما قتلني». كما سبق: جاء معناه في حديث ابن عباس، وحديث ابن مسعود، وحديث جندب، عن رجل من الصحابة. وكلها حديث صحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، بقيت هنا مسألة: هل كون حق القتيل لا يسقط، معناه أنه لا يغفر له، وأنه لا يسلم من دخول النار، وأنه يلزم منه دخول النار، وعدم دخول الجنة؟ الجواب: لا، ما يلزم. ولكن حق القتيل لا يسقط، بمعنى أنه يطالب بحقه يوم القيامة. لكن حصول المطالبة لا يلزم منها دخول النار، وعدم دخول الجنة. لأن الله عز وجل قد يغفر لهذا القاتل، لما له من حسنات، ومن توبة صحيحة، فيرضي هذا المقتول بما به يرضى، حتى يدخل المقتول الجنة، ويدخل القاتل الجنة. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليعجب من رجلين يقتل أحدهما الآخر، ثم يدخلان الجنة: يقاتل هذا في سبيل الله، فيُقتل، ثم يتوب الله على هذا الكافر، فيسلم، فيُقتل». تلاهما يدخل الجنة. رجلين أحدهما كافر، والآخر مسلم، والكافر يقتل المسلم، ثم يسلم هذا الكافر، والمسلم والكافر بعد أن أسلم، تلاهما يدخل الجنة. انظر: تلاهما يدخل الجنة، مع أنه قتله في كفر، ليس في إسلام. فكيف بمن قتل في إسلام؟ أليس هو أرجى للتوبة، إن تاب، وصحته توبته؟ فالجواب كما سمعنا: حصول الوعيد، ووقوع المطالبة في حق القتيل، لا يستلزم وقوع المجازاة بدخول النار، أو عدم دخول الجنة. فإما أن يعوض الله عز وجل المقتول بجزاء من عنده، من الجنة، ونعيمها العظيم. وإما أن يكون كذلك للقاتل حسنات، وتوبة صحيحة. وفي كلا الأمرين يكون للقتيل ما به يرضى. وذكر معنى هذين القولين ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآية. قال رحمه الله تعالى: وأما قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ إلى آخره، فالأسف يستعمل بمعنى شدة الحزن، وبمعنى شدة الغضب والسخط، وهو المراد في الآية. والأسف في اللغة غير الغضب، وغير الحزن، لكن هو معنى قريب منه. وإلا فالأصل أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، وهي قاعدة عند أهل العربية. لكن الأسف مثل قول الله عز وجل: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ على لسان يعقوب عليه الصلاة والسلام، فهو من التأسي، ومنه شدة الحزن والغضب، شدة الحزن والغضب والسخط. قال رحمه الله: هو الانتقام، مجازاة بالعقوبة، مأخوذ من النقمة، وهي شدة الكراهية والسخط. وأدلة كثيرة على هذا المعنى: إن من المجرمين منتقمون، والله عزيز ذو انتقام، وغيرها من الأدلة. ولكن هنا ننتبه: أن هذه الصفات التي ثبتت كصفات، تثبت كصفات، ولا يستخرج منها أسماء. فليس من أسماء الله: المنتقم. ولم يصح بذلك حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا كان كذلك، فينبغي أن ننتبه، أولا: أن باب الأسماء والصفات توقيفي. وما روي في هذا المعنى مما رواه الترمذي رحمه الله بحديث الوليد بن مسلم، عن بعض مشايخه، فهو ضعيف، لم يصح. وقد روى ابن ماجة كذلك معنى ذلك، ولكنه من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني، وهو ضعيف. لكن عندنا قاعدة: أن باب الأسماء والصفات توقيفي. فما ثبت إسما، نثبت إسما. وما ثبت صفة، نثبت صفة. وما ثبت صفة، لا نستخرج منه إسما. فليس يستخرج من الصفات أسماء. وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه في موضعه. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.