كتاب الطهارة 14

كتاب الطهارة 14

الدرس في كتاب الطهارة 14، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وجوب التسمية في الوضوء وآراء العلماء

يناقش وجوب التسمية في الوضوء ويستعرض آراء العلماء حول حديث أبي هريرة. يبين أن الحديث له طرق متعددة ويرتقي إلى درجة الحسن بمجموعها.

حكم البسملة في الوضوء ودليل وجوبها

يتناول حكم البسملة في الوضوء حيث اختلف العلماء بين الوجوب والاستحباب، والراجح أنها واجبة على الذاكر وتسقط بالنسيان. يُستدل على ذلك بالأحاديث والآيات التي تدل على العفو عن السهو.

أحكام المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل

يشرح أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء والغسل لورود أدلة صحيحة تدل على وجوبهما، ويجوز تقديم أحدهما على الآخر وتأخيره. يستحب الاستنثار باليسرى كما ورد في السنة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنه محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: باب الوضوء، أي هذا مدخل في معرفة أحكام الوضوء. والباب لغة: ما يدخل منه ويخرج، والوضوء لغة: ما أخذ من معنى الوضاءة، وهو النقاء. وأما في الشرع: فهو التعبد لله عز وجل بغسل أعضاء مخصوصة على وجه مخصوص، ولا يعرف الوضوء إلا عند أهل الإسلام، وسيأتي معنا وصفه إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: يجب على كل مكلف أن يسمي، ويتمضمض، ويستنشق، ثم يغسل جميع وجهه، ثم يديه مع مرفقيه، ثم يمسح رأسه مع أذنيه، ويجزئ مسح بعضه، والمسح على العمامة، ثم يغسل رجليه مع الكعبين، وله المسح على الخفين، ولا يكون وضوءًا شرعيًا إلا بالنية لاستباحة الصلاة. هذه مجموعة من المسائل سيأتي ذكرها إن شاء الله مسألة مسألة، وهي من مسائل وأحكام الوضوء. قوله: يجب على كل مكلف أن يسمي، هذا هو مذهب الإمام الشوكاني رحمه الله، وسيأتي في الشرح. ولو مكلف يريد به الفقهاء البالغ العاقل، يعني يجب الوضوء على البالغ العاقل. وهذا اللوض لوض كما قال بعض أهل العلم، وأشار وألمح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه أنه لفظ غير شرعي. فلفظ التكليف ولفظ مكلف لا يعرف في نصوص الكتاب والسنة على وجه الإثبات، وإنما ذكر في نصوص الكتاب والسنة على وجه النفي، قال الله عز وجل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. أما أن يثبت لفظ المكلف فلا يوجد في نصوص الكتاب والسنة، وهو من حيث اللفظ كما قلنا لا وجود له في الشرع، ومن حيث المعنى كذلك غير صحيح؛ لأن معناه أن الأحكام الشرعية تكاليف أي كلفة ومشقة، وليس الأمر كذلك. قال رحمه الله تعالى: أقول: أما وجوب التسمية، فوجه ما ورد من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». قال: أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والترمذي في العلل، والدارقطني، وابن السكن، والحاكم، والبيهقي. وليس بإسناده ما يسقطه عن درجة الاعتبار، وله طرق أخرى من حديثه، يعني من حديث أبي هريرة. وأشار في التعليق إلى أن أكثر طرق هذا الحديث فيها ضعف، وعلق بقوله: وليس في إسناده ما يسقطه عن درجة الاعتبار، بقوله: فيه عقوب بن سلم مجهول الحال، هو أبوه مجهول إلى آخر كلامه. وترون في التعليق