الدرس في كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 8، الدرس الثامن:من( فصل:في العلوم المحمودة ... وكل شيء يطلب لغيره فلا ينبغي أن ينسى فيه المطلوب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع العلوم المحمودة التي تنقسم إلى قسمين، الأول محمود إلى أقصى غايته وهو العلم بالله تعالى وصفاته. يُوضح أن هذا العلم مطلوب لذاته ويؤدي إلى سعادة الآخرة.
يُشدد على أهمية العلوم الشرعية مثل العقائد والتفسير والفقه، ويُنبه إلى ضرورة تطبيق المعرفة في السلوك والأخلاق. يُوضح أن حقيقة العلم تكمن في العمل بما يُعلم.
ينصح الشيخ رحمه الله تعالى طالب العلم بأن يبدأ بإصلاح نفسه قبل الانشغال بإصلاح غيره، ويؤكد على أهمية التدرج في تحصيل العلم.
العلوم تنقسم إلى قسمين: محمود خالص ينبغي الحرص عليه، وعلوم فيها فضل بقدر مخصوص. ينبغي للإنسان أن يحرص على العلوم الأولى فالأولى حسب أهميتها.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل في العلوم المحمودة. قال: واعلم أن العلوم المحمودة تنقسم إلى قسمين: الأول محمود إلى أقصى غايته، وكلما كان أكثر كان أحسن وأفضل، وهو العلم بالله تعالى وبالصفات وأفعاله وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا. فإن هذا علم مطلوب لذاته، والتوصل به إلى سعادة الآخرة، وهو البحر الذي لا يدرك غوره، وإنما يحوم المحومون على سواحله وأطرافه بقدر ما تيسر لهم. هذا الفصل جعله رحمه الله في الكلام على العلوم المحمودة، يعني التي ينبغي أن يحرص عليها طالب العلم، وأن يكثر من التنبيه إليها حملة العلم. ثم قال: أن هذه العلوم المحمودة تنقسم إلى قسمين: الأول محمود إلى أقصى غاياته، يعني أعلى درجاته، وأنه كلما كان أكثر كان أحسن وأفضل، والمعنى أنه ينبغي أن يستزاد منه. ثم قال: وهو العلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا. ويدخل في هذا المعنى علم العقيدة والتوحيد، فإنه علم بالله سبحانه وبصفاته وأفعاله، ومن ذلك العلم بحكمته. لأن العبد كلما ازداد بربه معرفة ازداد ربه في قلبه عظمة، وكلما ازداد الرب في قلب العبد عظمة ازداد العبد منه خشية وخوفا وحبا، وهكذا كذلك رهبا. فإنه يزداد في قلبه أثر معاني هذه المعرفة على مواضع كثيرة من معاني من المعاني القلبية، فيثمر ذلك استقامة في جوارح هذا العبد. فالمراقبة مثلا، مراقبة العبد لأحوال نفسه بمراقبة الله عز وجل، هذه تكون بقدر معرفة العبد لقوة المراقبة وعظمتها بالنسبة لله سبحانه وتعالى. فهل هناك فرق بين عبد عرف ربه حق المعرفة، وعرف من صفاته ومن أفعاله وحكمته ما عرف، وبين عبد جاهل بذلك؟ الجواب: لا شك أنه سيكون فرق. فهذا يحرص على الإحسان قدر المستطاع، لعلمه بعظمة ربه وحقوقه عليه، ولعلمه كذلك بضعف نفسه وقصره وتقصيره، ولعلمه كذلك بكرم ربه إنه أحسن، وعدله إنه أساء، وغير ذلك من المعاني الكثيرة التي ربما علمها غيره ولم يستحضرها، فكان مستوجبا للنقص في القول والعمل. ومن هذه العلوم كذلك معرفة أسرار الشريعة التي تدرك بدراسة علوم أخرى كعلم الفقه وأصوله، وعلم التفسير أو علم نقول علوم القرآن وفروعها، وعلوم الحديث وفروعه. فإن ذلك يكسب صاحبه معرفة أسرار الشريعة وحكمها، وكلما ازداد العبد معرفة في ذلك ازداد حبا لهذا الدين، وتعظيما للرب سبحانه وتعالى، وانقيادا في متابعة الرسل، واستقامة على الصراط المستقيم. وبهذا تعرف أشرف العلوم علم العقائد، والمراد بها المأخوذة من الكتاب والسنة، لأن بعض أهل الكلام يسمي علم الكلام عقيدة. وهكذا كذلك التفسير وما يلحق به من علوم القرآن والحديث وما يلحق به من شروحه وملحقاته، وهكذا كذلك الفقه أصوله. هذه أصول العلوم التي ينبغي أن يعتني بها. ومن ذلك اعتناء المرء بنفسه في آدابه وأخلاقه وسلوكه، لأن هذا من ثمرات تطبيق هذه المعرفة. إنسان لا بد أن يكون له قراءة يهذب نفسه بعد إذ عرف ربه سبحانه وتعالى. فإن حقيقة العلم ليس جمع المعلومات، ولكن جمع المعلومات المفضي إلى العمل بها. قال رحمه الله تعالى: وهو البحر الذي لا يدرك غوره، وإنما يحوم المحومون على سواحله وأطرافه بقدر ما يتيسر لهم. ولهذا تجد العلماء ما علمهم يتفاوتون في معرفة أحكام وأسرار الشريعة، وهكذا كذلك