الدرس في كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 2، الدرس الثاني:من( وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل ... قال أبو عبدالله:يغزو ولا عليه فإن أعانه الله حج ولا نرى بالغزو قبل الحج بأساً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
قتال الدفع واجب إجماعًا دون شروط، ويختلف عن الجهاد الكفائي في الشروط والوجوب. يكون وجوبه عينيًا ولا يشترط فيه شروط مثل البلوغ والعقل والذكورة.
يتناول أهمية التهيئة للغزو ومواجهة الأعداء، ووجوب قيام القاعدين لعذر بتغطية حاجات الغزاة وأسرهم. كما يبين حكم الغزو في شدة البرد وأثره على أداء الصلاة.
يناقش تقديم الجهاد على بعض الواجبات العينية مثل الصلاة والحج، ويبين حكم الغزو قبل الحج. يرى الإمام أحمد أنه لا بأس بالغزو قبل الحج إذا احتاج الناس إليه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل، ودفع الصائل عن الحرمة والدين واجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم. فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده، وهو يشير بهذا رحمه الله إلى ما تقدم معنا من مسائل، فتلك المسائل في حق الجهاد الذي ليس هو من قتال الدفع، فما كان كذلك -أي الأول- فهو من الفروض الكفائية التي تدخل وتصح فيها التفاصيل التي مرت معنا في المسائل السابقة. وأما ما كان من هذا النوع من قتال الدفع فهو من الواجبات العينية التي لا يصح تنزيل المسائل السابقة على هذا الوصف، وهذا المعنى من أنواع القتال والجهاد، وليس هذا حصرًا، ولكن يلحق به -كما تقدم- سائر المعاني الأخرى التي يكون فيها الجهاد جهادًا عينيًا، ومن ذلك ما يذكر لنا مثالًا، إذا حاصر -مثلا- نعم، إذا كان في أرض المعركة، كذلك إذا استنفر الإمام أو عين أحدًا، فهذه المواضع العينية لا يلحقها الأحكام التي سبقت. وقوله رحمه الله: «فلا يشترط له شرط» يعني في هذا القتال، فالشروط المذكورة في القتال إنما هي في حق الفرض الكفائي لا الفرض العيني، فذكروا -مثلا- في الفرض الكفائي أن يكون بالغًا، وأن يكون عاقلًا، وأن يكون ذكرًا، هذه من الشروط من شروط القتال والجهاد، لكن هذا لا يتصور في قتال الدفع، وفي القتال الذي يكون وجوبه وجوبًا عينيًا، بل الصغير يشارك، ولا نقول: يؤذن فقط، وإنما يؤمر، حتى الصغير الذي يستطيع القتال يؤمر بالقتال حتى يدفع الحرمة والدين، فإن ذلك واجب بإجماع المسلمين، كما أشار رحمه الله. قال رحمه الله: «والجهاد منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب والدعوة والحج والبيان والرأي والتدبير والصناعة، فيجب بغاية ما يمكنه»، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فقول سبحانه: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ عام، وقوله: ﴿مِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ خاص، لا يراد به تخصيص العام، ولكن ذكر أهم أفراده، فذكر الخاص بعد العام لا يخصصه، ولكنه يشير إلى أهم أفراده، فمن أهم أفراد هذا العام الرمي والركوب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في السنة: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي»، وفي الآية: ﴿مِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾، فدل على أن المركوب والرمي من أعظم ما يعد ويحرص على التهيئ له، ولا يعني إهمال الآخر، بل كل ما يكون به مواجهة الأعداء مطلوب، كما ذكر رحمه الله: الدعوة والحجة والبيان والرأي والتدبير والصناعة، فيجب بغاية ما يمكن. قال: «ويجب على القعدة لعذر أن يخلف الغزاة في أهليهم ومالهم»، وهذه إشارة إلى مسألة اختلف فيها العلماء، وكما مر معنا هذا الكتاب يتناول المسائل الخلافية، هل قعود هؤلاء لأعذارهم أسقط عنهم القتال، فلم يترتب عليه حكم؟ الجواب: لا، بل ترتب عليه حكم، وهو وجوب القعود لتغطية حاجة الأهل والمال، لتغطية حاجة الأهل والمال، فهم يخلفون الغزاة ويسدون حاجتهم. ويتضح هذا بالمثال، فمثلًا لو أن الغزاة خرجوا، فاحتاجت أسرة هذا الغازي في سبيل الله، فلم يقم أهل البلدة بما يجب مع هذه الأسرة، فهنا أثم الجميع؛ لأنهم من فروض الكفايات، ليس هو فضل إخلاف هذا الغازي في أهله وماله، ليس فضلًا، بل هذا ماذا؟ هذا واجب، هذا واجب. فعلى ولي الأمر أن يرتب تغطية حاجة الغزاة بعد خروجهم، فإن كان لهذا الغازي مزرعة تموت بتركها، يوكل من يقوم بماذا؟ بسقها، وإن كانت له أسرة تحتاج من يقوم بخدمتهم، وكل من يقوم بخدمتهم، وغير ذلك، وهذا ليس على وجه التفضل، بل على وجه الوجوب، وهو الصحيح كما ذكر رحمه الله. قال رحمه الله: قال المرودي: سئل أبو عبد الله -يعني الإمام أحمد رحمه الله- عن الغزو في شدة البرد، في مثل الكانونين، والمراد في الكانونين: كانون الأول وكانون الثاني، وهو الذي وافق شهر ديسمبر ويناير بالأشهر الميلادية، وخص هذه الأشهر ولم يذكر العربية؛ لأن الأشهر العربية لا يثبت فيها -لا تثبت فيها- الفصول، فالفصول تتنوع، فقد يأتي الشتاء في محرم، وبعد خمسة عشر سنة يتكرر، يأتي مرة أخرى في محرم. وأما الأشهر الميلادية والقبطية فإنها تثبت -أي تثبت- الفصول فيها، فلهذا خصت تسمية هذين الشهرين وسماهما دون غيرهما؛ لأنه كان قد اشتهر في ذاك الزمان. قال: «فيتخوف الرجل إن خرج في ذلك الوقت أن يفرط في الصلاة»، فترى له أن يغزو أو يقعد؟ يعني إذا كان غير متعود للبرد، خصوصًا إذا ذهب إلى البلاد شديدة البرد، فيخاف أن يفرط في الصلاة من جهة الطهارة؛ فإنه ربما كل يوم يصلي بتيمم، وكذلك من جهة شدة البرد ربما يضطر أن يجمع بين الصلاتين ونحو ذلك. قال: «لا يقعد، الغزو خير له وأفضل» يعني ولو مع أخذي الرخصة، وفي هذا إشارة منه رحمه الله إلى أن الأعذار المبيحة للقعود هي الأعذار التي يكون منها عدم حصول المقصود من خروج هذا الخارج، يعني لا يستطيع أن يقاتل، أما إذا حصل له شيء من النقص في دينه، فإنه أمام المصلحة العظيمة المقصودة من الجهاد، لا ضير في ذاك النقص، لا ضير في ذاك النقص. قال رحمه الله: «فقد أمر الإمام بالخروج مع خشية تضيع الفرض؛ لأن هذا مشكوك فيه، أو لأنه إذا أخر الصلاة بعض الأوقات عن وقتها، كان ما يحصل له من فضل الغزو مربيًا على ما فاته» يعني أعلى، أعلى مصلحة، وفي التخلف عنه أشد مفسدة، فمعنى مربي: أي يفوق ويعلو. قال: «وكثيرًا ما يكون ثواب بعض المستحبات أو واجبات الكفاية أعظم من ثواب واجب، كما لو تصدق بألف درهم وزكى بدرهم؛ لأنه هنا يشكل على بعض الناس، ولهذا ذكرت في المسائل الخلافية، يشكل على بعض الناس أن الجهاد النوع الأول منه -كما تقدم معنا- هو فرض ماذا؟ كفائي، والصلاة فرض ماذا؟ عيني، والطهارة فرض عيني، فقد يقول بعض الناس: نقدم الفرض العيني على الفرض الكفائي، فذاك كفائي وهذا عيني. والصواب أنه لو قيل كذلك لا حصلت مفسدة؛ لأن الجميع يخاف من هذه المفسدة ويحب أن يكمل الواجب العيني، لكن في الحقيقة هذا الواجب العيني ما يلحقه من نقص لا يسقطه ولا يبطله، لا يسقطه ولا يبطله، وإنما قد ينقصه، والنقص الذي قد يحصل نقص مأذون فيه بالشرع، مأذون فيه، فما دام مأذونًا فيه فلا وجه للتعارض، ولا وجه للتعارض من كل الأوجه؛ لأنه لو جمع الصلاة سيجمع برخصة، ولو ترك الطهارة وانتقل بالماء وانتقل إلى التيمم فهو كذلك ماذا؟ في رخصة، ولو كذلك حصل له شيء من المشقة والشدة فهو مأجور عليها. قال رحمه الله: قال ابن بختان: سألت أبا عبد الله عن الرجل يغزو قبل الحج، قال: نعم، إلا أنه بعد الحج أجود، إلا أنه بعد الحج أجود، وهذا يتوجه إذا كان وقت الحج لم يرد، أو كان ليس عنده نفقة الحج، ولا يجد من يعينه على الحج، ويجد من يعينه على الجهاد، أو ثالثًا أن يكون الجهاد على الوجه العيني، فهنا لا شك يقدم على الحج، فهذه الأوجه الثلاثة يمكن وضعها في هذا الموضع، فيكون به توجيه هذا التقديم، والله أعلم. قال رحمه الله: وسئل أيضًا عن رجل قد ما يريد الغزو ولم يحج، فنزل على قوم فثبطوه عن الغزو، وقالوا: إنك لم تحج تريد أن تغزو، قال عبو عبد الله: «يغزو ولا عليه، فإن عانه الله حج»، ولا نرى بالغزو قبل الحج بأسًا، وهذا كما تقدم يوجه بما تقدم، ويحتمل أن الإمام أحمد رحمه الله يرى -إما لقضية عين أو لغيرها- أن الحج ماذا؟ ليس يقدم على الجهاد لحاجة الناس إلى ذلك، لحاجة الناس إلى ذلك. طيب نقف لهنا، والله تعالى أعلم.