كتاب الطهارة 15

كتاب الطهارة 15

الدرس في كتاب الطهارة 15، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح وجوب غسل الوجه واليدين

يشرح الدرس وجوب غسل الوجه واليدين في الوضوء مع تفاصيل غسل اللحية وحدود الوجه واليدين مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُبين أهمية الطهارة في الصلاة.

مسألة مسح الرأس وتفاصيله

يتناول المقطع مسألة مسح الرأس في الوضوء، حيث يشرح اختلاف العلماء حول مسح الكل أو البعض، ويبين كيفية المسح حسب حالة الرأس واستدلالاتهم بالأحاديث النبوية.

تفاصيل مسح الرأس والعمامة

يشرح المقطع كيفية مسح الرأس للرجل والمرأة، ويوضح جواز المسح على العمامة أو القلنسوة عند الحاجة مستدلًا بالأحاديث والآثار عن الصحابة.

حكم اللحية الكثيفة في الوضوء

يتناول حكم اللحية الكثيفة في الوضوء، حيث يبين أنه يكفي إعفاء الظاهر منها إذا كانت كثيفة في الجانبين، ويشرح مبدأ التيسير في تطبيق الأحكام الشرعية عند المشقة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم موقع دار الحديث بالفيوج يقدم درس فضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي العدني حفظه الله في شرح كتاب الطهارة من الدرر المضية شرح الدرر البهية للعلامة الشوكاني رحمه الله. والآن نترككم مع المادة المذكورة، بسم الله والحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: وأما وجوب غسل الوجه فلا خلاف فيه في الجملة، وقد قام عليه الدليل كتابًا وسنة، والمراد بالوجه ما يسمى وجها عند أهل الشرع واللغة. هذا هو الواجب الثالث مما ذكره -رحمه الله- في هذا الموضع في باب صفة الوضوء، أو باب الوضوء. وقوله: فلا خلاف فيه في الجملة، يعني في وجوب غسل الوجه للأمر به في أدلة الكتاب والسنة، كما أشار -رحمه الله- من أدلة الكتاب قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، والشاهد في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. والسنة أحاديث كثيرة، حديث عثمان في الصحيحين، حديث عبد الله بن الزيد، وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي سيأتي بعضها إن شاء الله. وقوله: ما يسمى وجها عند أهل الشرع واللغة، يعني حد الوجه هو ما يسمى وجها، وسمي الوجه وجها لمواجهته، أي واجه به الإنسان غيره. وحده في الشرع كما ثبتت به السنة في وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأحاديث الكثيرة، منها ما تقدم، وغيرها من الأحاديث الأخرى. وهو كذلك في اللغة، من أعلى الجبهة مع منابت الشعر إلى أسفل اللحية طولا، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضًا، فهذا يسمى وجهًا، فيدخل في الوجه اللحية بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو كذلك في اللغة. فإذا هو في الشرع، وفي اللغة ما يواجه الإنسان به هو الوجه، وهو فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في وضوئه. وحد الوجه كذلك كما مر معنا، يدخل فيه كل شعر في الوجه، ومنه شعر الوجنتين، والشعر العنفقة، وهكذا شعر اللحية. وهنا مسألة في اللحية اختلف فيها أهل العلم، ما حد اللحية التي تغسل؟ هل ظاهر اللحية أم الظاهر والباطن؟ في هذا خلاف، وفي المسألة ثلاثة أقوال مشهورة. القول الأول: ظاهر اللحية، وهو قول الجمهور. والقول الثاني: ويروى عن أبي ثور، وجماعة من أهل العراق، وهو ما تحت اللحية، يعني عليه أن يغسل اللحية وما تحتها، ويخللها، فيجب ذلك. والقول الثالث: وهو الصواب -الله أعلم- التفصيل، فيفرق بين اللحية الكثة واللحية الخفيفة، فإذا كانت اللحية كثة، ولا يمكن الوصول إلى بشرة الجلد، فالمشقة تجلب التيسير، فيغسل ظاهر اللحية، وما تيسر من البشرة. فمثلًا بعض اللحى تكون كثيفة في الأسفل، ولكنها رقيقة ليست كثيفة في الجانبين، فيغسل الجانبين إلى أن يصل إلى بشرة الجلد، وما كان في الأسفل ويشق عليه الوصول إلى الجلد، يكفي ظاهر اللحية، ويخلل ما تيسر، فالمشقة تجلب التيسير، وهذا هو فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، جمعًا بين الأدلة، أحاديث عثمان، وغيره من الأحاديث في غسل اللحية. فإذا كانت اللحية خفيفة، وترى البشرة، ويمكن غسل البشرة، فيجب أن يخلل، ويصل إلى البشرة. وإذا كانت كثة، فيعفى، والمشقة تجلب التيسير، جمعًا بين الأدلة. فهذا هو القول الثالث، وهو التفصيل، وهو الذي تجتمع به الأدلة -والله أعلم-. قال -رحمه الله تعالى-: وأما وجوب غسل اليدين، فهو نص القرآن الكريم، والسنة المطهرة، ولا خلاف في ذلك. وإنما وقع الخلاف في وجوب غسل المرفقين معهما. أما غسل اليدين، فكما ذكر بنص الكتاب، آية الوضوء كما تقدم، وهكذا كذلك السنة، حديث عبد الله بن زيد، حديث عثمان في الصحيحين، وغيرها من الأحاديث الأخرى الكثيرة، كحديث علي، وغيره، التي تدل على غسل اليدين. وقوله: ولا خلاف في ذلك، يعني في وجوب غسل اليدين. ثم أشار إلى مسألة وقع فيها الخلاف، وهي غسل المرفقين، قال: وإنما وقع الخلاف في وجوب غسل المرفقين معهما. ومما يدل على وجوب غسلهما جميعًا، حديث جابر عند الدارقطني، والبيهقي، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دار الماء على مرفقيه، ثم قال: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ». وفي إسناده القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ضعيف، والصواب أنه متروك، كما أشار في التعليق، فصار الحديث أشد من أن يقال فيه: ضعيف، فلا يصح الاحتجاج به. قال: وفي صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه توضأ، ثم غسل يديه حتى شرع في العضد، ثم قال: «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَوَضَّأُ». وهذا الحديث بعضهم صححه موقوفًا، من فعل أبي هريرة، ولم يصحح مرفوعًا. وهذا مما انتقد في رواية هذا الحديث، وانفرد به مسلم، وأصل الحديث في الصحيحين، لكن هذه الرواية انفرد بها مسلم، وهو الشروع في غسل اليدين إلى العضد. قالوا: إنما صح موقوفًا عن أبي هريرة، ولم يصح مرفوعًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. ولهذا لا توجد هذه الرواية في صحيح البخاري، وإذا صحت قالوا: هو ظن أبي هريرة، لأنه لم يرو هذا في شيء من الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الكثير في صفة وضوئه -عليه الصلاة والسلام-. والظاهر -والله أعلم- هو الأول، أنه موقوف عن أبي هريرة، ولم يصح مرفوعًا، شدد به بعض الرواة، فذكروه مرفوعًا. قال: وفي رواية للدارقطني، من حديث عثمان، أنه غسل وجهه ويديه، قال: «حَتَّى مَسَّ أَطْرَافَ الْعَضُدَيْنِ». وهذه الرواية كذلك لا تصح، كما أشار في التعليق، أن هذا اللفظ غير محفوظ، والمحفوظ هو ما جاء في الصحيح في غسل اليدين إلى المرفقين، ليس إلى العضدين، فذكر العضدين ليس بمحفوظ. ثم الحديث كذلك فيه انقطاع، لأنه من رواية محمد بن سحاق، وهو مدلس، ولم يصرح بالتحديث، فهذا اللفظ لم يصح كذلك. قال: وأخرج البزار والطبراني من حديث علقمة بن عباد، عن أبيه، مرفوعًا: «ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَسِيلَ الْمَاءُ عَلَى مَرْفَقَيْهِ». قال: وهذا بيان لما في القرآن، فأفاد أن الغاية داخلة فيما قبلها. ويمسأل فيها خلاف عند العلماء من الفقهاء والمحدثين، في مسألة دخول المرفقين في اليدين، وكذلك