كتاب العلم وفضله وما يتعلق به  7

كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 7

الدرس في كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 7، الدرس السابع:من( واعلم أنه قد بدلت ألفاظ وحرفت ونقلت إلى معان لم يردها السلف ... وقد صار هذا الاسم يطلق في هذا الزمان على الطبيب والمنجم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تطور مفهوم الفقه في الإسلام

يتناول هذا الفصل تطور معنى الفقه وتخصيصه في العصور الإسلامية، حيث كان الفقه في البداية يشمل معرفة الدين كاملًا، ولكن مع مرور الوقت تم تخصيصه ليشمل فقط المسائل الفقهية العملية. يشرح الشيخ أن هذا التخصيص لم يكن من تعبير الكتاب والسنة، وفهم سلف الأمة.

تعريف العلم والتوحيد ومخاطر علم الكلام

يناقش هذا الفصل تعريف العلم والتوحيد والتذكير في الإسلام، ويوضح أن العلم يشمل مختلف العلوم الدينية، وأن التوحيد يرتبط بالتوكل والرضا بالله، ويحذر من علم الكلام والفلسفة التي حرفت نصوص الكتاب والسنة. كما ينتقد القصاص والوعاظ الذين يفصلون في ذكر الحرام.

تحذير من الممارسات الخاطئة في مجال الذكر

يناقش هذا الفصل مسألة الذكر ومجالسه، ويحذر من بعض الممارسات التي انتشرت في هذا السياق مثل سرد القصص الوهمية وتفسير الأحلام بشكل غير صحيح، ويشير إلى أن هذه الممارسات ليست من الذكر ولا من العلم، ويحذر من تأثيرها السلبي على الناس.

تحذير من تحريف الألفاظ في التعامل مع الدين

يتناول هذا الفصل مسألة تحريف الألفاظ، ويحذر من التسمية على الطبيب أو الكاهن باعتبارها تحريفا في الألفاظ، ويشدد على ضرورة تجنب هذا النوع من التحريف خاصة عند التعامل مع القرآن.

  • 25 جمادى الآخرة 1432هـ - 28/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأعلم أنه قد بدلت ألفاظ وحرفت ونقلت إلى معاني لم يردها السلف الصالح، فمن ذلك الفقه، فإنهم تصرفوا فيه بالتخصيص، فخصوه بمعرفة الفروع وعللها. والمراد بالفروع أي المسائل الفقهية العملية بأدلتها التفصيلية، كتاب الطهارة والصلاة والصيام والحج وهكذا، كذلك البيوع والنكاح والجهاد وهكذا إلى آخره، إلى الحدود والآداب مما يذكر في كتب الفقه. قال: فخصوه بمعرفة الفروع وعللها، مع أن تسميتهم للفقه بهذا الاسم تقسيم محدث، فإن تسمية المسائل الفقهية العملية بالفروع أحدثه المعتزلة أول ما أحدثوه، فجعلوا مسائل العقائد أصولًا ومسائل الفقه العملية فروعًا، وهذا التقسيم تقسيم محدث. لأنه إن بنى على التفريق في أدلة المتواتر والأحاد، أنهم يستدلون بالمتواتر للأصول ولا يستدلون له بالأحاد، ويريدون به العقائد، ويقبلون الأحاد في باب الفروع دون الأصول، وهذا تقسيم محدث، وهو أصول وفروع ومتواتر وأحاد، فيردون الأحاد ويقبلون المتواتر. والصحيح أن كل ما صح، صح الاستدلال به، عقيدة أو عبادة أو معاملة. وأما تعبير بعضهم للعلم به، فلأنه شيء اشتهر، فهم يخاطبون الناس بما قد اشتهر عندهم. وعلى هذا يحمل ما جاء في لسان بعض أو في كتاب بعض من أنكر هذا التقسيم، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أنكر هذا التقسيم في بعض كتبه، وعبر به في مواضع من كتبه. والجمع بينهما أنه عبر به لأنه يخاطب