كتاب العلم وفضله وما يتعلق به  10

كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 10

الدرس في كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 10، الدرس العاشر:من( باب في آداب المعلم والمتعلم وآفات العلم ... فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

آداب المتعلم وطهارة النفس

ينبغي للمتعلم تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق ومذموم الصفات، لأن العلم عبادة القلب وطهارة النفس أولى من كثرة العلم.

أهمية تقليل الشواغل والتوازن في طلب العلم

يجب على طالب العلم تقليل الشواغل التي تشتت فكره مع الحفاظ على حقوق الناس وعدم إضاعة الواجبات، والجد في طلب العلم دون إفراط في أمور الدنيا أو إهمال لحقوق النفس والأهل.

التواضع وخدمة الشيخ في طلب العلم

يجب على المتعلم التواضع وخدمة الشيخ، والاستفادة منه في العلم والأخلاق والسلوك، مع تجنب التكبر والغلو، والحرص على حضور دروسه والاستفادة من علمه.

  • 25 جمادى الآخرة 1432هـ - 28/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم. قال الحافظ ابن قدامة رحمه الله تعالى: «باب في آداب المعلم والمتعلم وآفات العلم وبيان علماء السوء وعلماء الآخرة». قال رحمه الله تعالى: «أما المتعلم، فينبغي له تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق ومذموم الصفات، إذ العلم عبادة القلب. وينبغي له قطع العلائق الشاغلة، فإن الفكرة متى توزعت قصرت عن إدراك الحقائق. وقد كان السلف يؤثرون العلم على كل شيء. فروي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه لم يتزوج إلا بعد الأربعين. وأهديت إلى أبي بكر الأنباري جارية، فلما دخلت عليه تفكر في استخراج مسألة، فعزبت عنه. ومعنى عزبت، أي ابتعدت عن قلبه وذهنه، فصارت عزبة، يعني لم يقترب إليها. ومنها قال: فقال أخرجوها إلى النخاس، والنخاس هو الرجل الذي يشتغل ببيع الإماء والعبيد. فقالت: هل من ذنب؟ يعني هل أخطأت عليك؟ قال: لا، إلا أن قلبي اشتغل بك، وما قدر مثلك أن يمنعني علمي. يعني هي هدية جاءت إليه، ولكن شغلته، لو لم يكن إلا إشغاله بالتفكير في شأنها كيف يفعل بها؟ وقد أهديت إليه وهو لا يريد أن ينشغل إلا بما معه من العلم. قال: وعلى المتعلم أن يلقي زمامه إلى المعلم إلقاء المريض زمامه إلى الطبيب، فيتواضع له ويبالغ في خدمته. وقد كان ابن عباس رضي الله عنه يأخذ بركاب زيد بن ثابت رضي الله عنه، ويقول: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء. ومتى تكبر المتعلم أن يستفيد من غير موصوف بالتقدم، فهو جاهل؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها أخذها. وليدع رأيه لرأي معلمه، فإن خطأ المعلم أنفع للمتعلم من صواب نفسه. قال علي رضي الله عنه: «إن من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه ولا تشير عنده بيدك ولا تغمزن بعينك، ولا تكثر عليه السؤال، ولا