الدرس في كتاب الطهارة 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس ببيان أهمية الوضوء كخاصية تميز الأمة الإسلامية، ويشرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن كتاب الطهارة لشيخ الإسلام ابن تيمية. يُبين أن الوضوء من خصائص المسلمين ولا يعرف عند غيرهم.
يناقش المقطع أحكام الوضوء مشيراً إلى أنه لا يجب إلا في الصلاة، بينما يستحب في غيرها. كما يوضح أهمية النية في الطهارة وعبادات أخرى، ويبين أن النية محلها القلب ولا يجب التلفظ بها.
يتناول حكم الجهر بالنية عند الوضوء ويبين أنه بدعة لم تثبت عن النبي ولا الصحابة. كما يشرح كيفية مسح الرأس في الوضوء، مشيراً إلى أن مسح جميع الرأس هو الأصل إذا لم يكن هناك عذر.
يشرح حكم وجود الموانع على أعضاء الوضوء مثل الأوساخ أو المواد الأخرى. يبين أن الشيء اليسير لا يضر إذا لم يمنع وصول الماء، بينما الشيء الكثير يمنع ويوجب إعادة الوضوء.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب الطهارة من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن مريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السابع. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فقد مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف -رحمه الله- في باب السواك. ومما مر معنا أن السواك يطلق على الفعل وعلى الآلة، ومر معنا كذلك أنه مذكر، وبعضهم قال: مؤنث، ورجح الشيخ -رحمه الله- أنه مذكر. وهنا تنبيه لقولي: «لكن تبيعه ابن السيدة في المحكم». نبه بعض الإخوة وبحثوا فيه، فكان كما نبه، حفِظَهم الله، أن «لكن تبيعه ابن السيدة» معطوف على قول الليث، وليس على قول الزهري، فيكون المؤلف -رحمه الله- يرجح قول التذكير. وما رجحه الأزهري، وإن كان قد قال: «الليث وتبيعه ابن السيدة»، ولكن قوله: «ابن السيدة بالقولين معًا» يعني أنه يأتي هكذا وهكذا. وقد نقل هذا القول عن بعض أهل العلم أنه في «المهدب»، وغير واحد كذلك من أهل العلم. ومر معنا من المسائل كذلك حكم تسريح الشعر في المسجد. والمؤلف -رحمه الله- رجح بشرط ما هو؟ هذا الشرط: أن لا يتساقط، يعني: لا يلوث المسجد. بشرط أن يصان، هذا الشرط: أن يكون معه صيانة للمسجد، يعني: إن سقط شيء أخذه. فإن كان مظنة عدم صيانة المسجد فيمنع، يمنع. وكذلك ذكر من المسائل استعمال الدهن، وكما قلنا: يلحق به الكريم وما كان بمعناه ونحوه. فما هو الراجح بهذا؟ إذا لم يلوث المسجد فلا بأس. وذكر -رحمه الله- كذلك في الصلاة الخلاف، ورجح بعد أن ذكر الخلاف: غميص وسروال، أو رداء وإزار، أو قميص وإزار. نعم، أحد في الخلف عايد قميص وسروال. لماذا خص السروال؟ أنه أستر. نعم، وأشار إلى حرمة حلق اللحية، ووجوب الختان. وذكر في الختان أن الراجح يكون من سن كم؟ قال: «إذا قارب البلوغ»، يعني: لم يحده بعشر، لكن بحسب العرف. فإذا كان في عرف الناس في بلد البلوغ تسع، قارب، يعني: قبل قارب بمعنى قارب البلوغ. قارب البلوغ، فإن كان البلوغ عشر يكون تسع، وإن كان البلوغ خمسة عشر فقبله بقليل سنة أو سنتين. ولكن كما مر معنا أن بعض العلماء استدلوا بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «مروا أولادكم بالصلاة سبعًا، واضربوهم عليه لعشر»، أن الأوامر يؤمر بها، وتيب من سن عشر. والله أعلم. نعم، لأن باب السواك قال: «معه وغيره». غيره يلحق به كل ما كان من أحكام قبل الدخول في أحكام الطهارة، أحكام المسجد. هناك أبواب وفصول تتعلق بمقدمات الطهارة، مثل السواك، مثل أحكام المسجد، وكذلك آداب المشي للصلاة. هذه كلها قبل أحكام الطهارة. ولهذا قال: «باب السواك وغيره»، أو «غيره». طيب، قال -رحمه الله تعالى-: «باب صفة الوضوء». أي: هذا مدخل لمعرفة أحكام صفة الوضوء. وكما مر معنا: هذه الأبواب والمسائل اختيارات، يعني: الراجج عند الشيخ -رحمه الله- فيما اختلف فيه. فهو لا يورد كل المسائل، ولا يورد كل المسائل التي اختلف فيها، وإنما المسائل التي كان لشيخ الإسلام فيها ترجيح خاص. والغالب ما خالف فيه مذهب الحنابلة، وكان أو خالف مذهب الجمهور عمومًا. قال -رحمه الله تعالى-: «لم يرد لفظ الوضوء بمعنى غسل اليد والفرج إلا في لغة اليهود». فإنه روي أن سلمان الفارسي قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن نجد في التوراة أن من بركة الطعام الوبو قبله». ومعنى: غسل اليدين قبله. قال: «وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن من بركة الطعام الوبو قبله وبعده». والحديث بهذا الإسناد ضعيف، كما أشار بالتعليق. لكن صح غسل اليد في بعض الآثار الموقوفة، وكذلك في بعض الأحاديث التي يحسن بعضها. العلم من فعله -عليه الصلاة والسلام- لا من قوله. فالشاهد: يريد أن يقول -رحمه الله- أن الوضوء في الإسلام يختلف عن معنى الوضوء في غير الإسلام. والصحيح أن لفظ الوضوء لا يعرف عند غير المسلمين. لفظ الوضوء في الطهارة لا يعرف في غير دين الإسلام. وهذا الذي رجح غير واحد من أهل العلم. قال: «قال -رحمه الله تعالى-: وهو من خصائص هذه الأمة، كما جاءت الأحاديث الصحيحة أنهم يبعثون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء». ومعنى أنه لا أحد يتوضأ إلا أهل الإسلام. ولذلك يكرمهم الله بأن يتحول مواضع الوضوء يوم القيامة نورًا يضيء لهم، فيعرفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- يعرف أمته بهذا النور الذي يكون في مواضع الوضوء. كرامة لهذه الأمة من الله سبحانه وتعالى، وتمييز لهم ورفعة. قال -رحمه الله-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- والحديث الذي أشار إليه في الصحيحين، كما في التعليق». قال: «وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يعرفهم بهذه السيماء»، أي: هذه الصفة. «فدل على أنه لا يشاركهم فيه غيرهم، وهذا هو الصحيح»، يعني: أن الوضوء من خصائص هذه الأمة. قال: «والحديث الذي رواه ابن ماجه وغيره: أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا». قال: «هذا وضوء وضوء الأنبياء قبل، ضعيف عند أهل العلم بالحديث، لا يجوز الاحتجاج بمثله». يعني: بهذه الزيادة. ومن قوله لم يصح عنه -عليه الصلاة والسلام-. أما كونه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا، وثبت بالصحيح من حديث ابن عباس. ولكن ليس فيه أن هذا وضوء الأنبياء قبله. لأن الوضوء من خصائص هذه الأمة، ولم يصح هذا الحديث: «أن الأنبياء كذلك توضأوا». قال: «ضعيف عند أهل العلم بالحديث، لا يجوز الاحتجاج بمثله». «وليس