الناس بما يعرفون، وأنكره ليبين أنه تقسيم محدث. وهكذا كذلك ينبغي أن يكون، يقول رحمه الله: قال، فخصوه بمعرفة الفروع وعللها. ولقد كان اسم الفقه بالعصر الأول منطلقًا على علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب. ولذلك قال الحسن -يعني البصري- رحمه الله: «إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع، الكاف عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لهم». فكان إطلاقهم اسم الفقه على علم الآخرة أكثر، لأنه لم يكن متناولًا للفتاوى، ولكن كان متناولًا لذلك بطريق العموم والشمول. فثار من هذا التخصيص تلبيس، بعث الناس على التجرد لعلم الفتاوى الظاهرة والإعراض عن علم المعاملة للآخرة. خلاصة هذا التنبيه أن لفظ الفقه خصه عدد من أهل العلم والناس بمعرفة المسائل الفقهية العملية المبتدأة بكتاب الطهارة والمختتمة بأبواب الحدود والجنايات. وهذا التقسيم أو هذا التعبير والتخصيص لم يكن من تعبير الكتاب والسنة، وفهم سلف الأمة، لأن معنى الفقه أعم من هذا. فالفقه في لفظ الكتاب والسنة، وفهم سلف الأمة، هو معرفة الدين كاملًا، سواء عقيدة أو عبادة أو معاملة أو آداب وأخلاق وسلوك أو غير ذلك. ومنه ما ذكره: معرفة آفات النفوس -يعني أمراض النفوس- ومفسدات الأعمال. آفات النفوس مثل شهواتها، سواء شهوة الرئاسة أو الملك أو كذلك العجب والغرور أو كذلك غيرها، شهوة المال أو النساء أو غيرها من شهوات النفس الخفية والظاهرة. والنفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله. ومفسدات الأعمال كثيرة، مثل الرياء وعدم الإخلاص، فهذا من مفسدات الأعمال. وهكذا كذلك من مفسدات الأعمال الشرك، ومن مفسدات الأعمال الكذب، وغيرها مما ذكر في مفسدات الأعمال. وسيأتي إن شاء الله معنا ربع خاص يتكلم عن هذا المعنى. وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، واضح، يعني أن من الفقه الحرص على العمل للآخرة وعدم الانشغال بشيء من أمور الدنيا، ومن ذلك معرفة حقارتها ونحو ذلك مما ذكره، وكله واضح. فإذا الفقه في اصطلاح الكتاب والسنة، وفهم سلف الأمة، هو كل ما أمر الله ودعا إليه في كتابه أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فيتناول أحكام الدين جميعًا. وبه نعرف أن الناس في اصطلاح الفقه ثلاثة أقسام: طرفان ووسط. طرف خصوه بالمسائل الفقهية العملية، كالطهارة والصلاة والصيام والزكاة إلى آخره. وقسم آخر جعلوه في الزهديات والرقائق، وهؤلاء مخطئون ومقصرون وأخذوا ببعض الحق. وهؤلاء مخطئون ومقصرون وأخذوا ببعض الحق. على أن القسم الثاني -أي من أخذ معنى الفقه في الزهديات- ربما غلوا في هذا الباب حتى كانت عندهم شطحات صوفية، حتى كانت عندهم شطحات صوفية، وهذا لا يوافق الشرع، لا كتاب ولا سنة ولا فهم سلف الأمة. والوسط هو الأخذ بهذا وهذا على وجه صحيح يوافق الحق. وهكذا أخذ الأمور الأخرى. والدليل على ذلك الأدلة العامة الكثيرة، مثل قول الله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، فقوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ ليس معناه يأخذون الزهديات فقط، ولا معناه دراسة أحكام الطهارة والصلاة فقط، ولكن معناه أخذ مسائل الدين عمومًا ما تيسر منها، عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاق وسلوك وآداب وغير ذلك. وهكذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين»، ما معنى يفقه في الدين؟ هل يفهم أحكام الطهارة والصلاة ونحوها أم يفهم فقط الزهد في الدنيا؟ الجواب المطلوب هذا وهذا، وشيء آخر كثير فوق هذين الأمرين، وهذا هو الصحيح. فينبغي أن نفهم أن هذا الباب ينبغي أن يفهم فهمًا صحيحًا، بالذي سمعتم. قال: اللفظ الثاني العلم، فقد كان ذلك يطلق على العلم بالله تعالى وبآياته -أي نعمه- وأفعاله في عباده، فخصوه وسموا به في الغالب المناظر في مسائل الفقه. وإن كان جاهلًا بالتفسير والأخبار، وهذا اللفظ كذلك ينبغي أن نسلك فيه المسلك الوسط. فإن العلم صار في اصطلاح كل طائفة من شغلت به، فعند الفلاسفة الانشغال بالعقليات، وعند المتصوفة الانشغال بالزهديات، وعند المتفقهة الانشغال بمسائل الفقه العملية، وعند أهل الحديث الانشغال بمسائل علم الحديث. ولا أقصد كلهم، ولكن عند طوائف منهم، عند طوائف منهم قد يخص لفظ العلم بهذا المعنى. والصحيح أن العلم في لفظ الكتاب والسنة، وفهم سلف الأمة، ومنهج سائر الأئمة، لفظ يشمل كل ذلك، علم التفسير وعلم العقيدة وعلم الفقه، وهكذا كذلك الزهديات بالمعنى الصحيح المعتدل، وهكذا غيره من مسائل العلم. فلا يصلح أن يخص العلم في باب دون أبواب أخرى، بل العالم هو من أخذ ما تيسر من هذه العلوم، والعلم هو أخذ ما تيسر من هذه العلوم، والعلوم الموصلة إليها كعلوم الآلة، علم اللغة وسائر العلوم الأخرى الموصلة إليه. وهل لا يقال عالم إلا لمن جمع ذلك كله؟ الجواب: لا، قد يقال، لكن يفهم بالقرينة أن المعنى خاص، عالم بالفقه، عالم بالحديث، عالم بالتفسير ونحو ذلك. وقد يكون عالما متخصصًا بباب، ولكن عنده من الأبواب الأخرى ما يحتاجه، وهذا الغالب في مسمى العلماء أنهم يكون عندهم تخصص في بعض الأبواب، لكن عندهم من الأبواب الأخرى ما يحتاجون إليه، ولو لم يكن عندهم تخصص به. قال: اللفظ الثالث التوحيد، وقد كان ذلك إشارة إلى أن ترى الأمور كلها من الله تعالى، إذن قول المؤلف رحمه الله: العلم بالله تعالى وبآياته ونعمه، هذا بعض معنى العلم، وليس كل معنى العلم، حتى ننتبه. قال: الثالث التوحيد، وقد كان ذلك إشارة إلى أن ترى الأمور كلها من الله تعالى، رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب والوسائط، فيثمر ذلك التوكل والرضا. وقد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام في الأصول، وذلك من المنكرات عند السلف. علم التوحيد كذلك علم، كان يخوض فيما يوصل إلى التعلق بالله وحده، فتلتفت إليه لا تلتفت إلى غيره -يعني من الأسباب- وهذا يثمر تمام التوكل والرضا بالرب سبحانه وتعالى، وهذا لب معنى التوحيد، وإلا فمباحثه كثيرة، مباحث علم التوحيد كثيرة تتعلق بربوبية الرب سبحانه وألوهيته وأسمائه وصفاته وسائر مسائل الدين تلحق بعلم التوحيد مما ذكرت في كتب الاعتقاد. وأما ما عبر به بعض الناس بأنه علم الكلام، ما قال: صناعة الكلام في الأصول، يريد طريقة أهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية والكلابية والمعتزلة والجهمية وهكذا بعض الفلاسفة والباء والباطنية، فإنهم