الدرس في كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 11، الدرس الحادي عشر:من( قال علي رضي الله عنه:إن من حق العالم عليك ... بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره فهذه وظائف المتعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل آداب التعامل مع العالم في مجلس العلم، مثل تخصيصه بالتحية والمصافحة، الجلوس أمامه، وعدم الإشارة باليد أو العين. كما يشمل عدم الإكثار من السؤال أو مراجعته إذا امتنع عن الإجابة.
يتحدث هذا الفصل عن آداب التعامل مع العلماء، مثل عدم الإلحاح في الأسئلة، وعدم انتقادهم، وعدم تتبع أخطائهم. كما يشمل قبول معذرتهم عند الخطأ، وتجنب إفشاء أسرارهم، وعدم الغيبة أمامهم، وخدمتهم وتقديرهم.
ينصح الشيخ في هذا الفصل طلبة العلم في بداية الطلب بالابتعاد عن الخوض في الخلافات والنزاعات بين العلماء، والتركيز على تأسيس أنفسهم في العلوم الأساسية. كما يشدد على أهمية إصلاح العمل والاعتناء بتزكية النفس بقراءة الكتب النافعة.
تم اختتام الدرس عند النقطة المتعلقة بالقسم الأول، وسيتم استكمال القسم الثاني في الدرس اللاحق. كما تم التأكيد على أن الله تعالى أعلم بالصواب.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المقدسي رحمه الله تعالى: وقال علي رضي الله عنه: «إن من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة وتخص بالتحية»، يعني تسلم عليه خاصة. فلو أنك سلمت فقلت: السلام عليكم للمجلس، فيستحسن أن تخص الشيخ بسلام، كأن يكون ذلك بمصافحة إذا كان المجلس كبيرا. وهكذا كذلك إذا كان المجلس صغيرا فصافحت الجميع، فتبدأ بالشيخ، لما ورد في الأحاديث في الأمر بالتكبير: «كبر، كبر». فالمقصود هو الإكرام والإجلال، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وهذا الأثر، وإن كان بعضها للعلم ضعفه عن علي رضي الله عنه، لكن المقصود هو معناه، لا نسبته إلى علي، سواء صح عن علي أو لم يصح، الأمر سهل، ولكن المقصود هو صحة المعنى الذي فيه، مما تؤيده الأدلة. ولهذا يتناقلون مثل هذه الآثار أئمة في كتبهم، خصوصا كتب الآداب. فقلنا: ومن ذلك من صفاته وكيفياته أنك تصافح الجميع في مجلس صغير، فتخصه أولا بالابتداء، وثانيا بزيادة تحية، بزيادة تحية، كأن تقبل رأسه ونحو ذلك مما تعارف عليه الناس وتعاهدوه. فالعرف له كذلك شأنه في مثل هذا المقام، ما لم يخالف الشرع. قال: «وأن تجلس أمامه ولا تشير عنده بيدك». تجلس أمامه لتستفيد منه، وهكذا كذلك لتبره إذا احتاج إلى بر. فالعالم بمثابة الأب، فإذا احتاج إلى بر تكون قريب منه، تحتاج أن تبره بمعانته في فك معلومة أو جواب عن سؤال، أو كذلك غير ذلك من الأشياء والأغراض الكثيرة التي يحتاج إليها في مجلس العلم. وهكذا تستفيد منه كلما دنوت منه استفدت منه، فإن الدنو من الإمام حث عليه الشرع، والدنو من الخطيب حث عليه الشرع، لما فيه من الانتفاع بهذا الدنو. وهكذا كذلك الدنو من العالم في مجلس العلم. وهنا قد يقول قائل: بعض طلبة العلم يفضل الابتعاد