تعينه في الجواب، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تراجعه إذا امتنع، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تفشي له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، ولا تقولن له سمعت فلانا يقول كذا، ولا أن فلانا يقول خلافك، ولا تصفن عنده عالما، ولا تعرض من طول صحبته، ولا ترفع نفسك عن خدمته. وإذا عرضت له حاجة سبقت القوم إليها، فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء». هذه مجموعة من المسائل ابتدأ بها المؤلف رحمه الله هذا الباب. وقد أتبع المؤلف رحمه الله هذا الباب الأبواب التي قبله، فهو يتدرج في ذكر ما ينبغي أن يكون من العلم. فلما ذكر العلوم المحمودة والعالم الذي ينبغي أن يستفاد منه والعالم الذي لم ينتفع بعلمه، ناسب أن ينتقل إلى ما يتعلق بآداب المتعلم وحاله مع معلمه، وشيء من آفات هذا الباب. فبدأ رحمه الله بما يتعلق بالمتعلم، فقال: «أما المتعلم، فينبغي له تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق ومذموم الصفات، إذ العلم عبادة القلب». وأن، أيمن الله، في ابتدائه رحمه الله تعالى بهذه الجملة العظيمة. فإن المتعلم في الحقيقة استفادته ليس بكثرة العلم، ولكن استفادته في الحقيقة بطهارة نفسه عن رذائل الأخلاق ومذموم الصفات. فكم من إنسان اجتهد وحصل علما كثيرا، ولكنه لأنه لم يعتن بإصلاح نفسه بطهارتها ومجانبتها لرذائل الأخلاق ومذموم الصفات، إلا صار العلم وبالا عليه. إما يصير في النهاية لاهثا خلف الدنيا، يستغل الدين ليصطاد به الدنيا. وما أكثر هؤلاء ممن ينتسبون إلى العلم، وليس اللهث في الدنيا بالتعفف والاكتساب الحلال، ولكن اللهث خلف الدنيا حقيقة هو من يبيع شيئا من دينه وعلمه في مقابل شيء من حطام الدنيا. ممكن يكذب، ممكن كذلك يداهن ويجامل، ممكن يفتي بما لا يفتي به، ممكن أن يتلون فيكون له أكثر من وجه، ممكن أنه كذلك يعتدي ويظلم على الآخرين، كل ذلك ليصل إلى شيء من الدنيا. ولو كان هذا الدنيا ظاهره دين، مثل كرسي ومنصب أو رئاسة وزعامة أو وجاهة وشرف أو غير ذلك، فكل ذلك من هذا المعنى. كيف يأتي هذا؟ يأتي لأن صاحب هذا العلم وحامله لم يعتن بطهارة نفسه، ولم يعتن بإصلاح رذائل الأخلاق ومذموم الصفات. وهذا يتبين في بداية الطلب. فتجد طالب العلم الذي يعتني بهذا الباب يصلح نفسه خصلة خصلة، وبابا بابا، وصغيرة صغيرة. فهو يؤثر هذا الباب على باب الاستكثار من العلم. وليس معناه أنه يتقاعص، لا، هو يجتهد في العلم، لكن يعلم أن الشأن كل الشأن ليس كثرة العلم، بقدر ما هو ماذا؟ العمل بالعلم. مثلا مرض أحد الطلاب من الزملاء الآن، يظهر العمل بالعلم. ممكن واحد يقول: أنا مشغول، عندي درس، أو أنا أفرغ شريط، أو أنا أحفظ وردي. مع أن الجميع طلبة علم، وربما ذاك الذي يبتدر نفسه بنفسه فيقوم بخدمة أخيه المريض ورعايته والعناية به والقيام بما يجب في حقه، هو أكثر اجتهادا من ذاك الذي يدعي أنه ماذا؟ أنه مشغول، أنه مشغول بحفظ أو تفريغ شريط أو كذا وكذا إلى آخره. بينما مثلا في مقام آخر، إذا في طعام هناك طعام، أكل للبطن. ذاك الذي عنده تفريغ شريط ما عنده تفريغ شريط، وذاك الذي ليس عنده تفريغ شريط يعتذر يقول: سامحوني، أنا اليوم مشغول. هنا يتبين من يعتني بنفسه بإصلاحها ومن لا يعتني بنفسه. أليس كذلك؟ هذا اعتنى بنفسه حقيقة، فهو آثر سقوط شيء من الدنيا ليعتني بنفسه ويصلحها. وذاك آثر ألا يتعب نفسه ويفوته شيء من الدنيا لما ليس له فيه مصلحة. مثل ما يقول بعضهم: معاملته معاملة اليهود، ما يريد أن يعطي أحد شيئا إلا وله فيه ماذا؟ وله فيه مصلحة. غير هذا ما يمكن. فإذا رأيته في باب جميل أو إحسان، فهو لا بد أن له مقابل، لا بد أن له مقابل. أما من غير مقابل، فهو لا يمكن أن يعطي من وقته ولا من ماله ولا من قوته ولا من جاهه لأحد. هكذا قد يأتي رجل ضعيف يريد أن يطلب العلم، ما يعرف أحد، ويحتاج لمن يشفع له. الذي يعتني بإصلاح نفسه يتقدم بالشفاعة؛ لأنه يعرف أن هذا من الأخلاق الحسنة ومن الإحسان إلى الخلق. ومن كذلك إرغام النفس بتطهيرها من الأخلاق الرديئة. والآخر ربما إذا رأى من يعرفه وعرف أنه يطلب منه شفاعة، نكس رأسه. وإذا جاء إليه تعرفني يا فلان؟ أنا الذي كنت معك في اليوم الفلاني، أريدك أن تشفع لي. قال: الله نسيتك، ما أعرفك، ما أعرفك. هذا هل يعتني بإصلاح نفسه؟ لا، ما يعتني بإصلاح نفسه. وهكذا قس على هذا أخلاق كثيرة يتساهل فيها طالب العلم في مبتدأ طلبه، ولا يعلم أن كل واحد منها ينكت في قلبه نكتة سوداء، ويثمر في خلقه انحرافا وعوجاجا. يثمر في خلقه انحرافا وعوجاجا. تمر الأيام، ذاك ينمو وينمو معه صلاحه وتقواه، وذاك ينمو ويكبر ويكبر معه ماذا؟ فجوره. وكذلك عدم بره في نهاية المطاف، ربما الجميع يصل إلى منزلة علمية، لكن ذاك جمع مع هذا العلم عملا كثيرا وتقوى وورعا وصدقا وإخلاصا وإحسانا إلى الخلق ومعاني جميلة وأخلاق كذلك فاضلة. وذاك حياته مليئة بالمواقف السيئة، يعرفه من قرب منه ومن لم يقرب منه، وعرفه من المنبر أو عرفه من فوق الكرسي، عرفه صاحب المعلومات والفوائد، وكذلك الدروس وغير ذلك. فإذا مرت الأيام، أحق الله عز وجل الحق وأبطل الباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. ولهذا فإن العلماء من قديم وهم ينبهون لهذا المعنى أن المتعلم ينبغي له تقديم طهارة نفسه عن رذائل الأخلاق. فكل ما كان من الأخلاق رذيلة، فينبغي عليه أن يجتنبه: البخل، الشح، الكذب، عدم الإحسان، عدم كذلك البر، وغير ذلك. من لا يبر بوالديه وقرابته، فهو لا خير فيه، ولو طلب العلم. من لم يعرف الإحسان مع ذويه وخلانه وجيرانه، فلا خير فيه، ولو طلب العلم. وهكذا قل في سائر الأخلاق الحسنة، فهي سبب لصلاح صاحبها، والسيئة سبب لفساد صاحبها. وقوله: «إذ العلم عبادة القلب»، يعني حقيقة العلم هو أنه يصلح هذا القلب. فإذا لم يصلح العلم القلب، فلا فائدة في العلم. لا