جعلوا التوحيد الانشغال بعلم الكلام، سواء علم الكلام ما هو عند هذه الفرق المخلوط ببعض قواعد وعبارات ومعاني كلام الفلاسفة الذي حرفوا به نصوص الكتاب والسنة، أو علم الكلام المراد به الفلسفة المحضة مثل ما عند الفلاسفة والباطنية. كلا الأمرين ليس هو من التوحيد في شيء، بل هذا من المنكرات عند السلف. وقد كان الإمام الشافعي يقول: «حكمي في أهل الكلام أن يضرب بالجريد والنعال، ويطاه بهم في العشائر على الحمير، ويقال: هذا جزاء من ترك سنة أبي القاسم -أو كما قال- رحمه الله تعالى». فقد كان سلف الأمة ومن تبعهم من الأمة يشددون على من ينشغل بعلم الكلام، على أي المعنيين، سواء الفلسفة الخالصة أو الفلسفة المخلوطة ببعض الأدلة الشرعية، لأن بعض الفلسفة خلطت عند بعض المتأخرين بمعض الأدلة الشرعية على وجه فيه تحريف. فالذي يقرأ في كتبهم يظن أنها كتب أهل سنة، فيها آيات وأحاديث، ولكن هذه الآيات والأحاديث محرفة بتلك الفلسفات. فالمهم علم التوحيد ما سمعنا، ليس هو من شغل به هؤلاء. قال: اللفظ الرابع التذكير والذكر، قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، كذلك لغ الذكر والتذكير طيب، سيأتي. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، قال: «وما رياض الجنة؟» قال: «مجالس الذكر». والحديث يحسنه الشيخ الألباني رحمه الله في مواضع، ويضعفه في مواضع، والحديث أقرب ما يكون ضعيفًا، وإن كان معناه صحيحًا. فإن المراد برياض الجنة -يعني- حلق العلم ومجالس الذكر. قال: فنقلوا ذلك إلى القصص وما يحتوي عليه اليوم مجلس القاص من الشطح والطامات، ومن تشاغل في وعظه بذكر قصص الأولين، فليعلم أن أكثر ما يحكى في ذلك لا يثبت. يعني: أكثرها أخبار إسرائيلية. كان في زمن المؤلف أناس يسمون بالقصاص، يجلس مجلس ويبدأ يحدث بالقصص، إما من قصص الأولين من الأنبياء والغرائب والنوادر، أو من قصص العرب أو من قصص العجم أو من قصص الحروب والمعارك أو من قصص ... أو من قصص كذلك الواقعية المختلطة أو المختلطة بشيء من الخيال، وربما تخلط بشيء من المهيجات كذكر بعض المعاصي، وكذلك معاني الحب والغرام ونحو ذلك. فكان الناس بأصنافهم يحضرون هذه المجالس، كل له رغبة وشهوة، أحد شهوته الشجاعة والحروب وكذا وكذا، وآخر شهوته أخبار النساء والمجون ونحو ذلك، لأنهم يذكرون عجائب وغرائب يستفيدونها من كتب يقرؤونها: أن الملك الفلاني كان عنده كذا وكذا، وأما كان يفعل كذا ويأكل من الأدوية كذا وكذا، ويفعل كذا وكذا. ويجتمع السفهاء وأناس كثر، والمقصود هو نهاية المجلس يضعون له الدراهم. فهؤلاء القصاص ذمهم العلماء الراسخون في العلم، وذكروهم بحقيقة أمرهم، كما ذكر ذلك ابن القيم وشيخه شيخ الإسلام، وقبلهم ابن الجوزي في كتاب «تلبيس إبليس»، وعدد من العلماء. ولهؤلاء ورثه ورثتهم اليوم بعض الوعاظ، بعض الوعاظ اليوم سلكوا مسلك أولئك القصاص. ومن تلك المسالك السيئة التفصيل في الحرام، فإن التفصيل في الحرام ليس طريقة الكتاب ولا السنة ولا فهم سلف الأمة. التفصيل في الحرام، ومعنى التفصيل في الحرام -يعني- إذا جاء يذكر في القصص الزنا مثلًا، يذكره مفصلًا بذكر قضيته من الألف إلى الياء. وهذا التفصيل يستمتع به السفهاء، ويتعلم به الجهلاء، تعلمون