لأمور من أهمها يعني في مجلس العلم قد يكون الحياء يمنعه من الاقتراب خشية السؤال أو غيره. وثانيا قد يكون كذلك شيء آخر وهو كما قد يزين الشيطان كثيرا خشية الرياء والعجب بكثرة الظهور في جواب السؤال أو غير ذلك. وفي الحقيقة هذا ليس بشيء مع مصلحة القرب من العالم في مجلس العلم. وعلى الإنسان إذا كان قد ابتلي بشيء من الأهواء في النفس أن يجاهد نفسه عليها. فعلى هذا يحمل قول من قال: «طلبنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يكون لله». الشيطان يزين لطالب العلم في أول الطلب، لكن يجاهد نفسه فلا يترك ولا يمنع نفسه من الخير بسبب مثل هذه الخواطر أو قل أنها تحبيطات الشيطان. والحياء الممدوح هو الحياء الذي لا يمنع من خير، وأما ما يمنع من خير فهو ليس بحياء بل هو خور، وتسميته حياء خطأ. قال رحمه الله تعالى: «ولا تشير عنده بيدك»، لا نافية وليست ناهية على ما ظهر عندكم. لا تشر أو لا تشير، ها بل يأكلكم، فتكون نافية. والمقصود أنه ينبغي أن يتأدب بنفسه، لا يحتاج أن يأمره أحد، فلا يشير من خلقه أنه لا يشير عنده بيده. طالب العلم لماذا؟ لأن الإشارة باليد تشويش على العالم، وهو كذلك نوع من التطاول الذي ينبغي أن يكون ضده في مجلس العلم. مجلس العلم ينبغي أن يكون مجلس وطيء، يعني فيه هدوء وسكون وتواضع وغير ذلك من معاني التراحم نحوها. فكيف إذا كانت الإشارة إلى العالم نفسه، كأن ترفع يدك وتقول: أنت قلت وفلان قال، فهذا فيه أذية بالفعل وأذية بالقول، لا ينبغي لطالب العلم أن يسلك مثل هذا المسلك. قال: «ولا تغمزن بعينك»، كذلك لا باليد ولا بالعين، لأن غمز العين نوع من المناجاة المنهي عنها. إذا كان نهي أن يتناجى الرجلان دون الرجل، كذلك في مجلس العلم من باب أولى. تغمز لصاحبك ما يفهم العالم ماذا يفعل هؤلاء الآن، هذا في مجلس علم أو ماذا يتغامزون تحته وهو لا يدري ماذا يفعل هؤلاء، هذا خطأ. إن كان هناك شيء يؤجل، وإن كان هناك شيء يحتاج الإشارة إليه بقول، لو فعل يستأذن العالم، كان يحضر كتاب أو قلم أو ماء أو غير ذلك، يستأذن. قال: «ولا تكثر عليه السؤال ولا تعينه في الجواب». لا تكثر عليه السؤال بأن تشوش عليه في مجلس العلم، فينصرف عما تكون به فائدة الحاضرين، لأن اعتراضات بالأسئلة ولو كان بعضها نافعا قد يشوش على العالم ما يحب أن يضعه من العلم. وهكذا كذلك الاكثار من السؤال قد تدخل السآمة عليه، يعني من صور الاكتار كثرة الاعتراضات، ولو كان القصد ليس الاعتراض، ولكن المقصود هو الفائدة. كلما تكلم قليلا ترفع يدك: عندي سؤال، ما معنى قوله كذا؟ وما معنى قولك كذا؟ لا تتركه حتى ينتهي من مجلس العلم، ثم ضع ما عندك من أسئلة، واحرص على أن تكون الأسئلة أولا فيما ينفع، وتترك الحشو من الأسئلة، فضلا عن الضار منها الذي يضرك أو يشوش على العالم. قال: «ولا تلح عليه إذا كسل ولا تراجعه إذا امتنع». لا تلح عليه إذا كسل العالم، قد يتعب، سواء في نفس مجلس العلم أو في مجالس أخرى. مثلا تقول له: زدنا اليوم، وهو تراه أنه ما يستطيع أو لا يريد، فلا تثقل عليه، لأنه ربما إذا سئم المجلس كان ذلك سببا لحصول ما لا ينفع أو قد يضر. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يقضي القاضي وهو غضبان»، لأن هذا سبب لعدم الصواب في القضاء. وهكذا كذلك العالم إذا دخل في الدرس، سواء في إتمامه أو عند ابتدائه وهو غير راغب فيه، فإنه ربما لا تنتفع بهذا الدرس. وقوله: «ولا تراجعه إذا امتنع»، يعني مثلا نبهته على شيء فما قبل، لا تكثر وتلح، خلص أنت، نبهت مرة واحدة يكفيك. إن كان التنبيه يصلح أن يكون في نفس الدرس فهو أحسن، إذا كان في هذا نفع للناس بدون مفسدة بحب من العالم. وإن كان لا، فبعد الدرس، فإن لم يقبل، سواء داخل الدرس أو بعد الدرس، فلا تلح. أولا لأنك ربما تكون مخطئا وهو مصيب، وما أكثر هذا. وثانيا ربما يكون هو من الوجه الذي هو محل اجتهاد ونظر، فالعالم بين الأجر والأجرين. وثالثا ربما تكون أنت مصيبا وهو مخطئ، لكن صوابك ليس بخير من خطئه، لماذا؟ لأن إلزامه بما تراه صواب وهو لا يراه ص، سبب لحرمانك العلم منه، لأنه يفسد ما بينك وبينه. وثانيا كذلك أنت تنتفع، لأنك إذا لم تصر على ذلك، ربما بسط لك القول بعد حين. هذا العالم يراجع نفسه. لا تظن أن العلماء، خصوصا العاملون العالمون منهم، لا يهملوا مثل هذه التنبيهات، لكن ربما يكون في نفس الحال هو ما يستطيع أن يجيب، إما لضيق الوقت أو لانشغاله ولاهتمامه بأعظم من هذا، وإما لحاجته إلى مراجعة، يحتاج لأن يراجع نفسه وينظر في الأمر وفي المسألة. فأنت اعطه مهلة، فإذا أعطيته مهلة وصبرت، ربما انتفعت. ما تدري إلا في درس لاحق يأتي العالم ويفيدك جوابا عن الاعتراض الذي اعترضت عليه. قال: «ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، لأن هذا أذية له وتدخل فيما هو من خصوصياته». فكل ما كان بمعنى ينبغي أن يجتنب. قال: «ولا تفشي له سرا، لأنه يحفظ في حق عموم المسلمين، ففي العالم من باب أولى». قال: «ولا تغتابن عنده أحدا». الغيبة محرمة، وعند العالم لها حرمة أكثر، لأنك بمجلس علم، وبين يدي من تقوم عليه الحجة. قال: «ولا تطلبن عثرته، وإن زلت قبلت معذرته». لا تطلبن عثرته، يعني سواء بحسن نية أو بسوء نية، لأن من تتبع عورات المسلمين عموما، تتبع الله عورته وفضحه، ولو كان في قعر داره. فكيف إذا كان هذا ليس من عامة المسلمين، بل عالم من علمائها، من علماء المسلمين، هذا أشد وأشد. فينبغي أن تحذر، أو حتى بحسن نية، بحسن نية تريد مثلا أن تنظر: كم أخطاء لأجل تستفيد: هل أنت تخطئ كثيرا بالنسبة لشيخك أم لا؟ أي نوع من العثرات، فهذا يفسد عليك طلبك للعلم، قد يزهدك في هذا العالم، بينما انتفاعك من علمه خير من لا شيء. تكون معه إذا تركت هذا العالم. وقد كذلك يفسد ما بينك وبينه، إذا اطلع العالم على ذلك أو شعر بلسان الحال أو المقال وقوع ذلك منك، وغير ذلك من المفاسد الأخرى التي قد تدخل على الطالب بسبب تتبع العثرات. وإن زل قبلت معذرته، لأنه مطلوب في عموم المسلمين، وفي العالم من باب أولى. قبول المعذرة في الزلل مطلوب في عموم المسلمين. من أقال مسلما في عثرته، أقال الله عثرته يوم القيامة. أنت مأمور بالتجاوز عن عثارات المسلمين، فكيف بعثارات العلماء الذين أخطاؤهم من الله عز وجل عليهم لفضلهم، أنها تغمر في حسناتهم، فهم بين الأجر والأجرين. بل أخطاؤهم كما قال العلماء، ويشير عليه حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «حسنة». وهذا ليس لكل أحد، هذا للحاكم والعالم، لماذا؟ لأنهم في الغالب لا يتعمدون الخطأ، لا يتعمدون الخطأ. وأما ما كان من عمد، فهؤلاء من علماء السوء، وهذا قليل نادر. وإذا وقع خطأ، فهم أقرب للتوبة والرجوع منك، هم أقرب للتوبة والرجوع منك، لما عندهم من العلم والسابقة والفضل، وكثرة الخير الذي هو مدعاه لمغفرة ذلك. والبحار تتفاوت صغرا وكبرا، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، كما جاء في الحديث الذي يحسنه جماعة من أهل العلم. وقال هذا ابن القيم في حق الصحابة، فهو في حق من دونهم له بعض المعنى، بقدر الفضل الذي يكون عند أهله. ثم أن قبول المعذرة سبب لاستمرار دخول الخير عليك. مثلا أخطأ عليك العالم مرة من الزمان، وهو بشر يصيب ويخطئ، وكذلك يحسن ويسيء. فقبول المعذرة منه مطلوب أكثر، ومؤكد، إذ أن طلب العذر من عموم المسلمين مطلوب. وجزاء سيئة سيئة مثلها، ومع ذلك ماذا؟ فمن عفى وأصلح أجره على الله، هذا أفضل. فكيف بما هو ليس كذلك، ومن عالم. قال: «ولا تقول: أن له سمعت فلانا يقول كذا، ولا أن فلانا يقول خلافك، لأن هذا يفسد عليك شيخك». فليس الناس يستوون في سلامة الصدر، ولا الناس كذلك يستوون في سعة الصدر وتحمل مثل هذا الكلام. فأنت قد تحرم العلم بسبب مثل هذه العبارات التي تؤذي وتشوش. فإن كان هناك حاجة للتنبيه، فليكن بما يحصل به المقصود من دون أذية. قال: «ولا تصفن عنده علما». وقد يبتلى أهل العلم بما لا يبتلى به بعض العامة. قد تقول: كيف هذا؟ هذا لأن الشيطان يأتي لكل جنس من بني آدم بما يستطيع إدخال الشر عليه. كما سئل بعض السلف: لماذا لا نرى الوسوسة في الكفار ونراها في المسلمين؟ فقال مجيبا: «البيت الخرب ماذا يصنع به الشيطان؟ إنما الشيطان يطمع في البيت الكامل». أما البيت الخرب، إيش يريد يدخل فيه السارق؟ إنما يسرق ممن عنده مال، أو ممن ليس عنده مال، من عنده مال يسرق منه السارق. والشيطان ما يأتي بمثل هذا لمن هو واقع في كبائر وذنوب ومعاصي، لكن من سلم من هذا يأتي إليه الشيطان بمثل هذه الدقائق. والغيرة وكذلك أشياء أخرى من جنس هذا. ولهذا كان العلماء يحذرون من تغاير العلماء بعضهم من بعض، فالشيطان حريص. فلذلك لا تعن الشيطان على شيخك. قال: «ولا تعرض من طول صحبته، ولا ترفع نفسك عن خدمته». طول صحبته، سواء في مجلس علم أو في غيره، لأنك لن تحرم خيرا وتعدم كذلك منفعة من مجالسة أهل العلم. ولا ترفع نفسك عن خدمته، يعني تواضع واحرص على خدمته، فذلك يدخل عليك شيئا كثيرا من العلم. قال: «وإذا عرضت له حاجة سبقت القوم إليها». وهذا من بر العالم، فله أبوة علمية، كما أن لأبيك من النسب أبوة نسبية. قال: «فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء». بل أعظم من النخلة، النخلة تسقط عليك طعام يخرج في النهاية بما لا تنتفع به. أما العالم يسقط عليك ما ربما تنج به من النار وتدخل للجنة، أو يرفعك الله عز وجل درجات، أو يكفر عنك به سيئات، وغير ذلك مما هو مضان أهل العلم. قال: «وينبغي أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر من الإصغاء إلى اختلاف الناس، فإن ذلك يحير عقله ويفتر ذهنه». وهذه نصيحة عظيمة، قد يدخل شر كبير على بعض الناس بها. يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر، يعني في أول أمره، من الإصغاء إلى اختلاف الناس، يعني لا تجعل همتك وشغلك الشاغل اختلاف الناس، لأن هذا يشوش عليك الفائدة العلمية. أنت ينبغي أن تعلم أن المقصود من طلب العلم هو ماذا؟ انتفاعك في هذا العلم لنفسك أولا في دنياك وأخراك، ثم ينفع الناس. فلذلك أنت تحتاج أن تؤسس نفسك. ولهذا كان من نصائح أهل العلم: كما سبق أن العالم الرباني يعلم الناس على صغار العلم قبل كباره. أنت لست بحاجة للخوض في مسائل الخلاف والتفصيل فيها. أنت بحاجة إلى أن تبني نفسك، عندك بيت صغير، ليس عندك بيت. طالب علم مبتدئ ليس عنده بيت، كمثل الذي ليس عنده بيت يحتاج أن يبني شيء من الأساس. وهذا الذي يبني من الأساس لا يحتاج أن يشغل نفسه بخلافات وأشياء أخرى. خذ أساس العلم في كل باب ما تحتاجه، واترك هذا إلى أهله، هذه الخلافات. أنت لا استقاضياً ولا عالماً ولا مكلفاً بالخوض في مثل هذا. أتركه لأهله، العلماء هم مضان هذا الخلاف. إن كان شيء يحتاج إلى ترجيح هم رجحوا، وإن كان شيء يحتاج إلى حكم هم حكموا. وأنت ماذا تصنع؟ ترجيحك غير مقبول، وحكمك كذلك مردود. فإذا لا فائدة من ذلك. وأعظم من هذا أن بعض الناس يظن أن حقيقة العلم هو الخوض في مثل هذه الأمور، خصوصا مع وسائل الحديثة اليوم، يعني وسائل الإعلام الحديثة. يأتي بعض الناس ربما يدخل النت كم ساعة، ثم يخرج على زملائه ويصير عليهم شيخ الإسلام، لأن العلم سهل عنده، هو مجرد في ظنه معرفة أخبار الناس، ومعرفة من السلفي ومن غير السلفي، ومن السني ومن الذي ليس بسني، ومن طعن في من، ومن لم يطعن في من. ثم يجلس: يا الله، بسم الله، آخر الأخبار، وقعت فتنة في بلدي كذا وكذا، بين الشيخ فلان والشيخ فلان، والشيخ فلان معروف سلفي، وفلان غير سلفي، وهكذا. فيصير عند المبتدئين أو ما شاء الله شيخ الإسلام. هذا إذا صار يعرف أحوال الناس، ويأتي بالأحكام: فلان وفلان، وهنا حصل كذا، وهنا حصل كذا. شيخ الإسلام، وهذا سهل، لكن طلب العلم حفظ المعلومات، فهم الكلام، أهل العلم، هذا صعب، وطريقه طويل. فلا يصبر عليه أمثال هؤلاء المبتدئون، فيسلكون مسلك آخر، يفسدون على أنفسهم طريق العلم. يأتي المبتدئ ربما أسلم قبل سنة أو سنتين أو ثلاث، وهذا ما شاء الله له في طلب العلم، كما يقولون: عشر سنوات، خمسة عشر سنة، لكن ما درس الأجرومية، ربما بعضهم إذا درس درس مرة أو مرتين إلى ربع الكتاب، ولم يستطع أن يكمله لأنه ثقيل عليه. والقرآن لا يحسن قراءته، والحفظ ليس عنده حفظ، والأربعين نووية ربما سمع بعنوانها، ولا يدري ما فيها من أحاديث، وهكذا كل مبادئ العلوم صفر، لكن في الأخبار، في الخلافات، في القيل والقال، شيخ الإسلام، يعني في ظن الناس، بسبب أنه يتتبع هذا وهذا، عليه سهل، ما يحتاج منه لا تعب ولا حفظ ولا اجتهاد ولا شيء. إنما يقلب النت ساعتين ثلاث ساعات، ويقرأ وينظر الأخبار، ثم يحكم برأيه. حتى الحكم ليس بأدلة شرعية، وبكلام أهل العلم، لكن باعتبارات أخرى عند هذا الإنسان. فمثل هذا يفسد على طالب العلم حياته العلمية، بل ودينه. قال: «فإن ذلك يحير عقله ويفتر ذهنه وينيه». يعني النية تغير، وهذا كما سبق معنا، لأن هذا ليس طريق إصلاح، بل هو طريق إفساد. قال: «وينبغي له أن يأخذ من كل شيء أحسنه، لأن العمر لا يتسع لجميع العلوم». ففي بداية الطلب يأخذ أساسات العلوم، صغار العلم قبل كباره، عقيدة وعبادة، وهكذا في أبواب العلوم الأهم فالأهم. ويستشير أهل العلم، ولا يكثر على نفسه من الدروس، كما مر معنا. حسبه إن أخذ مع القرآن درس أو درسين. والناس يتفاوتون، قد يزيد أكثر من ذلك بحسب استطاعته. قال: «ثم يصرف جمام قوته إلى أشرف العلوم». ومعنى جمام: يعني خلاصة، خلاصة قوته إلى أشرف العلوم، لأن قوته تضعف عن حمل العلوم جميعا، ما يستطيع، لكن يأخذ أهم فالأهم. يبدأ بالعقيدة، وشيء من أمور الفقه، ثم إذا كان هو لسانه العربي غير مستقيم يحاول يدرس اللغة. فإذا أخذ مستوى في اللغة أخذ مستوى آخر في الأصول، مستوى آخر في المصطلح، مستوى آخر في علم كذا، وكذا، وكذا، حتى يرتقي. قال: «ثم يصرف جمام قوة إلى أشرف العلوم، وهو العلم المتعلق بالآخرة، الذي به يكتسب اليقين الذي حصله أبو بكر الصديق رضي الله عنه». حتى شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في صدره». وأشار هنا أن الحديث لم يصح مرفوعا، بل هو من كلام أبي بكر بن عياش رحمه الله تعالى، ومعناه صحيح. فأبو بكر سبق غيره أولا بصدق، ولهذا سمي الصديق. ثم بعمل، ومر معنا حديث استباق أبي بكر وعمر في الصدقة: كيف أن أبا بكر سبق عمر رضي الله عنه، لأن الصدق وحده ما يكفي إذا لم يكن هناك عمل يبرهنه. فأشاهد أن طالب العلم ينبغي أن يعتني بإصلاح دينه، بتتبع الأمور التي تعينه على ذلك. فلا ينبغي أن يكون جامدا معتنيا بالمسائل العلمية دون اعتناء بإصلاح عملي نفسه. بل لابد أن يجعل لنفسه نصيب من إصلاح العمل. فإذا كان هناك دروس في الآداب، تفسير القرآن، شروح الحديث، في ما يتعلق بالوعظ ونحوه، انتفع به. أو يقرأ هو يقرأ، يقرأ كتب أهل العلم التي تزكي النفوس، ككتب ابن القيم وابن الجوزي، وغيرها من الكتب النافعة. ينبغي أن يكون للوقت لطالب العلم وقت لتزكية نفسه بهذه الكتب النافعة، مثل الداء والدواء لابن القيم، وتلبيس إبليس كذلك لابن الجوزي، وغيرها من الكتب النافعة المفيدة. قال رحمه الله: «فهذه وظائف المتعلم»، يعني الأمور التي ينبغي أن يعتني بها المتعلم. طيب نكتفي بهذا ونترك القسم الثاني ما يتعلق بالمعلم إلى درس اللاحق، والله تعالى أعلم.