فائدة في العلم إذا صار العلم لا يصلح القلب؛ لأن العلم الذي لا يصلح القلب هو حج عليك، ليس لك، حج عليك، ليس لك. ولا يعني ذلك أن الإنسان سيكون ملكا، لا، الإنسان محل التقصير. لكن الفرق بين من يقع منه التقصير فلته وهو غير راض عن ذلك ويجاهد نفسه، وبين العكس، من يفعل التقصير خلقا ومسلكا يسير عليه في حياته. وقوله رحمه الله: «وينبغي له قطع العلائق الشاغلة، فإن الفكرة متى توزعت قصرت عن إدراك الحقائق». هذا معنى ثاني من معاني إصلاح المتعلم لطريق تعلمه. الأول وهو الأصل أن يعتني بطهارة النفس وما يلحق به مما سمعنا. والثاني أن يقطع العلائق الشاغلة، يعني يقلل الشواغل عن نفسه، يقلل الشواغل عن نفسه؛ لأن طريق العلم في الحقيقة يحتاج لتفرغ. طريق العلم يحتاج لتفرغ. فلذلك عليه أن يقطع الشواغل، لكن قطع الشواغل في حدود المباح والمشروع، انتبه لهذا، في حدود المباح والمشروع، لا فيما يتعدى ذلك. فإن تعدى ذلك بأن يكون فيه إضاعة للحقوق، لا يجوز. ليس قطع الشواغل كما قلنا قبل، ومثلنا معنى أن تضيع حق المسلم، فضلا عن من بينك وبينه علاقة وصلة أعظم من صلة الإسلام، مثل جار أو قريب أو أب أو أم أو أخ أو غير ذلك. فليس قطع الشواغل معناه إضاعة الحقوق، لا. قطع الشواغل التي لا تنافي الحقوق، هذا ينبغي أن يحرص عليه طالب العلم. فمثلا قلل من صلتك بالناس إلا ما لابد منه، كن وصولا في موضع الصلة، وكن معتزلا فيما يمدح من العزلة. وسط، لا إفراط ولا تفريط. وهكذا كذلك أمر كذلك الفسحة في أمر هذه الدنيا. لك أن تأخذ من فسحة الدنيا ما يروح عنك سآمة العلم، لكن لا تجعل الأصل هو التوسع في فسحة الدنيا وتجعل العلم هو في ثنايا أوقاتك؛ لأن المقصود ينعكس. بعض الناس مثلا يريد يطلب العلم، لكن في الحقيقة وقته لغير العلم، وقته لغير العلم: رحلات ونزهات وجلسات وما شاء الله، وأكل وشرب وغير ذلك، وعزائم ولائم وزيارات. والعلم له فضلة الوقت، لا ينبغي أن يكون العلم هو الأصل، وذاك عند الحاجة. وكما قلنا: ليس معنى ذلك كذلك أن يضيق الإنسان حتى على نفسه، لا. فإن لنفسه عليه حقا. وقوله: «فإن الفكرة متى توزعت قصرت عن إدراك الحقائق»، يعني كثرة الشواغل تشتت الفكر. كثرة الشواغل تشتت الفكر. فلذلك ينبغي أن تكون مقتصدا في التعامل مع من حولك. بخل على نفسك فيما لا يضر بدينك، ولا كذلك يمنعك من علم. مثلا إذا كان عندك مال، تستطيع أن تأخذ ما شاء الله من الكراريس كذا، ومن الأقلام كذا، ومن الأشياء الأخرى، هذا فيما يتعلق بالعلم. كثرتها في الحقيقة تشغلك. إذن قلل، خذ منها ما تحتاجه فقط، لا تكتر على نفسك الشواغل. فإذا كان هذا فيما يتعلق بالعلم، فما هو لا يتعلق بالعلم من باب أولى. لا تجعل لنفسك الشواغل من الملهيات وغيرها. ومثل رحمه الله تعالى بالزواج والنكاح. وهذا المثال يصح إذا كان ليس للإنسان به حاجة، ولم يكن بالمجتمع فتنة. فالنكاح مستحب، وقد يجب، وقد يكون مباحا مرغب فيه مستحب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عليه فهو بالنسبة للشاب موضع تحصين. فإن لم يكن به فتنة، ولم يكن في المجتمع دواعي فتنة، فهو كذلك سبب للمكاثرة. وقد حث النبي عليه الصلاة والسلام عليه، فهو على أقل أحواله مستحب. فإذا كان هذا المستحب يتنازل عنه الإنسان لشيء فيما يظن أنه أنفع، وهو الاجتهاد والتكريس في العلم، فهل هو جائز؟ الصحيح أنه جائز، جائز، لكن خلاف الأفضل، خلاف الأفضل. أما إذا كان في هذا فتنة له، وهكذا كذلك مضرة، فإنه لا ينبغي عليه أن يتأخر في النكاح. وعلى هذا يحمل ما وقع من أهل العلم ممن تأخر في نكاحه أو لم يقدر له نكاح. وإلا فالأصل أن الإنسان لا يحرم ذلك. ومن حرمه على نفسه أو تعبد الله بالامتناع منه، كان آثما، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أنس وعائشة في الصحيحين في قصة الثلاثة. فإنه قال في آخره: «وأحدهم قال: لا أتزوج النساء. قال: فمن رغب عن سنتي فليس مني». فمن رغب عن سنتي فليس مني. والمعنى أن من سنته النكاح والتعجيل به مستحب، مستحب، خصوصا إذا كثرت الدواعي إليه. «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه غض للبصر وأحصن للفرج». الحديث. وهكذا كذلك يحمل ما وقع لأبي بكر الأنباري رحمه الله تعالى. فإنه إن شغل بعلم، والعلم في الحقيقة إذا ذاق طالبه لذته يكون ألذ من كل لذة في الدنيا، ألذ من كل لذة في الدنيا. يشغل القلب والفكر والجسد. وهذا يعرف لمن تعلق به بصدق. ومع ذلك لا يعني ذلك أن يطغى على الحقوق. فمثلا لك زوجة وأنت تحب العلم، ليس معنى حبك للعلم أن تهضم زوجتك. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر: «إن لنفسك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا». وأمره أن يعطي كل ذي حق حقه. وهكذا بقصة سلمان مع أبي الدرداء ذكر معنى ذلك، وزاد: «وإن لزورك أي من يزورك ويأتيك حتى للضيافة عليك حقا». فمن الخطأ أن تسوء أخلاق بعض طلبة العلم مع من يزوره أو مع من كذلك يحتاج إلى ضيافته بحجة أنه حريص على وقته. وهذا خطأ، وليس هذا ممن ينبل، ولا من كذلك يبارك له في علمه. فقد كان العلماء أكرموا الناس وأحسنهم أخلاقا، يقتدون بالنبي عليه الصلاة والسلام الذي كان خلقه القرآن صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك هم هم في النبوغ في العلم وفي الإمامة فيه والهداية به. وقوله: «على المتعلم أن يلقي زمامه إلى المعلم إلقاء المريض زمامه إلى الطبيب». هذا أصل ثالث من الأصول التي تعين المتعلم في استقامته في طريق التعليم. وهو أنه يعطي طريق التعليم حقها من جهة الاستفادة من شيخه. لا ينبغي له أن يجعل نفسه محكما على الشيخ. فإن ذلك سبب لحرمانه طريق العلم. فاستفد من شيخك من علمه، ومن أخلاقه وسلوكه، وهكذا كذلك من آرائه. فمثله كمثل الطبيب. الطبيب يعلم ما يصلح المريض، والمريض قد يظن ظنونا ويجتهد اجتهادات، لكنه في الحقيقة لن تكون اجتهاداته ولا ظنونه بمثل