الدرس في شرح مختصر السيرة 63، الدرس الثالث والستون:من( وقعة بدر الكبرى يوم الفرقان ... كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ـ إلى قوله ـ ولو كره المجرمون ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث الدرس عن غزوة بدر الكبرى وأسبابها، حيث كانت هناك قافلة قادمة من الشام ومعها أموال قريش، واستنفر أبو سفيان أهل قريش لحمايتها. خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه لملاقاة العير.
استعد النبي صلى الله عليه وسلم لقتال قريش بعد علمه بخروجهم لإنقاذ قافلتهم، واستشار أصحابه في الأمر. كما أظهر الصحابة استعدادهم وتصميمهم على نصرة النبي صلى الله عليه وسلم.
يروي الدرس مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الخروج لقتال المشركين، وتأكيد الأنصار على نصرة النبي. كما يذكر بعض الأحداث والمعجزات التي حدثت في الغزوة.
تم اختتام الدرس مع الإشارة إلى تأجيل باقي الموضوع إلى الدرس التالي، مع الدعاء بالعلم من الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال في كتابه "مختصر سيرة الرسول" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "قال وقعة بدر الكبرى يوم الفرقان". وقبل الابتداء بذلك، أنبه إلى ما ذكره رحمه الله تعالى في الدرس السابق في سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إلى آخره. فقد ذكره ابن كثير رحمه الله في تفسيره عن ابن أبي حاتم بإسناده، وهو إسناد صحيح أو حسن. وفيه معنى ما ذكر من سبب نزول هذه الآية في قصة قتل عمر بن الحضرمي. وفي إسناده الحضرمي بن لاحق، وقد ذكر الذهبي رحمه الله أنه وثق، وقال الحافظ: لا بأس به. فالإسناد على أقل أحواله حسن. قال رحمه الله تعالى: "وقعت بدر الكبرى يوم الفرقان، وسميت الكبرى وتسمى كذلك العظمى؛ لأن هناك بدر الصغرى، كما مر معنا في دروس سابقة. وهكذا كذلك كبرى وعظمى لما وقع فيها من النصر العظيم لأهل الإسلام، ولما كان فيها كذلك من الخير العميم، وكذلك حصول ما كان به عزة أهل الإسلام. وسمى يوم الفرقان؛ كما روي عن ابن عباس، فيما رواه ابن جرير، ابن المندر، والحاكم، أنه قال: فرق به بين الحق والباطل. ولهذا سمى يوم الفرقان. وسميت بدر القتال؛ لما وقع فيها من القتال الكبير والنصر، وفيه آيات وعبر كثيرة ستمر بنا في خلال هذه الفصول". قال: "فلما كان في رمضان، بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر العير المقبلة من الشام مع أبي سفيان، فيها أموال قريش، وكانت عير كثيرة، وفيها مال كثير؛ لأن فيها أكثر من ألف بعير، وأن فيها مالا كثيرا. قال بعضهم: بلغ مئة وخمسين ألف دينار". مئة وخمسين ألف دينار، نصاب الزكاة كم؟ كم نصاب الزكاة؟ عشرين دينار. عشرين دينار اليوم هو ما يعادل خمسة وثمانين جرام من الذهب. والخمسة وثمانين جرام من الذهب يساوي اليوم تقريبا، يعني إذا قلنا الجرام بخمسة آلاف، فكم؟ خمسمائة ألف. هو أقل يعني بين الأربع المئة والخمسمائة تقريبا. أربعمئة وعشرين تقريبا. نعم، فهذا مبلغ كبير. فما بالك بمئة وخمسين ألف؟ مئة وخمسين ألف لو قلنا عشرين بسمة، مئة وخمسين عبارة عن كم مرات؟ سبعة، سبع مرات ونصف. يعني في خمسمائة ألف، كم صارت؟ خمسمائة ألف في سبع مرات ونصف، ثلاثة مليون وخمسمائة. زد فيها ثلاث نقاط، التي ألف كم صارت؟ ثلاثة مليار أو أكثر. أكثر من هذا. فانظر إلى هذا المبلغ العظيم. قيل: إن أهل مكة أرسلوا كل ما يملكون، ما من رجل ولا امرأة إلا وأرسلوا في تلك الرحلة التي خرج فيها أبو سفيان ما معهم من مال. فكان فيه مال عظيم. ولهذا استنفر أبو سفيان أهل قريش على مالهم. خرجوا. قال رحمه الله تعالى: "فيها أموال قريش، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس للخروج إليها؛ يعني لأخذ ما فيها، استيفاء لما وقع من المشركين بالمسلمين في مكة من أخذ أموالهم واستحلال دمائهم وغير ذلك". قال: "فخرج مسرعا في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان؛ فرس للزبير، وفرس للمقداد بن الأسود. وكان معهم سبعون بعيرا، يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد. واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم". والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في بعض الروايات الصحيحة، لما بلغه الخبر، قال: "أمر أن لا يخرج معه إلا من كان جاهزا". حتى استأذنه بعض أهل العوالي -يعني أهل قبا وما حولها- أن يذهبوا فيأخذوا أجهزتهم -يعني ما معهم للحرب والقتال- فلم يأذن لهم عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان يريد أن يدرك تلك القافلة التي فيها أبو سفيان. قال: "فلما كان بالروحة، رد أبا لبابة بن عبد المنذر، واستعمله على المدينة؛ يعني رأى أن وجوده أنفع للناس". قال: "ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، والراية إلى علي، وراية الأنصار إلى سعد بن معاذ". وفي هذا دليل كذلك على صحة إمامة الأعمى في إمامة الصلاة وإمامة الملك إذا كان يحسن ذلك ولا يمنعه مانع ولا يعوقه ما يفسده؛ فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح، خلافا لمن زعم أن ذلك لا يجوز، وهذا خطأ. قال: "ولما قروا من الصفراء، بعث بسيس بن عمر، وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبار العير". وبلغ أبا سفيان مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، وأبعثه حثيثا إلى مكة -يعني مسرعا- وقد أعطاه عدة دنانير إلى عشرين دينارا؛ لأجل أن يخبر أهل مكة بضرورة خروجهم لإنقاذ مالهم. قال: "مستصرخا قريشا بالنفير إلى عيرهم، فنهضوا مسرعين، ولم يتخلف من أشرافهم سوى أبي لهب". وقيل: إنه أمره أن يغير رحله، ويجز أذن ناقته أو بعيره، وهكذا كذلك أن يشق ثوبه من قبل ومن دبر -يعني من أمام ومن خلف- وكانت هذه علامات عند العرب للاستنفار في الأمر العظيم. ففعل ذلك. قال: "فإنه عوض عنه رجلا بجعل". وقيل: إنه لم يعوض. فإن أهل مكة تشاوروا فيما بينهم، فأمروا أن لا يكون رجل إلا خرج أو أخرج مكانه رجل آخر بجعل -يعني لا يتخلف أحد، إما أن يخرج وإما إن كان عنده عذر يستأجر إنسان ويخرج مكانه- فخرج الجميع، وبعضهم أخرج مكانه رجلا آخر. قال: "وحشدوا في من حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلف عنهم من بطون قريش إلا بني عدي، فلم يشهدها منهم أحد". وخرجوا من ديارهم كما قال تعالى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فجمعهم الله على غير ميعاد؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ بِالْمِيعَادِ﴾. يعني شاء الله سبحانه وتعالى أن يخرج كفار قريش من مكة، وأن يصلوا إلى المكان الذي يقتلون فيه من غير سبب ظاهر؛ لأن الأصل أنهم خرجوا لإنقاذ القافلة. فنجت القافلة، استطاع أبو سفيان بمن أرسل من الرسل ومن ادجسس في أخبار النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه أن ينفذ ويفر مما أريد به. فلما أبلغ قريش ذلك، وقد خرجوا من مكة، أبوا إلا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه ويقاتلون. فكان ما أراد الله عز وجل بحكمته البالغة. قال: "ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروج قريش، استشار أصحابه". فتكلم المهاجرون فأحسنوا. ثم استشارهم ثانيا، فتكلم المهاجرون فأحسنوا. ثم ثالثا، والنبي صلى الله عليه وسلم كأنه بذلك يعرض بالأنصار. لماذا؟ لأنه إنما بايع الأنصار حين خرج إليهم من مكة على أن يمنعوه في دارهم -يعني يحمو النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه من المهاجرين في المدينة- ولم تكن بينه وبينهم بيعة في القتال خارج المدينة ضد أحد. فاحتاج ذلك أن يكون منهم إذن في ذلك. وقد خرجوا معه لأجل العير -يعني خرجوا ليس للقتال، وإنما خرجوا لأخذ القافلة- لكن لما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام خروج المشركين، استأذن في ذلك بهذه المشاورة. ويدل كذلك على ما كان عليه هدي نبينا عليه الصلاة والسلام -وهو رسول الله- من أمر المشاورة، فمن دونه من باب أولى. والله يقول: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. قال: "فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثانيا، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم ثالثا، ففهمت الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يعنيهم". فقال سعد بن معاذ: "كأنك تعرض بنا يا رسول الله". وكان إنما يعنيهم؛ لأنهم بايعوه على أن يمنعوه في ديارهم. قال: "وكأنك تخشى أن تكون الأنصار ترى عليهم أن لا ينصروك إلا في ديارهم. وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فامض بنا حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا منها ما شئت. وما أخذت منها كان أحب إلينا مما ترك. فوالله لئن سرت بنا حتى تبلغ البركة من غمدان لنسيرن معك". والمراد بالبرك: برك الغماد، قيل: إنه اسم موضع في طرف اليمن، كان يضرب به المثل فيمن سافر فأبعد. وقيل: إنه موضع في ساحل أرض الحبشة. والشاهد من هذا أن المقصود: اذهب بنا إلى أي مكان تريد، ولو سافرت بنا بعيدا. قال: ﴿فَوَاللَّهِ لَئِنْ سِرْتَ بِنَا حَتَّى تَبْلُغَ الْبَرْكَةَ مِنْ غُمْدَانَ لَنَسِيرَنَّ مَعَكَ﴾. عندي بالضم، والصواب: الظهر غمدان بالفتح. ﴿وَاللَّهِ لَئِنْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ لَنَخُضْنَاهُ مَعَكَ﴾ يعني: لو قلت لنا امشوا في هذا البحر، لمشينا. وأصل هذه التفاصيل بعضها في صحيح البخاري، وبعضها في صحيح مسلم، وبعضها في مسند الإمام أحمد، وأكثرها بأسانيد صحيحة. ومنها ما ذكره أهل السير. فبالجملة أكثر هذه التفاصيل صحيحة. قال: "وقال المقداد بن الأسود: قال: إذن لا نقول كما قال قوم موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن نقاتل من بين يديك، ومن خلفك، وعن يمينك، وعن شمالك". فأشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمع منهم. وقال: "سيروا وأبشروا؛ فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد رأيت مصارع القوم". وهذا من الآيات العظام في هذه الغزوة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم حدد لهم مصارع الرجال بأسمائهم، وأماكن قتلهم، حتى إنه عليه الصلاة والسلام أخبر بمواضع قتلهم. قال الراوي: "فما أخطأ أحد منهم ما حد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم". يعني: أن كل واحد مات في المكان الذي حده له النبي عليه الصلاة والسلام. هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، هنا يموت فلان، وهنا يموت فلان. فوقع بمثل ما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا دليل عظيم من أدلة كثيرة على صدق نبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام. قال: "وكره بعض الصحابة لقاء العدو". وقالوا: "لم نستعد لهم". فهو قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ يعني من سورة الأنفال. وليست هذه الكراهية كراهية معصية، ولكن طلب كمال. أرادوا الكمال -يعني أننا ما خرجنا لقتال، نريد أن نستعد، نريد أن ننتصر، نريد أن يكون عندنا وعندنا- ولكن أراد الله عز وجل أمرا كان مفعولا. فكان ما أراد الله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إن شاء الله إلى الدرس اللاحق. والله تعالى أعلم.