إجلال الرب وتعظيمه بقدر اجتهادهم في تحصيل العلوم الموصلة إلى ذلك. قسم الثاني: العلوم التي لا يحمد منها إلا مقدار مخصوص، وهي التي ذكرناها من فروض الكفايات. فإن في كل منها افتقارا واقتصارا واستقصاء. يقول رحمه الله: القسم الثاني العلوم التي لا يحمد منها إلا مقدار مخصوص، يعني شيء مخصوص يأخذه بقدر حاجته، وهي التي قال ذكرناها من فروض الكفايات، يعني فيما تقدم في هذا الكتاب. قال: فإن في كل منها افتقارا واقتصارا واستقصاء. فأنت تأخذ حاجتك من هذه العلوم. قال: فكن أحد رجلين: إما مشغولا بنفسك، وإما متفرغا لغيرك بعد الفراغ من نفسك. ولا يلزم أن يكون وقت كامل للانشغال بالنفس لا، فأنت ربما تنشغل بنفسك وتنفع غيرك كذلك بما لا يضر نفسك. أنت طالب علم وتعلم من هو دونك من طلبة العلم، لا بس لا تقول أنا في طور طلب العلم إذن ما أعلم أحد. فإن العلم يزيد بكثرة الإنفاق منه. إذا علمت غيرك بارك الله لك بما معك من العلم، يبارك لك في عمرك، يبارك لك في علمك، يبارك لك في وقتك، وأشياء كثيرة. لو لم يكن إلا أن تربي نفسك على معاني الإيثار الذي لا يعرف معنى الإيثار يحب نفسه دائما هذا مريض. إذا لم يعالج نفسه أضره هذا، ولو صار من أعلم العلماء يضره، لأن العلم في الحقيقة ينفع صاحبه إذا عمل به. أما إذا لم يعمل به فهو حج عليه. قال رحمه الله تعالى: وإياك أن تشتغل بما يصلح غيرك قبل إصلاح نفسك، واشتغل بإصلاح باطنك وتطهيره من الصفات الذميمة كالحرص والحسد والرياء والعجب قبل إصلاح ظاهرك. وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في ربع المهلكات. طالب العلم ينبغي أن يحرص على إصلاح نفسه من تحصيل العلم والعمل به قبل الانشغال بتحصيل غيره بإصلاح غيره. ومن ذلك الاستعجال في مسألة التعليم والفتيا والبروز للناس. لا يستعجل الإنسان حتى يقتضي المقام ويلح أن يستفاد منه. قال: فإن لم تتفرغ من ذلك فلا تشتغل بفروض الكفايات. فإن في الخلق كثيرا يقومون بذلك. يعني لا يكون همك الأكبر وشغلك الشاغل هو الاستزاد من فروض الكفايات، لكن احرص على ما هو أعظم من ذلك، وهو الاعتناء بنفسك في ظاهرها وباطنها. قال: فإن مهلك نفسه بطلب صلاح غيره سفيه، ومثله مثل من دخلت العقارب تحت ثيابه وهو يذب الدباب عن غيره. يريد بذلك لا تكن معلم الناس الخير بما يهلك نفسك. والمثل الذي ضربه في المقارنة بين شيئين. قال: فإن تفرغت من نفسك وتطهيرها وما أبعد ذلك، فاشتغل بفروض الكفايات، وراعي التدرج في ذلك. يعني الأولى فالأولى، فابتدي بكتاب الله عز وجل، ثم بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم بعلوم القرآن من التفسير ومن ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وغير ذلك من تفاصيل تعرف في كتب علوم القرآن. وكذلك في السنة، يعني من تفاصيل تعرف في كتب علوم السنة. ثم اشتغل بالفروع وأصول الفقه، وهكذا بقية العلوم على ما يتسع له العمر ويساعد فيه الوقت، وتقدم من ذلك الأولى فالأولى. فمعرفة أصول مسائل الفقه أولى من الدخول في تفاصيل وفروع كثيرة تشغلك عن تحصيل أصل العلم. ولذلك يستحسن العلماء أخذ متون مختصرة في الفقه وفي الأصول، حتى تأخذ جملة منها طيبة، ثم بعد ذلك تتوسع شيئا فشيئا. وكلما كان الكتاب مختصرا على المسائل دون فروع لا حاجة إليها، أو هو من الترف العلمي، فكان هذا أفضل. قال: ولا تستغرق عمرك في فن واحد منها طلبا للاستقصاء. فإن العلم كثير والعمر قصير، وهذه العلوم آلات يراد بها غيرها. وكل شيء يطلب لغيره فلا ينبغي أن ينسى فيه المطلوب. أنت تدرس النحو لأجل أن تفهم الكتاب والسنة ودقائق مسائلهما، بما تعرف به حكم وأحكام الشريعة. فإذن لا تسترسل في النحو وتدخل في بحور كتبه بما يشغلك عن الأصل. وهكذا كذلك قل في سائر العلوم الأخرى. ولهذا كان بعض العلماء ينصحون أن تأخذ كتب معينة يكتصر فيها مع إتقانها، يكفي. ثم بعد ذلك قد تمر مسائل هي غير ما في هذه الكتب، لا شك فالعلم واسع وبحر. فالخلاصة أننا استفدنا من هذا الفصل أن العلوم تنقسم إلى قسمين: ما هو محمود خالص غاية في الحسن والفضل ينبغي أن يحرص عليه، وما هو فيه فضل بقدر مخصوص يحرص عليه بقدر الحاجة. ثم بعد ذلك يحرص الإنسان على الأولى فالأولى. إلى هنا والله تعالى أعلم.