عند أهل اللغة في دخول المغيّى في المغيّى فيه. والصحيح من أقوال أهل العلم: أن «إلى» تفيد إدخال المغيّى في المغيّى فيه، إذ لا يكتمل إدخال لا يكتمل فعل المغيّ حتى يدخل شيء يسير في المغيّى فيه، والمسألة فيها خلاف. فالجمهور يدخلون المرفقين من اليدين، استدلالا بعموم الآية، واستئناسًا بما ورد في آيات أخرى، فيقولون: «إلى» تفيد معنى «مع»، فهي مثل قول الله عز وجل: ﴿وَيَزِيدَكُمْ قُوَّةً مَعَ قُوَّتِكُمْ﴾. كأنه قال: «فاغسلوا وجوهكم وأيديكم مع المرفقين إلى المرفقين»، بمعنى «مع». وهكذا استأنسوا بحديث أبي هريرة الذي في صحيح مسلم: «غسل يديه حتى شارع في العضد»، ثم قال: «هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَوَضَّأُ». ومر معنا أن حديث أبي هريرة بعض العلماء يرى أنه لم يصح مرفوعًا، وإنما صح موقيًّا، لكن كما تقدم، اللغة تدل على ذلك. واستدل بالآية في قول الله عز وجل: ﴿وَأَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، ولا يصح صيام النهار حتى يدخل في شيء من الليل. ولهذا قال النبي -عليه الصلاة والسلام- في الحديث: «إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا وَأَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ»، أي: هذا وقت إفطار الصائم. ومعناه: أنه لا يقع اليقين بغروب الشمس، وذهاب النهار، إلا بدخول شيء يسير من الليل، فإذا «إلى» تفيد إدخال المغيّى في المغيّى فيه. وهذا هو الصواب -والله أعلم-. ومن أهل العلم من قال: لا يدخل، ولا يجب، يعني معناه: إذا وقفت إلى حد ما قبل المرفق، جاز ذلك. ولا شك أن الصحيح والأحوط هو الأول. أولًا للأدلة الكثيرة الواردة، وكذلك لما ورد من أدلة تدل على غسل المرفقين. قال: وأخرج البزار والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد، عن نبيه، مرفوعًا: «ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَسِيلَ الْمَاءُ عَلَى مَرْفَقَيْهِ». وهذا الحديث كذلك فيه ضعف، كما أشار في التعليق، ففي إسناده قيس بن الربيع الأسدي، وهو شديد الضعف -كما أشار-، فالحديث لا يصح بهذا اللفظ. لكن كما مر معنا: عمومات الأدلة تدل على إدخال المغيّى في المغيّى فيه، وهو الأحوط، للأدلة الكثيرة التي تدل على هذا المعنى. وقد أفاد الإمام ابن القيم -رحمه الله- في «بدائع الفوائد» فائدة في مسألة إدخال المغيّى في المغيّى فيه، وأشار إلى كلام أهل اللغة في هذا، فأفاد -رحمه الله-. قال -رحمه الله تعالى-: وأما وجوب مسح الرأس، فلا خلاف فيه في الجملة، وإنما وقع الخلاف: هل المتعين مسح الكل أم يكفي البعض؟ وجوب مسح الرأس كما قال: لا خلاف فيه بالجملة، أي: أنه واجب، لأن الله عز وجل أمر به، فقال سبحانه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، فأمر بمسح الرأس. وهكذا فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في السنة، كما في الأحاديث الكثيرة، حديث عبد الله بن زيد، وعثمان، وجماعة من الصحابة -رضي الله عنهم أرضاهم- في صفة وضوئه -عليه الصلاة والسلام-. لكن اختلفوا: ما هو المتعين؟ هل مسح الكل أم يكفي البعض؟ فقال بعض أهل العلم: يجب مسح الكل، واستدلوا بحديث عبد الله بن زيد: «أَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ». وذهب بعض أهل العلم: أنه يجزئ البعض، واستدلوا بحديث المغيرة: «مَسَحَ عَلَى النَّاصِيَةِ وَأَكْمَلَ عَلَى الْعِمَامَةِ». والصحيح من أقوال أهل العلم: الجمع بين هذه الأدلة. فإن كان الرأس مكشوفًا، فيجب أن يمسح أكبر قدر ممكن من الرأس، لأن الله عز وجل أمر بمسح الرأس. وإذا كان مستورًا، فيمسح ما تيسر، ويكمل على الباقي، لحديث المغيرة: «فمسح على ناصيته وأكمل على العمامة». فهذان كيفيتان في كيفية مسح الرأس. وهناك كيفية ثالثة، وهي الاكتفاء بالمسح على العمامة، ولو لم يمسح على شيء من الرأس، واستدل على ذلك بحديث ثوبان، وهكذا حديث بلال في صحيح مسلم، وغيره. ففي حديث ثوبان: «الْمَسْحُ عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ». والعصائب: ما يربط على الرأس. ولم يذكر الرأس. وفي حديث بلال: «الْمَسْحُ عَلَى الْمُوقِقَيْنِ وَالْخِمَارِ». فأفاد جواز المسح على العمامة دون الرأس. وفيه فائدة أخرى، وهو أن العمامة أيا كان ربطها، يجوز المسح عليها، خلافًا لقول بعض الفقهاء: أنه لا يجوز المسح على العمامة إلا العمامة المحنكة، يعني المربوط من تحت الحنك. وهذا قول جماعة من الفقهاء. والصواب خلاف ذلك، لماذا؟ لأنه صح عدم هذا الشرط في حديث ثوبان، وفي حديث بلال كذلك: «الْخِمَارُ» هو الذي يربط على الرأس بهذه الطريقة من الأسفل. قال -رحمه الله تعالى-: وقال: قد وقع الخلاف في كونه يدل على مسح الكل أو البعض، والسنة الصحيحة وردت بالبيان، وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات. كما في صحيح مسلم، وغيره، من حديث المغيرة، أنه -صلى الله عليه وسلم- توضأ، «فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ»، يعني: أكمل على العمامة. وبه نعرف أنه إذا أمكن مسح شيء من الناصية، فهذا هو الأفضل، يمسح الناصية، ويكمل على العمامة. والناصية معناه: ما كان من الرأس، لا من الوجه، لا من الوجه، من الرأس. وحد الفاصل بين الرأس والوجه هو موضع منابت الشعر، منتهى الجبهة، ومبتدأ منابت الشعر، هذا هو الفاصل. فإن كان الإنسان ليس عنده شعر، كالأصلع، فمكان الشعر إذا قدر أن هناك شعرًا، يعني... وهذا واضح، حتى لون الجلد يختلف في الموضع الذي يكون من مواضع منبت الشعر والجبهة، فجلدة الجبهة تختلف عن جلدة الرأس، وهذا هو الحد الفاصل. فالرأس هو ما ينبت فيه شعر الرأس، والجبهة ما لا ينبت فيه شعر الرأس، فهذا هو الحد الفاصل بين الوجه والرأس. قال -رحمه الله تعالى-: وأخرج أبو داود من حديث أنس، أنه -صلى الله عليه وسلم-: «أَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدِّمَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ». ولا يخفى أن حديث أبي داود هذا ضعيف، كما أشار في التعليق، فيه أبو معقل مجهول، وهكذا كذلك عبد العزيز بن المسلم. ولكن معناه صحيح، فيغني عن حديث المغيرة الذي تقدم. قال: ولا يخفى أن قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ لا يفيد إيقاع المسح على جميع الرأس، كما في نظائره من الأفعال. نحن: «ضربت رأس زيد»، و«ضربت برأسه»، و«ضربت زيدًا»، و«ضربت يد زيد»، فإنه يوجد المعنى اللغوي في جميع ذلك، بوجوه الضرب على جزء من الأجزاء المذكورة. وهكذا ما في الآية. وليس النزاع في مسمى الرأس لغة، حتى يقال: إنه حقيقة في جميعه، بل النزاع في إيقاع المسح عليه. وعلى فرض الإجمال، فقد بيّنه الشارع تارة بمسح الجميع، وتارة بمسح البعض، بخلاف الوجه، فإنه لم يقتصر على غسل بعضه في حال من الأحوال، بل غسله جميعًا. وكلامه -الصحيح- بالجملة، لكن لا يعني ذلك على الصحيح: أنه يجزئ أن يمسح شعرات معدودة، كون الرأس مكشوفًا، بل ينبغي أن يستوعب أكثر الرأس، أو أكثر ما يستطيع من الرأس. فنحن نأخذ بالسنة جملة وتفصيلا، فما يفتي به بعض الشافعية، أو بالأصح بعض المتأخرين من الشافعية: أنه يجزئ مسح شعرات من الرأس، ولو كان الرأس مكشوفًا، هذا خلاف سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-. ففي حديث عبد الله