عند أهل الكتاب خبر عن أحد من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين». بخلاف الاغتسال من الجنابة، فإنه كان مشروعًا. «ولم يكن لهم تيمم إذا عدموا الماء». «وهذه الأمة مما فضلت به التيمم مع الجنابة والحدث الأصغر»، وهو الوضوء. يعني: من خصائص هذه الأمة الوضوء والتيمم. فهذا مما خص الله عز وجل به هذه الأمة. بخلاف الاغتسال من الجنابة، فإنه كان معروفًا في الأمم السابقة. ولكن الوضوء والتيمم لم يكن معروفًا. قال: «ويجب الوضوء بالحدث». ذكره ابن عقيل وغيره في «الانتصار»: «بإرادة الصلاة». وهو نزاع لفظي. وجه النزاع اللفظي: أن النهاية شيء واحد. إن قلنا: «بالحدث»، يعني: بسبب الحدث. وإن قلنا: «بإرادة الصلاة»، لأنه قد أحدث سيحتاج إلى الوضوء. لكن يقع خلاف في بعض المسائل: هل يجب الوضوء في غير الصلاة؟ هذا محل نزاع. فمن أهل العلم من قال: يجب الوضوء في غير الصلاة، مثل قراءة القرآن. وبعضهم توسع فقال: كل ذكر لله عز وجل. وبعضهم جعل في مس المصحف، لا في قراءة القرآن. والصحيح أنه لا يجب الوضوء إلا في الصلاة. وأما غير الصلاة لا يجب الوضوء. فإذن الخلاف ليس لفظي. الخلاف ليس لفظي؛ لأن من أهل العلم من قال بوجوب الوضوء في غير الصلاة. فيجعلونه في شيء زائد عن الصلاة، مثل مس المصحف. وبعضهم توسع فقال: قراءة القرآن، ولو لم يمسه. وبعضهم قال: في كل ذكر لله عز وجل. والصحيح أن هذه المواضع يستحب الوضوء، ولا يجب. والذي يجب فقط في الصلاة. وكذلك الطواف، وفيه خلاف كذلك. فإن من أهل العلم من يخالف في الطواف كذلك. وحديث ابن عباس: «الطواف بالبيت صلاة». مع آراء أخرى. حديث عائشة بقولها: «غير أن لا تطوف بالبيت» يدل أن الطواف بالبيت يحتاج إلى طهارة يحتاج إلى طهارة. وهذا هو الراجح. ولكن يستثنى فيه ما لا يستثنى في الصلاة. كما استثني فيه من الصلاة الكلام، فيجوز الكلام في الطواف. فكذلك يستثنى في الطهارة على الصحيح في حال الضرورات، مثل: إذا كانت المرأة حاضت، ولا تستطيع أن تكمل حجها، ولا تستطيع أن ترجع. فهنا أجاز بعض العلماء، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بأنها تكمل على حالها للضرورة. قال -رحمه الله تعالى-: «والراجح أنه لا يكره الوضوء في المسجد». وهو قول الجمهور. «إلا أن يحصل معه بصاق أو مخاط». فإن البصاق في المسجد خطيئة، كفارتها دفنه. فكيف بالمخاط؟ يعني: من باب أولى. بل يقال: كل تلويث للمسجد بالوضوء، فإنه يمنع الوضوء في المسجد. وأما إذا كان بغير تلويث. ولي حاجة، وقت الزحام الشديد مثلًا في الحج، وأنت في مسجد مزدلفة. فخروجك من مكانك يفقدك مكانك، ولا تستطيع الرجوع. في بعض الأوقات يكون زحام شديد، ومن خرج من المسجد لا يسمح له بالدخول، أن المسجد ممتلئ. ففي مثل هذه الحال، وأنت تحتاج انتقض وضوءك، والصلاة ستقام قريبًا، الظهر والعصر جمعًا. ففي هذه الحال تتوضأ في مكانك، بشرط أن لا تلوث المكان، يعني: وضوء خفيف، مرة مرة. تمسح الماء مسحًا يتقاطر، ولا يتساقط، ولا يتسايل على الأرض، حتى لا تلوث الأرض. فإذا فعلت مثل ذلك، فإن شاء الله جائز، لكن لحاجة، وبشرط دون تلوث. قال -رحمه الله-: «والأفضل في المضمضة والاستنشاق أن يفعلهما بثلاث غرفات، يجمعهما بغرفة واحدة». يعني: كل غرفة يقسمها قسمين، قسم للمضمضة، وقسم للاستنشاق. كما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في صفة وضوئه: «ثلاثًا بثلاث غرفات». حديث من؟ حديث عبد الله بن زيد. حديث عبد الله بن زيد: «ثلاثًا بثلاث غرفات». قال: «وتجب النية لطهارة الحدث والخبث». وهو مذهب جمهور العلماء. «ولا يجب نطقه بها سرًا باتفاق أئمة الأربعة». وشد بعض المتأخرين فأوجب النطق بها، وهو خطأ مخالف للإجماع. ولكن تنازع: هل يستحب النطق بها على قولين؟ في مذهب الإمام أحمد وغيره. والأقوى عدم الاستحباب. واتفق الأئمة على أنه لا يشرع الجهر بها، ولا تكرارها. بل ينبغي تأديب من اعتاده. وكذا في بقية العبادات، لا يستحب النطق بالنية، لا عند الإحرام ولا غيره. الآن انتقل إلى مسألة النية. أولًا: النية لطهارة الحدث والخبث. النية محلها القلب. لكن هناك أعمال تحتاج إلى نية، وهناك أعمال لا تحتاج إلى نية. وضابط ذلك أحد أمور ثلاثة: الأمر الأول: أن ما كان من التروك فليس فيه نية؛ لأنه ليس من الأحكام التكليفية، بل هو ترك. من التروك أحكام ترتبط بأسبابها، فلذلك لا تحتاج إلى نية. ودليله قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يطهره ما بعده». معناه: أنه لا يشترط أن ينوي حصول الطهارة. فهو لا يدري متى تطهر هذا الثوب أصلا؟ لا يدري متى وقعت النجاسة، ومتى تطهر من النجاسة. فدل على أنه لا يشترط النية في إزالة النجاسات. وعملنا أن باب الأتروك لا يشترط له نية. والأمر الثاني: ما كان يلتبس بغيره من العبادات أو العادات. فما لا يلتبس بغيره من العبادات والعادات، الصحيح أنه لا يحتاج إلى نية، يعني: بمعنى استحضار النية. النية تقع الآن. إنسان يريد أن يتوضأ، على القول الصحيح: أن الوضوء لا تشبه عبادة ولا عادة. فمن توجه للوضوء، وهذا رأي لماذا؟ بن القيم -رحمه الله-، وينقله عن غيره: من توجه للوضوء يعلم أنه سيتوضأ. فنية الوضوء تنعقد شاء أم أبى. ولو قيل: الإنسان توضأ من غير نية ما استطع. فهذه عبادة لا تلتبس بغيرها من العبادات، ولا بغيرها من العادات. فهنا النية واقعة. بخلاف ما إذا كانت تلتبس بعبادة أخرى، فيحتاج أن يستحضر النية عند بداية العمل. مثل الصلاة: يريد أن يصلي، فهو يريد أن يصلي ركعتين. ماذا؟ سنة راتبة، قضاء، أو فريضة؟ فالفجر ركعتين، وراتبته ركعتين. ولو كان عنده قضاء من راتبة أخرى ركعتين. فلما هو في وقت الفجر يريد يكبر يصلي، يحتاج إلى نية أو لا يحتاج؟ يحتاج إلى نية. لماذا؟ لأن الركعتين تحتاج إلى تمييز من غيرها من العبادات. فماذا يريد بهذه الركعتين؟ هل يريد ركعتين راتبة، أو يريد ركعتين الفريضة؟ فيحتاج إلى نية ليميز العبادة من العادة. والأمر الثالث: أن يميز العبادة. أن قلنا الأمر الثاني: يميز العبادة من العبادة. الأمر الثالث: يميز العبادة من العادة. أراد أن يغتسل، هذا الغسل لماذا؟ للتبرد، هذا من العادات. أو أراد أن يغتسل غسل الجمعة، هذا من ماذا؟ من العبادات. فلو اغتسل غسل التبرد، ولم يغتسل غسل الجمعة. في قول بعض أهل العلم: لا يجزه هذا الغسل؛ لأنه لم ينوي نية ماذا؟ غسل الجمعة. هو غسل عبادة. وأشد منه غسل الجنابة. إذا اغتسل ولم ينو أن هذا الغسل غسل الجنابة، فإنه لا يجزه هذا الغسل عن الجنابة؛ لأن غسل الجنابة يحتاج إلى ماذا؟ يحتاج إلى نية. فإذا هذه المواضع ينبغي أن ينتبه الإنسان فيها. هذا بالنسبة لاستحضار النية. ومحل النية أين؟ القلب. هذه مسألة. المسألة الثانية: المواضع التي يشرع فيها النية. هل يستحب أو يجب أو يكره أو يحرم التلفظ والنطق بالنية؟ اختلف العلماء في هذا. والصحيح كما قال: «ولا يجب نطقه بها سرًا باتفاق أئمة الأربعة». وتأمل ودقق في هذا قوله: «ولا يجب». لا يجب نطقه بها سرًا، اتفق أئمة الأربعة على أنه لا يجب. لماذا؟ لأن النية محلها القلب. وقوله: «وشد بعض المتأخرين فأوجب النطق»، يعني: أوجب النطق بالنية، مثل بعض الشافعية وغيرهم. «وهذا خطأ مخالف للإجماع». وكما قال: ونقل على إمام الشافعي أنه نقص في العقل والدين. أما نقصان الدين؛ لأنه بيدعى، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: «من عمل عملنا ليس عليه أمرنا فهو رد». فهو مردود، يعني: ناقص لا يقبل. والأمر الثاني: نقص في العقل؛ لأن معناه أن صاحبه يحدث نفسه بكل ما في نفسه مما يريد فعله. هذا الذي يريد يصلي يحتاج أن يقول: «نويت أن أصلي صلاة». ثم ينظر: أيش الصلاة؟ ظهر، الظهر أربعًا، حاضرا، مأمومًا، توجها إلى القبلة. خد من هذه القيود والشروط. من الذي أوجب عليه هذا؟ لم يوجب عليه هذا أحد. فتحديثه نفسه بهذا نقص في العقل. ثم يورث له الوسوسة. الوسوسة كما قال الشيخ الإسلام ابن تيمية: هذا حاله كحال من يأتي إلى الطعام ويقول: «نويت أن آكل هذا الطعام لأتقوى به كذا كذا كذا». إلى آخره. ثم يأتي: «أشرب الماء»، يقول: «نويت أن أشرب الماء لأجل أن أرتوي به». إلى آخره. ويأتي يلبس الثوب: «نويت أن ألبس الثوب لأجل أن أستتر به». إلى آخره. يعني: لأجل أن يؤجر في هذه الأعمال. فهمتم؟ لأجل أن يؤجر في هذه الأعمال؛ لأن هذه الأعمال إذا احتسبها الإنسان ماذا؟ أجر بها. فهل يحتاج أن يتلفظ بهذا؟ الصحيح: لا يحتاج. يكفي أن يكون في قلبه. فالتلفظ به خلاف فعل السلف. ولو كان من الدين لعلمه وأرشده النبي -عليه الصلاة والسلام-. ولصح عن الصحابة والتابعين. وكل ذلك لم يثبت. ثم هو كذلك نقصان في العقل لما سمعنا. ثم قال -رحمه الله-: «ولكن تنازع: هل يستحب النطق بها على قولين؟» انظر: مسألة الوجوب أجمعوا أنه لا يجب. وإنما أوجبه بعض المتأخرين. مسألة الاستحباب اختلف. بعض قول بعض لإمام في هذا. والصحيح كما قال: «والأقوى عدم الاستحباب». إذن لا بد أن تحرر محل النزاع. محل النزاع في الاستحباب. أما في الوجوب ليس فيه نزاع. في الوجوب ليس فيه نزاع. الكل متفق أنه لا يجب. وأما الاستحباب ففيه خلاف. والراجح كما ذكر -رحمه الله- أنه لا يستحب كذلك. وبل نص بعض لإمام أنه لا يشرع الجهر بها، ولا تكرارها. وأن من فعل ذلك وكرر يؤدب. هو إذا قال: «اتفاق»، ليس إجماع. الاتفاق قول الأكثرين. فرق بين الاتفاق والإجماع. يعني: أرد أن ننبه أن هذه المسألة ليس مثل مسألة ماذا؟ الوجوب. الوجوب ماذا قال؟ «باتفاق أئمة الأربعة». ثم قال: «وهو خطأ مخالف للإجماع». يعني: اتفاق وإجماع. أما هنا فاتفاق ليس فيه إجماع. وقد أشار إلى الخلاف قبل قليل. وأما قوله: «يجب تأديب من اعتاده». لأن هذا الفاعل فعل بدعة. قال -رحمه الله-: «قال أبو داود لأحمد: يقول قبل التكبير شيئًا؟ قال: لا». «والجاهر بها مستحق للتعزير بعد تعريفه». «لا سيما إذا آذى غيره أو كررها». «والجاهر بلفظها منهي عنه عند الشافعي وسائر أئمة المسلمين». «وفاعله مسيء». لما تقدم. لأنه لم يثبت عن السلف. وقوله: «أن اعتقده دينا خرج عن إجماع المسلمين، ويجب نهيه». يعني: أنه دين، وهو لم يثبت به شيء. «ويعزل عن الإمام إن لم يتب». معناه: أن هذا من أسباب نزع الإمام؛ لأن صاحبه مصر على بدعة، مصر على بدعة. لكن يراعى في هذا المصلحة والمفسدة. أنت تأتي في بلد أبتلي العامة فيه بمثل هذا. ما تأتي وتثير فتنة من أجل الجهر بالنية. الناس عندهم ما هو أعظم من الجهر بالنِّيَّة: الشركيات، وثنيات، معاصي، محرمات، أشياء كثيرة. فأنت تأتي تتكلم وتنازع في مسألة النية. هذا يسبب فتن في المجتمع. لكن إذا قوية السنة، وصار ولي الأمر على السنة، ويقرر السنة. وصار بفضل من الله أئمة السنة أكثر. وإنما قليل من الناس من هم ليسوا على السنة. فهنا ينصحون. فإن نصحوا واستجابوا، وإلا عزلوا عن الإمامة بعد النصيحة. قال -رحمه الله تعالى-: «ويجوز مسح بعض الرأس للعذر». وقاله القاضي في «التعليق». «ويمسح معه العمامة، ويكون كالجبيرة». «ويكون كالجبيرة، فلا توقيت». «وإن لم يكن عذر وجب مسح جميعه». وهو مذهب أحمد، الصحيح عنه. «وما يفعله بعض الناس من مسح بعض رأسه من رأسه، بعض رأسه، بل شعرة، بل شعرة من رأسه ثلاث مرات». خطأ مخالف للسنة المجمع عليها. قال: «ولا يُسنُّ تكرار مسح جميعِهِ». «وظاهر مذهب أحمد ومالك وبحنفية»: هذه مجموعة من المسائل في مسح الرأس. رجح فيها -رحمه الله- ما سمعنا. الأولى أن الأصل مسح جميع الرأس؛ لما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عبد الله بن الزيد في الصحيحين: أنه مسح رأسه فأقبل بيديه حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. ومعناه: أنه مسح جميع رأسه. هذا هو الأصل إذا كان الشعر والرأس مكشوفًا. وهذه أحد الكيفيات في مسح الرأس. والكيفية الثانية: أن يمسح على ناصيته ويكمل على العمامة. كما جاء في حديث المغيرة وغيره في الصحيح: يمسح على الناصية ويكمل على العمامة. والكيفية الثالثة: أن يمسح على العمامة فقط دون أن يمسح على شيء من شعره. وهذا كذلك صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث بلال في صحيح مسلم وغيره من الأحاديث الأخرى. فحديث بلال: «مسح على الموقين». وفي رواية: «الخفين والخمار»، يعني: العمامة فقط. الخمار مثل هذا الرب ليس على الرأس فقط، إنما اللف مع العنق يسمى خمار. فهذه ثلاث كيفيات صحت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسح الرأس. ثم قال: «ويجوز مسح بعض الرأس للعذر». إذا كان هناك عذر، مثل: على رأسك عمامة، امسح على الناصية وكمل على العمامة. أو كان بك جرح أو نحوه، مسحت على الذي يتيسر وترك الذي لا يتيسر. ومن ذلك كما مر: المسح للعمامة. «ويمسح معه العمامة يكون كالجبيرة». يعني: أن العمامة ليست الخف. الخف له توقيت. الخف له توقيت. وقت النبي -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين في الخف: للمسافر يوم وليلة، وللمقيم ثلاث أيام. للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاث أيام بلياليهن، يعني: 24 ساعة من أول