طريقة الوصول إلى الشر، مثل ما صار يقول بعض السفهاء اليوم: «نحن نستفيد من أشرطة هؤلاء الوعاظ أشياء ما كنا نعرفها»، يذكرون تفاصيل تقشعر منها الجلود، جلود المؤمنين تقشعر من ذكر ذاك السفه الذي يذكر في أشرطة الوعاظ، الذي هو ليس طريقة القرآن والسنة. القرآن إذا ذكر المنكر يذكره مختصرًا ومجملًا حتى لا تتهيج النفوس، حتى الجماع لا يذكر بلفظه في لفظ القرآن، إنما يذكر بمعنى اللمس، ويذكر بمعنى المباشرة، كل هذا تأدبًا ومنعًا للنفوس أن تتشهى بهذه المعاني والألفاظ. فيأتي هؤلاء الجهال فيخرجون عن مقصد القرآن والسنة، ويفصلون في ذكر الحرام. الشاهد أن هذا المسلك صار معنى للذكر ومجالس الذكر عند بعض الناس، حتى صارت في المساجد تعقد المجالس لذكر القصص، كفيع البعض الوعاظ في هذا الزمان، حين ينتشر العفاف. والشريط مليء بقصص كما يقول: واقعية، هي في الحقيقة تعلم الشر لا تحذر من الشر، تعلم الشر لا تحذر من الشر. وهكذا الشريط الآخر: «بحر الحب»، شريط مليء بالقصص التي تهيج على الوقوع في قصص الحب والغرام، لا تحذر، فهي تعلم الشر لا تحذر الشر. ونحو ذلك من مسلك القصاص الذي فعله بعض الناس قديمًا وحديثًا، فهذا ليس بعلم ولا بذكر، ولا كذلك يلحقه الفضل المذكور في الآيات والأحاديث. وهكذا كذلك بعض ما يسمى بمجالس الرؤى، يجلس إنسان ويبدأ مجلس ذكر ماذا عنده؟ يفسر الأحلام، يفسر الأحلام ساعتين ثلاث ساعات، وهو يفسر الأحلام، محاضرة في تفسير الأحلام، هذا كذلك ليس من الذكر. ومثله الأناشيد والمسرحيات، ليس هذا من الذكر ولا من العلم، وكل ما كان ليس بكتاب ولا سنة ولا فهم سلف أمة، ولا ما كان حوله، فليس هو من الذكر الذي حث عليه الشرع. قال رحمه الله: ومن تشاغل في وعظه بذكر قصص الأولين، فليعلم ... هذا واضح مر معنا. قال: كما ينقلون أن يوسف عليه السلام حل تكته، وأنه رأى يعقوب عاضًا على يده -يعني- في تفسير قول الله عز وجل في ذكر يوسف لما هم بها وهمت به. اختلف المفسرون في معنى هذا البرهان، قال بعضهم ما ذكره المؤلف هنا: أنه رأى يعقوب عاضًا على يده، وهذا كذب ليس بصحيح. وقال بعضهم: هم بها وهمت به -يعني- حل تكته -يعني- حل السروال أو ما يقبض على السروال، وهذا كذلك كذب ليس بصحيح، ولم يذكر في لفظ القرآن ولا في شيء من السنة، فهو من الافتراء على نبي من أنبياء الله، وهو يوسف عليه الصلاة والسلام. ولكن الهم المفهوم المعروف من اللغة والشرع والعرف أنه حديث النفس، لا يزيد عن ذلك شيء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة، ومن هم بها فعملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة»، الهم في القلب فقط. والمعنى أن الشيطان أراد أن يدخل هذا في قلبه بهذا الهم، ولكنه تذكر برهان ربه من العلم والتقوى والخوف من الله، فترك هذا الأمر، وهو تارك له من أول الأمر، وهو تارك له من أول الأمر -يعني- لم يحصل منه إقبال للمعصية بفعله أبدًا، لم يحصل منه إقبال للمعصية بفعله. إن مهم في القلب خاطر وزال، فكتبت له حسنة كاملة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وأما هذه التفاسير، فهي من الأخبار الإسرائيلية: أنه حل تكته، أو رأى يعقوب عاضًا على يده. قالوا: أن داوود جهز أوريا