ذاك الطبيب الذي عنده من الخبرة والإدراك لأول الداء وللدواء ما يوصل هذا المريض إلى الشفاء بإذن الله سبحانه وتعالى. وهكذا العالم، العالم مرت عليه أحوال أناس كثر، وهو سار في طريق العلم قبلك، ومرت عليه أحوال وتجارب. فهو يعرف الداء ويعرف الدواء الذي ينفع لهذا الداء. فلذلك قال: «إلقي زمامك إلى المعلم إلقاء المريض زمامه إلى الطبيب». وليس معنى ذلك أن يقع في غلو الصوفية كما يقولون: أن تكون كالميت بين يدي المغسل، لا. ولكن معناه أن تنتفع من خبرة من سبقك وعلم من هو أعلم منك، هذا معناه. ثم ذكر رحمه الله استطرادا من تمام إلقاء الزمام إلى المعلم: أن تتواضع له وتبالغ في خدمته. فإن التواضع والمبالغة في الخدمة سبب لوجود الألفة والمحبة بين الشيخ والطالب، وبين العالم والمتعلم. فإذا كان كذلك، كان هذا أدعى للاستفادة منه. وإذا كان كذلك، فمن باب أولى أن تحرص على علمه؛ فإن هذا من إكرامه. وإذا زهدت في ذلك، حرمت ربما أولا ما قد يتفضل به هذا المعلم عليك من زائد العلم، فضلا عن ما قد يفوتك من تفريطك في هذا الباب. وربما الشيطان ينزغ ببعض الناس، فيقول لهم: أنت الآن تجلس مع هذا الشيخ كذا كذا من الساعات، اجعل لنفسك وقتا في الاجتهاد في شيء آخر. وفي الحقيقة إذا فعل هو لن يجد ما سيجده في درس شيخه؛ لأن الشيخ يقرب له العلوم بأقرب طريق وأكثر طريق. وهو يمكن في الوقت الآخر الذي ليس فيه درس أي لشيخه يستفيد ما يرجوه في الاستفادة منه. فيحرم الشيطان أحيانا الإنسان الاستفادة في طريق التعليم بهذا الباب. وأضرب لكم مثالا قد ذكرته قبل: يأتي مثلا عند رجل متمكن في الحديث، الطالب. فإذا بدأ يدرس عنده فترة، أتاه الشيطان قال: أنت ما تدرس الفقه الآن، أنت تدرس فقط حديث. إذن عليك بالفقه. كما فعل بعض طلبة العلم ممن عرفهم كان عند الشيخ مقبل رحمه الله، قعد فترة يسيرة، وإذا يدندن: نحن ما ندرس فقه، أين دروس الفقه؟ ما شاء الله، الشيخ بن عثيمين عنده فقه وعنده دروس فقهية طيبة. إذن ذهب يغتني أشريطة الشيخ بن عثيمين في ماذا؟ في شرح الزاد والبلوغ ونحو ذلك. وفي وقت دروس شيخنا مقبل رحمه الله هو في غرفته يفرغ دروس الشيخ بن عثيمين. فاتته دروس الشيخ مقبل، لم يستفد منه، لم يستفد من علمه في الحديث، ولا من نصائحه وخبرته بالمسائل المنهجية وغيرها. ثم مرة الأيام والليالي والشهور، وإذا به وصل عند الشيخ بن عثيمين، وكنت قد وصلت قبله. فحضر دروس الشيخ بن عثيمين فترة من الزمن، شهر أو شهرين. قال: سبحان الله، أين علم الحديث؟ فوتنا علم الحديث. أين الشيخ مقبل؟ فرق بين السماء والأرض. أحاديث ضعيفة يذكرها الشيخ، الحمد لله على العافية. ونحو ذلك من الهمز واللمز. وإذا بصاحبنا في وقت دروس الشيخ بن عثيمين في الغرفة يفرغ شرح الباعث والمصطلح للشيخ مقبل. فلا هو استفاد من الشيخ مقبل في وقت وجوده عند الشيخ مقبل، ولا استفاد من الشيخ بن عثيمين في وقت وجوده عند الشيخ بن عثيمين رحمه الله. وقليلا إذا به يذهب عند أناس آخرين من المتحزبة. ثم بعد ذلك إذا به فرد من أفراد أصحاب الجمعيات. الشاهد من هذا: انظر كيف يتدرج الإنسان في حرمان طالب العلم من العلم. ربما يأتيه من هذا الباب. وهكذا كذلك قد يأتيه فيبين له أن هذا الوقت كثير في طريق العلم. مع أن الشيخ في الحقيقة لو أعطى كل وقته ما دمت عنده، فأنت الرابح وأنت المستفيد. فلا تبخل على نفسك بشيء من وقت تستفد فيه من العلم. وعندك من الوقت الآخر الكثير مما تستطيع أن تستفيد من غيره أو تستفيد من أشياء أخرى تحتاج الاستفادة منها. لكن استغل واقعك هذه الحقيقة. كن واقعيا في حياتك العلمية: أنت الآن عند الشيخ الفلاني استفد منه، غدا عند الشيخ الثاني استفد منه. وفقت إلى رجل ثالث استفد منه. كلما وفق لك أحد من أهل العلم، كن واقعيا في حياتك العلمية، استفد منه ما يتيسر من العلم. لا تستقل ولا تستكثر. لا تستقل فما أعطاك اكتفي به، فلا تثقل عليه فيكون سببا لحرمانك. ولا تستكثر ما يعطيك فيكون كذلك سببا لحرمانك. وهذا من تمام كذلك الاستفادة من هذا المعلم. وسيتبين لك إلى مرة الأيام والليالي والأعوام كيف أن لهذا أثر على صاحبه. ثم ذكر رحمه الله أثر ابن عباس، والشاهد منه معلوم. وهو أن أدب ابن عباس مع زيد بن ثابت، وهب ابن عباس علم زيد بن ثابت. وكانت له منزلة عند زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه. وهكذا متى ما أكرمت العالم بالإحسان إليه، جاءك من علمه، ومن بركتي كذلك خدمتك، وكذلك برك به. وهكذا كذلك ذكر بعد ذلك أن التكبر سبب للحرمان. ومتى تكبر المتعلم أن يستفيد من غير موصوف بالتقدم، فهو جاهل. يعني ينبغي أن تكون كذلك واقعيا في الاستفادة من مشائخك الذين تمر بهم. المشائخ ليسوا سواء: هذا عنده علم كثير، وهذا قليل، وهذا عنده في اللغة، وهذا عنده في العقيدة، وهذا عنده في الأصول. استفد من كل واحد. فالحكمة ضالة المؤمن، كما قال رحمه الله تعالى. فطالب العلم يبحث عن العلم، فيأخذ من هذا القليل، ومن هذا الكثير. وفي كل مكان يوفق له يأخذ ما يتيسر. فلا يحرم نفسه بحجة كما قال: أنه غير موصوف بالتقدم. يعني ما يريد إلا كما يقولون: شيخ على مستوى. هذا الذي يريد شيخ على مستوى، يفوته القليل والكثير. لكن استفد. كان أهل الحديث يمرون بالمشائخ والحفظة، فيأخذون منهم. منهم عنده حديث، منهم عنده صحيفة، منهم عنده إسناد عالي، منهم عنده إسناد نازل. الكل يؤخذ منه. ثم بعد ذلك يفتشون. أنت إذا أخذت العلم ممن واجهت، ممن هو أعلم منك، بغض النظر أنه بلغ مرتبة عالية أو مرتبة متوسطة أو مرتبة دون ذلك، المهم الجميع أعلم منك، استفد منهم. بل حتى لو كان مثلك أو دونك، إذا كان هناك مجال الاستفادة منه، فاستفد منه. ولا ينبل الرجل حتى يأخذ ممن فوقه وممن مثله وممن دونه. أنت أحيانا تستفيد حتى من بعض تلاميذك وأنت طالب علم. فالحكمة ضالة المؤمن. هذا يفيدك في حديث، وهذا يفيدك في كتاب، وهذا يفيدك في تخريج، وهذا