مسحة، و72 ساعة من أول مسحة. ولكن بشرط أن يدخلهما طاهرتين، وأن يكون من الحدث الأصغر لا الأكبر، وأن يكون الخف شاملًا لشروط الخف الشرعي. فإذا توفرت هذه الشروط صح المسح. فكذلك بعض الفقهاء قاس العمامة على الخف. والصحيح خلاف هذا. بل العمامة كالجبيرة، ليس لها توقيت؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك وأصحابه، ولم يجعل لها توقيتًا. ومن المسائل: «وإن لم يكن عذر وجب مسح جميعه». وهو مذهب أحمد. قال: «الصحيح عنه». يعني: إذا لم يكن هناك عذر فيمسح جميع الرأس. وقد تقدم معنا دليل: وحديث عبد الله بن زيد. وقوله: «وما يفعله بعض الناس من مسح بعض الرأس أو شعرة أو ثلاث شعرات أو نحوه». فهذا كذلك خطأ. مثل بعض الناس: يبول أصابعه وهكذا مرة أو مرتين أو ثلاث. هذا خطأ، خلاف سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-. إذا كان الشعر مكشوفًا فتبول يديك بالماء وتمسح كل الرأس إن أقبلت وأدبرت، فهذا أفضل. وإن لم يتيسر فأدبرت فقط، فهذا يكفي كذلك. ثم ذكر -رحمه الله- مسألة وهي التكرار: تكرار المسح للشعر ثلاث مرات. لم يثبت فيه دليل. بل الذي ثبت: مرة واحدة. يقبل ويدبر كما في حديث عبد الله بن الزيد. قال -رحمه الله تعالى-: «ولا يسن مسح العنق». وهو قول جمهور العلماء. «ولا أخذ ماء جديد للأذنين». يعني: لم يصح مسح العنق، ولم يصح أخذ ماء جديد للأذنين. وهو أصح الروايتين عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة وغيره. والمسألة فيها خلاف. وهذا ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وهو كما قال؛ لأنه لم يرد شيء صحيح صريح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسح العنق. وهذا هو قول جمهور أهل العلم. وكذلك مسح الأذنين لم يثبت أنه مسح الأذنين بماء جديد. بل جاء حديث يحسنه كثير من أهل العلم: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «الأذنان من الرأس». يعني: يمسح الأذنين مع الرأس. ومن يضعف هذا الحديث يرى أن الأذنين يمسحان مع الوجه. كما روي عن الزهري وجماعة من الأئمة والتابعين. فهذا يجوز، وهذا يجوز. ولكن لا يجعل للأذنين ماء جديدًا؛ لأنه لم يصح هذا عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. قال -رحمه الله-: «وإن منع يسير وسخ في ظفر ونحو وصول الماء صحة الطهارة». وهو وجه لأصحابنا. «ومثله كل يسير منع وصول الماء حيث كان». كدم، عجين. الشيء اليسير اختلف العلماء في حده. وهنا -رحمه الله- حده بأنه بعض الضفر؛ لقوله: «يسير وسخ في ظفر»، يعني: ليس كل الظفر. فما كان ظفرًا كاملًا فإنه يمنع من الطهارة، ويوجب إعادة الطهارة؛ لما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عمر، وأصله في صحيح مسلم: أنه رأى لمعة فأمر بإعادة الوضوء. وجاء في خارج الصحيح أن مقدار هذه اللمعة كان كالظفر. وفي رواية: «درهم أو نفس درهم»، يحسنها بعض أهل العلم. فلهذا قال العلماء: ما كان مثل الظفر فأكثر، فيعيد الوضوء. وما كان أقل من الظفر فلا يعيد الوضوء. هذا هو الضابط في هذه المسألة. فالشيء اليسير: كالدم في أطراف الأظافر، أو العجين الذي يلتصق في أطراف الأظافر، أو الحناء التي تلتصق أو نحوها في أطراف الأظافر. فإن كان لا يمنع الماء كالحناء التي تتشرب بالماء، فهذا لا يضر. وإن كان يمنع الماء، ولكنه يسير: كهذا اليسير الذي في أطراف الأظافر. فالصحيح أنه لا يضر. ولكن لا شك أن الأفضل والأكمل ماذا؟ إزالته وإبعاده. وإن كان يسيرًا. باجتماعه صار كثيرًا، فإنه كذلك يضر. مثل قشر السمك إذا اجتمع، ونقط الطلاء أو ما نقول: «البوية» إذا كثرت، ولو صغرت وتفرقت، لكنها إذا اجتمعت صارت كثيرًا. فهذا لا يجوز التساهل به، بل يجب إزالته. ويبقى السؤال: إذا وقع خطأ فصلى، ثم اكتشف بعد الصلاة أنه عنده مانع منع من وضوئه، من وصول الماء إلى الجسد. الجواب: إذا كان غلب على ظنه أنه كثير، ومنع الماء أكيد. فهنا يعيد الوضوء والصلاة، ما دام وقت الصلاة باقيًا. وأما إذا كان على وجه الشك، مثلًا بعض قشر السمك إذا توضأ يتحرك معك، يذهب ويأتي معك إذا الماء يصيب الجسد، ولكن أنت لم تر هذا القشر. فمثل هذا إذا كان يسيرًا لا يضر إن شاء الله. قال -رحمه الله-: «ولا يستحب إطالة الغرة». وهو مذهب مالك، ورواية عن أحمد. يعني: حديث المبالغة في الغرة: الوضوء إلى أعلى من الركبتين، في خلاف. وأعلى من الكعبين. جاء: «كان يرفع حتى يصل إلى فخديه ويديه إلى عضده». جاء مرفوعًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وجاء موقوفًا من فعله، وجاء مرفوعًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. لكن رجح الحفاظ أن المرفوع لم يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. بل كان هذا من فهم أبي هريرة واجتهاده. ولهذا كان الصحيح في هذه المسألة أنه لا يستحب الزيادة عن المشروع الذي فعله النبي -صلى الله عليه وسلم-. هذا أولًا من جهة الرواية. ثم من جهة الدراية: أنه لو كان هذا الفهم الذي فهمه أبو هريرة -رضي الله عنه- صحيحًا، لثبت فعله عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وهو أحرص الناس على الخير، وأحرص الناس على دلالة الخير، الدلالة الناس للخير. ولم يثبت ولا في حديث واحد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حث على ذلك، لا بقوله ولا بفعله. كذلك لم يثبت هذا عن أحد من الصحابة. ولا شك أنه لو كان حكمًا شرعيًا صح عن النبي -عليه الصلاة والسلام- لنقل. وخصوصًا في الوضوء، فالوضوء شيء يتكرر. ولم يثبت هذا، ولم ينقل هذا. وإنما نقل عن أبي هريرة -رضي الله عنه- فقط. فدل أن هذا فهم فهمه أبو هريرة، وهو خلاف الصواب. والصواب: عدم المبالغة التي تخرج عن حدود الحد الشرعي الذي فعله النبي -عليه الصلاة والسلام-. قال -رحمه الله-: «والوضوء إن كان مستحبًا له أن يقتصر على البعض». لوضوء ابن عمر لنومه جنبًا إلا رجليه. يعني: إذا كان الوضوء لشيء ليس فيه شيء واجب كالصلاة مثلًا. ما كان عندك ماء كافي. إذا توضأت ستتوضى بعض الجسد وينتهي الماء، ما يكفي كل الجسد. فما هو الأفضل؟ تتوضى أو لا تتوضى؟ يقول -رحمه الله-: الصحيح أنه تتوضى؛ لأن فعل البعض أفضل من عدم الفعل. معك ماء قليل تريد أن تنام وأنت على وضوء، ما يكفي الماء لأن تتوضى وضوء كامل. فهل تتوضى أو لا تتوضى؟ يقول: توضى. وهذا محل الخلاف. والأمر واسع في هذا الباب. فلو فعل مثل ما قال -رحمه الله- كان مما قال به بعض أهل العلم. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.