أشار إلى ضعف أكثر روايات مروية في هذا الحديث، لكن الصحيح أن هذا الحديث يرتقي للحسن بمجموع طرقه وشواهده. وقد صح عن عدد من الأئمة العمل به، بل وتصحيح بعض طرقه. وذكر الترمذي رحمه الله عن شيخه الإمام البخاري محمد بن إسماعيل أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن، أي يشير إلى حديث سعيد بن زيد. ومعناه أن الإمام البخاري رحمه الله يصحح حديث سعيد بن زيد. والإمام أحمد رحمه الله وإن قال وروي عنه أنه ذكر أنه ليس شيء بإسناد جيد في هذا الباب، ومعناه أن فيه ضعف، إلا أنه روي عنه العمل به والفتوى بهذا الحديث، وهي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله. بل الصحيح أنه آخر القولين من قول الإمام أحمد، وهذا يدل أن الإمام أحمد يصحح هذا الحديث. فمعناه أن الحديث أسانيده فيها ضعف، لكن بمجموع طرقه يرتقي إلى الحسن، وهو الصحيح. والذي أذكر أن شيخنا مقبل رحمه الله كان مترددًا فترة، ثم صار يحسن الحديث. فإذا كان أحد من الإخوة يعرف أن الشيخ تراجع عن التحسين فليفدنا. قال: نعم، يعني يقول أخونا الشيخ الخضر: أن الشيخ كان يحتج به، ويقول: لولا ما فيه من الضعف لقلت بالوجوب. مسألة القول بالوجوب وعدمه فيها خلاف سيأتي إن شاء الله. والحديث الصحيح أنه يرتقي إلى الحسن، وكذلك الشيخ الألباني رحمه الله يرى أنه حسن بمجموع طرقه. وهكذا الشيخ عبد الرحمن رحمه الله، بما أعلم أنه كان يحسنه، فلا أدري إذا كان آخر أمره يضعفه، صار يضعفه. أنا أعرف رأيه القديم أنه كان يحسنه، كان يحسن الحديث، ويقول: له طرق كثيرة يرتقي بها للحسن. لكن الإخوان يقولون: في آخر أمره رحمه الله كان يرى ضعف الحديث. وعلى العموم مسألة التصحيح والتضعيف كما تقدم معنا وتكرر، هي مما يسع فيها الخلاف، مما يسع فيها الخلاف بحسب نظر من ينظر في الحديث من عدة اعتبارات. ولهذا تجد أحيانًا العالم الواحد قد يختلف قوله في الحديث الواحد بين حين وآخر. قال رحمه الله تعالى: وله طرق أخرى من حديثه، يعني عن أبي هريرة عند الدارقطني والبيهقي. وأخرج نحوه أحمد وابن ماجة من حديث سعيد بن زيد، ومن حديث أبي سعيد. وكما مر معنا أن الإمام البخاري رحمه الله يرى أصح ما روي في الباب حديث سعيد بن زيد، كما نقله عنه الترمذي رحمه الله. وحديث أبي هريرة كذلك له طرق كثيرة، ولهذا حسنه أي حسن الحديث جماعة من أهل العلم. قالوا: من حديث أبي سعيد، وأخرج آخرون نحوه من حديث عائشة رضي الله عنها، وسهل بن سعد، وأبي سبرة، وأم سبرة، وعلي، وأنس. ولا شك ولا ريب أنها جميعًا تنتهض للاحتجاج بها. هذا وجهة نظر الإمام الشوكاني رحمه الله أنها تنتهض للاحتجاج بمجموع الطرق، ومعناه يرتقي للحسن. قال: بل مجرد الحديث الأول ينتهض، يعني حديث أبي هريرة؛ لأن طرقه كثيرة جدًا. قال: لأنه حسن، فكيف إذا عوضد بهذه الأحاديث الواردة في معناه؟ ولا حاجة للتطويل في تخريجها؛ فالكلام عليها معروف. وأتصرح الحديث بنفي وضوء من لم يذكر اسم الله، وأطال الحافظ ابن حجر في التلخيص طرق الحديث، وحسن الحديث بمجموع طرق، أي حافظ ابن حجر رحمه الله كتابه التلخيص الحبير. قال: فالكلام عليها معروف، وأتصرح الحديث بنفي وضوء من لم يذكر اسم الله، وذلك يفيد الشرطية التي يستلزم عدمها العدم، فضلًا عن الوجوب؛ فإنه أقل ما يستفاد منه. فعلى القول بتصحيح الحديث يبقى ما حكم البسملة؟ اختلف أهل العلم في البسملة في الوضوء، فجمهور أهل العلم يرون أن البسملة سنة، حتى ولو صح الحديث؛ وذلك لأنهم يرون أن حديث البسملة معارضة بأحاديث أخرى كثيرة ليس فيها ذكر البسملة. فقالوا: لو كان ذكرها واجبًا لنص عليه النبي صلى الله عليه وسلم في صفة وضوئه، ولنقل ذلك الصحابة عنه. وكونهم لم ينقلوا ذلك دل ذلك أنه على وجه الاستحباب لا الوجوب. واستأنسوا بعدة أحاديث، وكذلك اعتبارات، وخرجوا بهذا المعنى. وذهب جماعة من أهل العلم إلى الوجوب، استدلالًا من نص الحديث لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». وهذا معناه الوجوب، وهو قول جماعة منهم إسحاق، ورواية عن الإمام أحمد، بل وبعض الشافعية والمالكية، وجماعة من الحنابلة على هذا. ولكنهم يقولون: لا يفيد الشرطية، يعني معناه مع النسيان يسقط. وأما الظاهرية، وشدد فيه ابن حزم رحمه الله، يرون أنه فيه معنى الشرطية، أي لا يسقط حتى بالنسيان. والصحيح الذي تدل عليه الأدلة، جمعًا بين ما ورد في هذا الباب: أنها أي الأدلة تدل على الوجوب لمن ذكر ذلك، ويسقط هذا الوجوب بالنسيان، جمعًا بين الأدلة. أولًا: لأن النص يدل على ذلك. وثانيًا: لأن الشرع فرق بين فعل المأمور وترك المحظور في النسيان. وفرق كذلك الشرع بين الواجب والركن والشرط. فالواجب إذا وقع فيه النسيان يسقط. ولهذا نضائر كثيرة. وقد مر معنا أدلة التفريق بين فعل المأمور وبين ترك المأمور، وفعل المحظور في قاعدة النسيان. قال: أحد يذكر لنا دليل التفريق من باب المذاكرة؟ نعم، الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا لا يضره ذلك. هذا ماذا؟ فعل محظور، أو ترك مأمور؟ فعل محظورًا، فماذا حصل؟ لا يؤاخذ. والمأمور من نام عن صلاتنا ونسيها ووقتها إذا ذكرها أيها فبالإعادة. إذن الذي يترك البسملة يعيد؟ هذا يلزم، صح أو لا؟ البسملة مأمور، أو محظور؟ مأمور. ومع ذلك قلنا قبل قليل أنه لا يعيد. لماذا؟ الدليل. لكن ليس على إطلاقه. هذا كالرجل المسيء في صلاته جهل، وكذلك من نسي. يؤمر بإعادة صلاة من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها إذا ذكرها. لكن الصحيح كما مر قبل قليل أن نفرق بين الواجب والركن والشرط. فما كان من المأمورات من الواجبات يختلف عما كان من المأمورات من الأركان أو الشروط. فما كان ركنًا أو شرطًا إذا نسي لا يسقط به الحكم، بل يجب أن يعاني بخلاف الواجب، بخلاف الواجب. والدليل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حين نسي التشهد الأول، فإنه جبره بسجدتي سهو. واستدل العلماء بهذا أن الواجب يجبر ويسقط عند النسيان، بخلاف الشرط وماذا والركن؟ ولذلك نحن نفرق في البسملة في الوضوء، فنقول: إذا نسي لا شيء عليه. حكم الله. لكن البسملة عند الذبيحة نقول: لا تصح الذبيحة. لماذا؟ لأنها شرط في الذبيحة؛ لأنها في الذبيحة شرط. وأما في الوضوء فماذا؟ ليست شرط، واجب. فمن نسي في الوضوء سقط عنه. وأما في الذبيحة لا تصح، ولا تأكل مما لم يذكر اسم الله عليه. ما أنهر الدم وذكر اسم الله ماذا؟ فكلوا. مفهومه: إذا لم يذكر اسم الله ولو نسيانًا فإننا لا نأكل؛ فإننا لا نأكل. هذا هو الصحيح في هذه المسألة أننا نفرق في المأمورات بين الواجبات وبين الأركان والشروط. فالأركان والشروط لا تسقط بحال في النسيان، بخلاف الواجب فإنه يسقط. وبهذا يزول الإشكال، والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: وعما تقييد الوجوب بالذكر، وهو للجمع بين هذه الأحاديث، وحديث: «من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورًا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورًا لأعضاء وضوئه». أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر. وفي إسناده متروك، ورواه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن مسعود، وفي إسناده أيضًا متروك. ورواه أيضًا الدارقطني والبيهقي من حديث أبي هريرة، وفيه ضعيفان. وهذه الأحاديث لا تنتهض للاستدلال بها، وليس فيها دلالة على المطلوب، وهو كما قال رحمه الله: فهي ضعيفة جدًا لا ترتقي إلى الحسن. ولكن معناها صحيح كما سيأتي. قال: من أن الوجوب ليس إلا على الذاكر. ولكنه يدل على ذلك أحاديث عدم المؤاخذة على السهو والنسيان، وما يفيد ذلك من الكتاب العزيز، يعني يريد الأحاديث التي فيها العفو عن السهو والنسيان، مثل حديث أبي هريرة بالصحيحين فيمن أكل أو شرب وهو ناس، وهكذا كذلك غيره مما هو بمعناه. وقوله: من الكتاب العزيز، يعني ربنا: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. وفي حديث ابن عباس في الصحيح قال: الله عز وجل قد فعلت. قال: فقد اندرجت تلك الأحاديث الضعيفة تحت هذه الأدلة الكلية. ولا يلزم مثل ذلك في الأعضاء القطعية. وبعد هذا كله ففي التقييد بالذكر إشكال. والخلاصة أن يقال في هذا الباب: أنه إذا نسي أو أخطأ فإنه لا شيء عليه؛ لعموم الأدلة الواردة في هذا الباب. إن الله وضعه في رواية: تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه. والحديث الصحيح أنه حسن بمجموع طرقه. وهكذا كذلك عمومات الأدلة من الكتاب والسنة التي تدل على هذا المعنى. وأما مع الذكر فيجب عملًا وامتثالًا بما صحت به السنة، كما مر معنا في الأحاديث التي بمجموع طرقها ترتقي إلى الحسن في هذه المسألة. قال رحمه الله تعالى: وأما وجوب المضمضة والاستنشاق. طيب يبقى سؤال بالنسبة للبسملة، ويكثر السؤال عنه: إذا دخل الإنسان الخلاء كيف يفعل بالبسملة؟ الجواب: إذا دخل الخلاء فإنه يبسمل بحركة شفتيه، ويبتعد عن المكان الذي استنجأ فيه. يعني لا يجعل البسملة في نفس موضع الاستنجاء. والآن تعرفون أكثر بيوت الخلاء أو الحمامات: موضع الاستنجاء في جهة، وموضع الوضوء أي الحوض الذي تتوضأ منه في جهة أخرى. فأنت إذا اتجهت إلى المكان الذي تريد أن تتوضأ منه هو الحوض مثلًا، أو كنت تغتسل فتبتعد عن مكان الاستنجاء، ثم تحرك شفتيك بالبسملة. ويدل عليه ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: حين استنجى، وتنحى من المكان الذي استنجى منه، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل. قال العلماء: ويستأنس بهذا أنه يذكر اسم الله بوضوئه إذا تنحى. ويأتي سؤال آخر، وسيأتي الكلام عليه بموضع إن شاء الله بشكل أوسع. وهو أنه صح عن الصحابة، واستدل بعمومات الأدلة كذلك: أن الغسل يغني عن الوضوء، فكيف يصنع بالبسملة؟ الجواب: الوضوء الكامل هو الذي يسبقه وضوء، والوضوء يحتاج إلى ماذا؟ إلا بسملة. ولكن إذا نسي الوضوء أو لم يتوضأ، واغتسل غسلًا كاملًا: الصحيح أنه يغني عن الوضوء، ولا إشكال في ذلك؛ لأنه يندرج تحت قاعدة: يثبت تبعًا ما لا يثبت ماذا؟ استقلالًا. وهذا له نظائر كثيرة في مسائل عديدة في أبواب الفقه، وتدل عليه نصوص من كتاب وسنة. قال رحمه الله: أما وجوب المضمضة والاستنشاق، ووجهه: أنهما من جملة الوجه الذي ورد القرآن الكريم بغسله. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ما في القرآن بوضوئه المنقول إلينا. ومن جملة ما نقل إلينا المضمضة والاستنشاق، فأفاد ذلك أن الوجه المأمور بغسله من جملته المضمضة والاستنشاق. وقد ورد الأمر بذلك، كما خرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق. والحديث بهذا اللفظ لم يصح مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم كما أشار في التعليق، فهو معلق. ولكن معناه ثبت بأحاديث أخرى كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال: وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ما أن، ثم لينتثر». عندنا ثلاثة أشياء: مضمضة، وهو تحريك الماء في الفم. والقاعدة عند أهل العربية: تكرار المبنى يدل على تكرار المعنى. مض مضى كم مرة تكررت الميم؟ مرتين. كم مرة تكررت الضاد؟ مرتين. فيدل على التكرار. وهذا هو معنى المضمضة: تحريك الماء أكثر من مرة في الفم، سواء بأن تحركه بدون أن تدخل يديك أو إصبعك، أو تحركه بإدخال الإصبع. فكلاهما جائز، وقد صحت فيه الأدلة عن الصحابة، ومعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم: السواك. والثاني: وهو الاستنشاق، وهو إدخال الماء إلى الأنف. فهذا يسمى استنشاقًا. والانتثار هو إخراج الماء من الأنف، فهذه ثلاثة أمور تقع في معنى المضمضة والاستنشاق التي تدخل في غسل الوجه، كما أشار إليه رحمه الله. قال رحمه الله: وثبت عند أهل السنن الصحاح، والترمذي من حديث لقمان بن صبرة: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا». والحديث بمجموع طرقيه كذلك يرتقي إلى الحسن. وبعضهم يصحح سناده مباشرة. قال: وأخرج النسائي من حديث سلمان بن قيس: «إذا توضأت فانتثر». وخرج الترمذي أيضًا، وفي رواية من حديث لقمان بن صبرة مذكور: «إذا توضأت فمضمض». أخرج أبو داود بسناد صحيح. وقد صحح حديث لقمان الترمذي، والنووي، وغيرهما. ولم يأت من أعله بما يقدح فيه. والصحيح أنه حسن. كلاهما الأمر بالمضمضة والاستنشاق. وأما الأمر بالاستنشاق فقد صحت به أحاديث في الصحيحين، لما تقدم في حديث أبي هريرة بقوله: «ثم لينتثر». ولا يحصل الانتثار إلا بالاستنشاق، لا يحصل الانتثار إلا بالاستنشاق. قال رحمه الله تعالى: وقد ذهب إلى وجوب المضمضة والاستنشاق أحمد، وإسحاق، ومن أهل البيت القاسم، والهادي، والمؤيد بالله، وبه قال ابن أبي ليلى، وحمد بن أبي سليمان. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الاستنشاق واجب في الغسل والوضوء، والمضمضة سنة فيهما. قال: حكى هذا المذهب النووي في شرح مسلم عن أبي ثور، وأبي عبيد، وداود الظاهري، وابن المنذر، ورواية عن أحمد. وقد روى غيره مثل ذلك عن أبي حنيفة، والتوري، وزيد بن علي، ووهب مالك، والشافعي، والأوزاعي، والليث، والحسن البصري، والزهري، وربيع، ويحيى بن سعيد، وقتادة، والحكم بن عتبة، ومحمد بن جرير. ومن أهل البيت الناصر إلى أنهما غير واجبتين. واستدلوا على عدم الوجوب بحديث: «عشر من سنن المرسلين»، وهو حديث صحيح. والصحيح أن الحديث ضعيف، لكن يغني عنه: «خمس من الفطرة»، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، فاستدلوا به على عدم الوجوب. قالوا: من جملتها المضمضة والاستنشاق. ورد بأنه لم يرد بلفظ: «عشر من السنن»، بل بلفظ: «عشر من الفطرة»، وهو كذلك بهذا اللفظ لم يصح؛ فهو حديث معل كما أشار في التعليق. قالوا: على فرض وروده بذلك اللفظ، فالمراد بالسنة الطريقة، وهي تعم الواجب، لا ما وقع باستعمال أهل الأصول. وهكذا يجاب عن استدلالهم بحديث ابن عباس بلفظ: «المضمضة والاستنشاق سنة»، أخرجه الدارقطني، وإسناده ضعيف. فالخلاصة: لم يرد شيء صحيح صريح يصرف الوجوب، أو يصرف الأمر بالمضمضة والاستنشاق. وكما سمعنا المسألة وقع فيها خلاف. فمنهم من حمل الأدلة حتى لو صحت على الاستحباب، ومنهم من حملها على الوجوب، ومنهم من فرق فجعل الوجوب في أحدهما لا في كليهما. والصحيح والله أعلم أنه واجب. فالجمهور قالوا: أنه مستحب، واستدلوا بأحاديث منها حديث: «خمس من خصال الفطرة»، وليس فيها المضمضة والاستنشاق، وغير ذلك. والصحيح الوجوب لثلاثة أمور: أولًا: لأن الأدلة جاءت بما يدل على الوجوب، وهي صحيحة. والثاني: أنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من دون مضمضة واستنشاق، بل صح من قوله وفعله الأمر به، وتعليم الناس إياه. وقد أمر الله عز وجل أن نأخذ تطبيق الشريعة بفعله عليه الصلاة والسلام. فالوضوء الشرعي الكامل هو ما فعله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث عثمان وغيره من الأحاديث في صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام. والأمر الثالث: أنه كذلك يدخل في الوجه، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك هذا مع وجوب غسل وجهه عليه الصلاة والسلام. يبقى هو واجب. وقد تقدم معنى أن الواجب يسقط بالنسيان والخطأ. وبهذا يعلم أنه إذا نسي فلا حرج في ذلك؛ لأنه واجب وليس شرطًا أو ركنًا. وهذا هو الصحيح. وبعضهم ذكر مسألة: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم التقديم والتأخير فيها. فهل يحمل هذا على السنية؟ الجواب: لا، هذا يؤكد الوجوب، ولكن فيه إشارة. وسيأتي معنا الكلام عليه إن شاء الله: أنه يجوز في هذا الموضع عدم الترتيب، يعني في المضمضة والاستنشاق أحيانًا يقدم ويؤخر فيها، لا بأس في ذلك كما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا نسي أو كذلك لسبب أو لآخر قدم أو أخر فلا حرج في ذلك، لا حرج في ذلك. ومما ينبه من مسائل المضمضة والاستنشاق والاستنثار: أنه يستحب أن يكون بغرفة واحدة؛ لكيلا يكرر الأمرين، لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث: «ثلاثًا بثلاث غرفات»، يعني يقسم نصف للفم ونصف للأنف. وكذلك أنه يستنثر باليسرى كما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بما جاء في حديث رواه الدارمي وغيره، وهو حديث حسن. طيب نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.