بن زيد، لم يكتف النبي -صلى الله عليه وسلم- بمسح الرأس بإقبال فقط، بل بالإقبال والإدبار، فأفاد ذلك أمرين اثنين: الأمر الأول: استيعاب ما أمكن من شعر الرأس. وأفاد ثانيًا: استيعاب ظاهر الشعر وباطنه، لأنه لما يبدأ من المقدمة حتى المؤخرة، ثم يرجع من المؤخرة حتى المقدمة، معناه: أنه مسح الشعر الواحدة من الأمام ومن الخلف، من فوق ومن تحت. الشعر إذا مسحته إلى الأسفل، مسحت أعلى، وإذا مسحت من أسفل إلى أعلى، مسحت المخفي من هذا الشعر. وهذا بالنسبة للرجل. أما بالنسبة للمرأة، فكيف تصنع؟ أفتى الإمام أحمد -رحمه الله- أن المرأة يكفي أن تمسح من الأعلى إلى الأسفل، ومن الأسفل إلى نصف الرأس، يعني هكذا ترفع قليلًا، لأنه يشق عليها أن ترجع إلى المكان الذي بدأت منه إذا كان شعرها طويلًا، والمشقة تجلب التيسير. ورويت فيه آثار كذلك، فالمرأة يختلف مسحها عن مسح الرجل، والدليل: وجود آثار، وعمومات الأدلة بأن المشقة تجلب التيسير. أما قول بعض المتأخرين من الشافعية: أنه يكفي أن يمسح بإصبع واحدة بعض الشعرات، مع كون شعر رأسه كله مكشوفًا، فهذا خلاف الصواب، لأنه لم يثبت مثل هذا في فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، هذا أمر. والأمر الآخر: أنه لا يعني ذلك عدم جواز مسح البعض إذا كان الرأس مستورًا، فيجوز أن يمسح على البعض، ويكمل على البقية من عمامته ونحوه. وهل يجوز المسح للقلنسوة، يعني ما نسميه «الكوفية»؟ الصحيح: نعم، لا أحد يخالفه مع الدليل، كل ما غطى الرأس جائز، الدليل: حديث المغيرة «الْعَمَامَةُ»، كيف نستطيع أن ندخل القلنسوة؟ القلنسوة تدخل في «الْعَمَامَةُ»، كل ما غطى الرأس. طيب، يعني أخذنا بالعموم، شيء آخر أصرح، ها أحد عنده شيء؟ ففيه: «مَا يُغَطِّي الرَّأْسَ»، يعني لا تجزئ، فتجزئ أو لا تجزئ؟ لا تجزئ. طيب، بعضها كيف؟ رمية من غير الرام، وبعضها رمية من الرام، ها أحد عنده شيء مع الدليل؟ دليل جيد، حديث ثوبان: «الْمَسْحُ عَلَى الْعَصَائِبِ»، فالعصائب: كل ما يعصب، قليل أو كثير. ويؤيده ثبوت ذلك عن بعض الصحابة، صحة عن بعض الصحابة: «الْمَسْحُ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ»، صحة عن من؟ صحة عن أنس، أنه مسح على القلنسوة. قال الشيخ الخضر: «عَنْ أَنَسٍ، الْحَدِيثُ لَا بَأْسَ بِهِ». وصحة عن أبي موسى، فصحة عن عدد من الصحابة، وذكر هذا الإمام أحمد -رحمه الله-، وأفتى به، وأفتى به -رحمه الله-. فهذا هو الصحيح: أنه يجوز إذا احتاج إلى ذلك، يجوز إذا احتاج إلى ذلك، متى يحتاج إلى ذلك؟ في شدة البرد مثلًا، في شدة البرد، ما أوعدك أنك تبلل كل رأسك، تأخذ قليل من الماء، تمسح على الناصية، وتكمل على القلنسوة، والمشقة تجلب التيسير. ولكن لا شك أن الأفضل: المسح على الرأس، المسح على الرأس. ولكن كما قال الشوكاني -رحمه الله- هنا: هذه الكيفيات الثلاث تدل أن مسح البعض بعض الرأس، والإكمال على البعض الآخر جائز، بدليل وجود هذه الكيفيات الثلاث. ولكن كما قلنا: نأخذ السنة كما ثبت وصحت جملة وتفصيلا. قال -رحمه الله- إلى قوله: «بَلْ غَسَلَهُ جَمِيعًا». إلى هنا -إن شاء الله- نأخذ ولو سؤال واحد، إذا الوقت انتهى، لكن فقط إذا في شيء تنبيه. قال: وكذا يقول: كيف نعرف اللحية الكثة من غيرها الخفيفة؟ ضابط معرفة اللحية الكثة من غيرها: أن يرى الجلد، إن كان الجلد يرى، فهذه خفيفة، وإن كان الجلد -أي جلد الوجه- لا يرى، فهذه كثة. ولذلك ما قلنا: الغالب أن جانبي اللحية لا يكون إلا خفيفًا، هذا الغالب، ولكن بعض الناس يكون كثيفًا حتى في الجانبين، فإذا كانت كثيفة، فيكفي الظاهر، والمشقة تجلب التيسير -والله أعلم-.