حتى قتل -يعني- ما يحكى في ذكر نبأ الخصمين الذين اختصم إلى داوود، وتفسير اليهود وبعض أهل الكتاب: أن داوود أحب امرأة جميلة من بعض زوجات جنوده، فآمر به أن يذهب في قتال مهلك؛ لأجل أن يتزوج امرأته من بعده، وهذا كذب افتراء على داوود عليه الصلاة والسلام. وهذا مما يحكيه القصاص، وما أكثر ما يحكي القصاص الأشياء المكذوبة. قال: وأما الشطح والطامات، فمن أشد ما يؤذي العوام، لأنها تشتمل على ذكر المحبة والوصال وألم الفراق، وعامة الحاضرين أجلاف، بواطنهم محشوة بالشهوات وحب الصور. فلا يحرك ذلك من قلوبهم إلا ما هو مستكن في نفوسهم -يعني- من حب شهوة النساء ونحو ذلك، فتشتعل فيهم نار الشهوة، فيصيحون. وكل ذلك فساد -يعني- لو ذكرت قصص الحب والغرام والعشق والوصال، تجد العوام يصيحون: «الله أكبر، زد يا شيخنا»، وهل «زد يا شيخنا» من الوعظ؟ أو «زد يا شيخنا» من هذا السفه؟ لا من هذا السفه، «زد يا شيخنا» من هذا السفه -يعني- عقنا من هذه القصص الجميلة، وهم يقصدون منها التلذذ بالمواضع السيئة، بالمواضع السيئة. وهذا الذي يحصل للأسف من يتتبع من العوام بصيص هؤلاء الوعاظ بعض الأشرطة، والله ما تستطيع تسمعها حتى خمس دقائق، ولا ثلاث دقائق، يكشعر جلدك من الكلام السيئ الخبيث الذي يعرض على الناس. وأشد منه أن يخلط بشيء من أفعال أصحاب التسجيلات، يأتون بقرع نعال امرأة، ثم اتصال، أو اتصال، ثم قرع نعال، ثم صوت سيارة، ثم عويل امرأة، ونحو ذلك من السخف الذي يهيج النفوس الشريرة. قال: وربما احتوى الشطح على الدعاوي العريضة في محبة الله تعالى، وفي هذا ضرر عظيم. وقد ترك جماعة من الفلاحين فلاحتهم وأظهروا مثل هذه الدعاوى -يعني- تركوا العمل بحجة حب الله سبحانه وتعالى، وهذا فعل المتصوفة: حب الله، حب الله، حب الله، ثم ترك التكسب والعمل، وينقلب الإنسان من عامل إلى شحات، بحجة أنه يحب الله سبحانه وتعالى. قال: اللفظ الخامس الحكمة، والحكمة العلم والعمل به، الحكمة وضع الشيء في موضعه علمًا وعملًا، وضع الشيء في موضعه. ولكن باصطلاح بعض الناس حرف هذا اللفظ. قال: قال ابن قتيبة رحمه الله: «لا يكون الرجل حكيمًا حتى يجمع العلم والعمل». وقد صار هذا الاسم يطلق في هذا الزمان على الطبيب والمنجم، يسمي بعض الناس الطبيب حكيمًا، وهذا موجود عندنا حتى إلى زمن قريب، خصوصًا الطبيب الذي ليس عنده شهادة، يسمونه ماذا؟ حكيمًا. يقولوا: «نذهب عند الحكيم فلان»، وماذا هذا الحكيم يفعل؟ يقول لك: «هكذا كبش أسود ورجوله بيضاء، واذبحه في ليلة كذا وكذا»، كلها شعودة وكهانة وخرافة. أو يأتي إلى منجم من المنجمين، وساحر من السحرة، ويسمى حكيمًا. مثل ما تجدون في بعض الطرق: «صنعة وتعز بيت الحكيم فلان ابن فلان، علاج من المس الشيطاني بالوحي القرآني»، وهو كذب ودجل، أكثره بالسحر وبما كان بمعناه مما حرم الله. فهؤلاء من الكهن والعرافين الذين حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهاب إليهم. فالحكيم حقيقة هو الذي جمع بين العلم والعمل، ويضعه في موضعه الصحيح، هذا هو الحكيم. وأما تسميته على الطبيب أو الكاهن أو غير ذلك، فهذا من التحريف في الألفاظ. طيب نكتفي بهذا وإلى هنا والله تعالى أعلم. ما قلت على الصحيح ولكن مع القرآن.