الدرس في كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 4، الدرس الرابع:من( ولا يستعان بأهل الذمة في عمالة ولا كتابة ... أن لا يستعمل من أهل الردة أحد وإن عاد إلى الإسلام لما يخاف من فساد نياتهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع مفهوم أهل الذمة وأحكامهم، ويوضح الفرق بينهم وبين أهل العهد والمستأمن. عقد الذمة يكون بدفع الجزية ويستلزم أحكاما معينة.
لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في الوظائف الحكومية مثل الكتابة والعمالة لأن ذلك يخالف عقد الذمة ويترتب عليه مفاسد. نهى الإمام أحمد عن ذلك حتى في حق الخوارج.
يناقش المقطع أحكام أهل الذمة والمرتدين بعد توبتهم، ويشير إلى شرط قبول توبتهم بعد فترة تظهر فيها صدق توبتهم. يحذر من أهل البدع بعد توبتهم لأنها قد لا تكون صادقة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيما نقل عنه في الاختيارات: «قال: ولا يستعان بأهل الذمة في عمالة ولا كتابة؛ لأنه يلزم منه مفاسد أو يفضي إليها». ومعناه الإشارة إلى شيء من أحكام أهل الذمة مما وقع فيه الخلاف، فأشار إلى الراجح في تلك المسائل. أهل الذمة هم الذين يقع معهم العهد والأمان والضمان، وهذا معنى الذمة، ولا يكون ذلك إلا مع الإمام أو من ينوبه، وهو جنس من ثلاثة أجناس من الكفار لهم حرمة في دين الإسلام، وهم الذمي والمعاهد والمستأمن. فأما عقد الذمة والعهد فإنه للإمام أو من ينيبه الإمام، وأما الأمان فإنه لكل مسلم لأي فرد من أفراد المسلمين، وهذا من الفروق بين هؤلاء الثلاثة. فإذا وقع عقد الذمة، وذلك بدفع الجزية، فإنه يستلزم أحكاما. والفرق بين أهل الذمة وأهل العهد أن أهل العهد عهدهم مؤقت، وأهل الذمة عهدهم أطول وباقٍ ما بقي دفعهم للجزية وبقاؤهم بين أهل الإسلام. والأصل في ذلك قول الله عز وجل: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. فأخذوا الجزية من الكفار جائز في مقابل بقائهم على كفرهم، لكن أن يلتزموا بأحكام الملة، يلتزموا بأحكام الملة، فتقام عليهم الحدود فيما يرون تحريمه، ولا يظهرون الفساد والشر فيما ينافي دين الإسلام، ويكون ذلك ببدل المال وهي الجزية، وأن يكون لهم الصغار. ومعنى الصغار: أي لا تكون لهم معاني الرفعة. ولذلك نبه الشيخ رحمه الله هنا أنه لا ينبغي أن يستعان بأهل الذمة في عمالة ولا كتابة؛ لأنه يلزم منه مفاسد، أولها أنه مخالف لعقد الذمة، فعقد الذمة يكون فيه صغار، وهذا الذي سيكون من العمال والكتاب ستكون له ولاية على المسلمين، وهذا ليس من معنى عهد الذمة. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، فلذلك لا يجوز هذا مع ما فيه من مفاسد أخرى. فإن ولاية الكافر قد يحصل فيها شيء من الفساد والإفساد، وكما قيل: «ليس بعد الكفر ذنب»، فإذا وقع الكفر لا يؤمن أن يقع منه شيء أعظم أو شيء عظيم؛ فإن الكفر أعظم ذنب. وقوله: «لأنه يلزم منه مفاسد» يعني متحققة، أو «يفضي إليها» أي مفاسد قد تفضي إليها ولو لم تكن متحققة؛ لأن هذا هو الوصف الغالب في حق الكفار. قال: «وسئل أحمد في رواية أبي طالب عن مثل الخراج». وعندي إشارة في نسخة: «مثل الخوارج». فإن كان الخراج فهو معنى سيأتي إن شاء الله التنبيه عليه مما يؤخذ من أرض الكفار. وإن أراد الخوارج -يعني الذين هم من أهل البدع- فقال: «لا يستعان بهم في شيء». والمعنى يحتمل أمرين اثنين. إن كان الخراج يعني لا يستعان بأهل الذمة في أعمال الخراج لا بجمع الأموال ولا حفظها ولا تسجيلها ولا كتابتها ولا شيء من ذلك؛ لما تقدم إنه يلزم منه مفاسد ويفضي كذلك إلى مفاسد. وإن كان الخوارج معناه أن الإمام أحمد ذكر ذلك في حق الخوارج، وهم من أهل البدع، وعلى الراجح أنهم على الإسلام، فكيف بالكافر؟ فمن باب أولى ألا يستعان به. قال: «ومن تولى منهم ديوانا للمسلمين انتقض عهده، ومن ظهر منه أذى للمسلمين أو سعى في فسادهم لم يجز استعماله». ومعناه أنه بهذا خالف عقد وعهد أهل الذمة كما قرر من فعل الصحابة ومن بعدهم؛ فإنه لا يجوز لأهل الذمة أن تكون لهم الرفعة والسلطة، فضلا أن يتسلطوا على المسلمين. فالتسلط إذا كان بغير إذن ينقض العهد، وإذا كان بإذن فهو خطأ وإثم يجب إزالته. وقوله: «ومن ظهر منه أذى للمسلمين أو سعى في فسادهم» يعني الأذى الذي يكون به نقض العهد؛ لأن الأذى يتفاوت، منه ما لا يسلم منه إنسان، فهذا يكون بالتوبيخ والزجر والنصح، فإن رجع وإلا كان ما يستحق. قال: «لم يجز استعماله» أو «سعى في فسادهم لم يجز استعماله» يعني مثل هذا الإنسان. قال: «لكن إذا تاب ومضت مدة ظهر معها صدق توبته جاز استعماله» يعني إذا احتيج إليه وغيره أولى منه بكل حال -يعني المسلم- فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه عهد ألا يستعمل من أهل الردة أحد، وإن عاد إلى الإسلام لم يخف من فساد نياتهم. وهذا يرجح ويقرب أن المعنى المذكور هنا الخوارج؛ لأن الخوارج هم الذين ينظر هل حصلت منهم توبة وهل حصل منهم إصلاح حتى يستعملوا. وتنزيل أهل الردة على ذلك؛ لأن من الناس من كفر الخوارج، وعلى القول فهم لشدة خطرهم ليسوا محل أمان. ولذلك أورد هذا الأثر عن أبي بكر؛ لأنه فيه إشارة إلى أن من ارتد يخشى أن يكون رجوعه نفاقا، ولأحد المعاني الأخرى فيخاف منه، فلذلك ينظر غيره. وهكذا كذلك أهل البدع الذين تحصل منهم توبة، فإنه يحذر منهم؛ لأن توبته قد تكون غير صادقة، وهذا كثير. والله تعالى أعلم.