يفيدك في بحر. فما دمت متواضعا وآخذا للعلم من أي جهة جاءت، فإن العلم سيأتيك. لكن إذا كنت منقبضا مترفعا، فإنك ستحرم العلم، حتى الذي عنده فائدة يبخل أن يعطيك الفائدة؛ لأنه يعرف أنك متكبر، وأنك من النوع المنقبض أو من النوع المترفع، ما تريد فائدة من مثل هذا الإنسان. لكن إذا عرفوك أنك سهل لين متواضع، جاءت لك الفوائد كالمطر، تأتيك من أقرانك وتأتيك من طلابك وتأتيك من مشائخك. فإذا كان كذلك حصلت علما كثيرا. وهذا باب آخر من أبواب انتفاع المتعلم بالعلم. وقوله: «وليدع رأيه لرأي معلمه». هذا من التفصيل كذلك في الأدب مع العالم. أن المتعلم يدع رأيه لرأي معلمه. فإن خطأ المعلم أنفع للمتعلم من صواب نفسه. وهذا الكلام صواب، وليس بخطأ. وتعليق المعلق: أن هذا خطأ، هذا ليس بالصحيح. ليس معناه أنك تتابعه في خطأه، ليس هذا مراده رحمه الله تعالى. فالمؤلف رحمه الله أنبل وأعقل من أن يأمر ويرشد طالب العلم في مثل هذا الكتاب أن يتابع المعلم على الخطأ، لا. لكن مراده أنك لا تتجرأ على المعلم، ولا كذلك تستحسن رأيك دائما على رأي المعلم. لماذا؟ لأن المعلم حتى لو أخطأ، أنت تستفيد من هذا الخطأ. فخطأه كما قال: خير لك من صوابك، أنفع لك من صوابك. لماذا؟ لأن صوابك كان بقلة العلم الذي عندك، وخطأه كان بقدر العلم الذي عنده. في الغالب أن خطأ العالم لو أخطأ في الغالب أن خطأ العالم لو أخطأ لا يخلو من فائدة لمن للمتعلم. مثلا العالم اجتهد، فرأى في مسألة قولا على خلاف ما تعرف أنت. أنت ربما الذي تظنه صواب، وربما يكون هو كذلك صواب، وصلت إليه بطريق واحدة. لكن هذا العالم ربما ما أتى إلى هذا القول لأشياء وتعليلات وأمور أخرى. فأنت إذا أخذت من هذا العالم رأيه، وسمعت منه أدلته، استفد حتى ولو كان الصواب فيما ذهبت إليه. كونك تنتفع من استماعك لما عنده من العلم، هذا زيادة فائدة وعلم لك؛ لأن الحقيقة أنك لا تطلب عنده الصواب، ولكن تطلب عنده كيف تصل إلى الصواب. واضح أنت تطلب عند العالم ليس فقط الصواب، ولكن تطلب منه ما هو أهم من هذا، وهو كيف تصل إلى الصواب. والوصول إلى الصواب لم يكن إلا بمعرفة ماذا؟ كيفية ذلك، من معرفة أخطاء، ومعرفة تجارب، ومعرفة بحوث وآراء وأقوال. وهذا يكون ماذا؟ بصواب مستمر، أم بصواب وخطأ، ونقد، وأشياء كثيرة. فأنت بمثل هذا تستفيد من هذا العالم، وهذا العالم. فتعرف تفكير العالم، وفقهه، وكذلك تدبره للمسائل كيف يكون. فأنت إذا عرضت عليك مسألة تتدبرها وتستفيد في تدبر من سبقك من العلماء، ومن عاشرك كيف تتدبر هذه المسألة. فهذا ينظر إليها بنظر أصولية، وذاك ينظر إليها بنظر حديثية، وذاك ينظر إليها بنظر فقهية، بمعرفة آراء الفقهاء. وذاك ينظر إليها بنظره لغوية بلاغية، متأملا معانيها وألفاظها ونحو ذلك. فأنت تستفيد ولو كان هذا أخطأ أو ذاك أخطأ، تستفيد من هذا كيفية الوصول إلى الصواب، وأشياء أخرى. نكتفي بهذا لانتهاء الوقت، وإلى هنا والله تعالى أعلم.